نَقَّبت بكنوزي وأخرجت لآلئي من قاع بحر الكَلم، واختلست من السماء سحابةً عابرةً، لتُغرد طيور أفكاري في حَياةِ هذا الشَيخ وروعةِ فكره الرشيد، كَيف أرسم مِن هذه الكَلمات قصةً بسيطةً وحدثًا جميلاً؛ فحياة الإمام الياسين مليئةٌ بالعبرِ والمواقفِ الجمةِ، كيف لا وهو صاحب الفِكر الشامخ والرسالة العَظيمة، والمَبادئ المُثلى؟! قَلّبت ذكرياتي لأحدثكم عن هذا الشيخ الجيل.

 

* تَمر عَلينا ذكرى استشهاده لتَتَعطَّر آذانُنا وأسماعُنا وأرواحُنا بسيرةِ صَاحبها، لنَتَذكر القوة والهِمَّة والأمل الكبير في صاحب الجسد العليل، والفكر الرشيد، عبقرية الشيخ الجليل تجلَّت في كلِ شيءٍ؛ في الفِكر والإِدارة والسِياسة، والسُجون وآلامِ الأسْر.

 

 الصورة غير متاحة

 غسان مصطفى الشامي

إنها ذِكرى تُجدد الحماسة في أرواح الشباب، والعمل والإخلاص، عندما كان الشيخ الجليل يتنقَّل على دراجته الصغيرة، ليوقظ أصحابه لصلاة الفجر، ليُعلي هممهم وفكرهم، وليَدَّبَّروا القرآن وآياته، بناء الإنسان وإصلاحه كان يمثل همًّا كبيرًا لشيخِ الأمة، وكَثيرًا كان يُحدث الصِغار قبل الكبار عن حياته الدراسية ورحلاته المدرسية، إلى قرى ومدن وطنه المعذب، فهو لا يُعادي أحدًا، ولا يَعرف قَلبُه سوى الحب والوفاء، حتى إنه ينشد السَلام مع الجَميع، وهَمه الوحيد خدمة دينه التليد، وتحرير وطنه الأسير.

 

* نسائم الذكرى ورياحينها تَتَعطَّر، مع تَفتح زُهور الربيع وشققة العصافير بين الأزهار والورود، لتَنقلنا إلى ذِكريات الصبا في فلسطين؛ ذِكريات عَشقتها قلوبنا، ودَمِعتها عُيوننا..

هذا الربيع الطَلق يَختال ضاحكًا     من الحُسنِ حَتى كَاد أن يَتكلما

 

* راح فكري يسأل نفسه، في ذكرى الشيخ ماذا يَكتب القلم؟ فقد تاهت الكَلمات وتَبعثَرت الأوراق، وانسكب الحِبر على السطور؛ فالتَاريخ شَامخ البناء، والغرس دومًا في نماء، شَيخي الياسين، لا يَمتلك لمثلِ قلمي أن يُكتب عنك من شدةِ العَطاء والتَضحيات الجِسام، والوَفاء للجُيوش والرسالة الشماء، ويَتلعثم لساني ويتحشرج صوتي ولا أمتلك البلاغة لأتكلم في حضرتك، فأنت سيدُ الكلام ورجل الصَمت المَليء بالحُروف، فسلام عليك في الخالدين.

 

كيف أُسَطِّر من أحرفٍي حِكايةَ صمود شيخنا الجليل؛ فجدران وأقبية السجون تَشهد، فقضبان السجن صدأت وتعبت، ولم يتعب الشيخ؛ فهو صاحب الجسد العليل الذي ضرب للعالم المثل في التحدي والإصرار والشموخ..

 

إنها عبقرية الشيخ، إنها حكاية الزمن الأليم، كيف لي أن أكتب أسطورة الثوَّار تحلو بها الحياة وتترنَّم، جَعل من روحه جسرًا يعبُر عليه عشاق البندقية والهائمون في الكفاح وحب الوطن.

 

شيخي الجليل، صَاحب الابتسامة الواثقة والقلب الرحيم.. من كرسيه العتيق زلزل الأعداء، ومن كلماته أضرم النيران في دولتهم الزائلة، لقد أحيت كَلماتُه قُلوب الشَباب والفتية الصغار، وفهمتها العُقول لتبني للأمة الحصون.

 

* لعلنا الصامتين نبكي على جدار الزمن، ونسكب العبرات على أرصفة المِحن، ليس على شيخٍ رحل، بل على ذكرياتٍ وعِبر، عندما نتذكرها نتلمَّس الدفء من عبقها والفضل من دُروسها، وتُشعل فِينا الجِد والعمل لتَحيا بفكرنا الأمم.

-----------

* ghasanp@hotmail.com