سبق أن أشرنا في مناسبة سابقة إلى أن صمت العالم العربي على قيام "إسرائيل" باغتيال من تشاء في داخل الأراضي العربية هو الذي شجَّع "إسرائيل" على ذلك، وكان آخر ضحايا هذه السياسة "الإسرائيلية" المعلَنة تطبيقًا لسياسة اليد الطويلة للموساد؛ هو اغتيال محمود المبحوح أحد أهم قيادات حماس العسكرية، فكيف نفسر الصمت العربي على الاغتيالات "الإسرائيلية" والاعتداءات "الإسرائيلية" المتكررة على الفلسطينيين واعتقالهم وتعذيبهم؟

 

هل أطلقت النظم العربية يد "إسرائيل" صراحةً في المنطقة؟ أم أن هذا السجل الحافل من الاغتيالات "الإسرائيلية" لكل الشخصيات النافعة لمواجهة المشروع الصهيوني يشهد فعلاً بأن الموساد هو الحارس للتوحش "الإسرائيلي"، وأنه بلغ من الجسارة أن يعمل بوضوح جهارًا نهارًا، وألا تعقب أي دولة عربية على ما يقوم به الموساد؟ وعلى سبيل المثال: ماذا فعلت مصر حتى بعد أن أعلنت "إسرائيل" وعرضت هذا الإعلان في فيلم "إسرائيلي" عن اغتيال آلاف الأسرى المصريين في "إسرائيل"؟ وماذا فعلت مصر بعد أن اغتالت "إسرائيل" علماء مصر في مجال الطاقة الذرية، الذين كانوا دعامةً لقوة نووية عربية تضمن تحييد القوة "الإسرائيلية"؛ حتى لا نكون تحت رحمة "إسرائيل"؟ وهل يخشى الزعماء العرب حقًّا أن تطالهم يد الموساد أم أنهم يخشون أن تُظهر لهم "إسرائيل" ما لا يرضونه من الأعمال؛ أي أن الابتزاز والخوف هما اللذان يفسِّران السكوت المطبق للنظم العربية؟!

 

فقد اغتيل قادة منظمة التحرير الفلسطينية في تونس، وبيروت، ودمشق، والإمارات العربية، فلماذا تكتفي هذه الدول باتهام الموساد أحيانًا دون أن يُبحث هذا الموضوع بالجدِّيَّة الواجبة في الإطار العربي؟ أم أن هذا الموضوع بالغ الحساسية يتجنَّبه العرب جميعًا؟ وما رأيُ الدول العربية في سياسة الاغتيالات "الإسرائيلية" للقيادات الفلسطينية؛ حيث اغتالت خلال أسابيع عددًا كبيرًا من القيادات، أبرزهم: الشيخ أحمد ياسين، وعبد العزيز الرنتيسي، وهي قياداتٌ سياسيةٌ روحيةٌ؟ فهل سلَّم العالم العربي بأنَّ من حق "إسرائيل" أن تغتال قادة المقاومة؛ لأنها تدافع عن نفسها ولا تريد أحدًا يؤرِّق أحلامها في الاستيلاء على فلسطين؟!

 

لست مقتنعًا مطلقًا بأن تثار قصصٌ ورواياتٌ حول قادة المقاومة، الأعداء الحقيقيين لـ"إسرائيل"؛ فعندما اغتيل القائد العسكري في حزب الله عماد مغنية تجاهل العالم العربي تمامًا أنه يحارب عدوَّهم، وأنَّ فقده أضعف جناحهم، وركَّزوا على ما يُشين الرجل ويبرِّر ما قامت به "إسرائيل"، وهذه من حالات السقوط الكبرى في العالم العربي، تمامًا كما ينظر بعض المتنطِّعين إلى حزب الله على أنه حزبٌ شيعيٌّ مدعومٌ من إيران، وكأنها سبَّةٌ ولعنةٌ، وذلك للنيل منه لصالح "إسرائيل"، وإذا كان ذلك يحدث مع حزب الله وعماد مغنية فلماذا لا يدين العالم العربي "إسرائيل" لاغتيالها مواطنًا عربيًّا كل ذنبه أنه من قادة "حماس"؟! أم أن "حماس" هي الأخرى قد أُريق دمها لمجرد أنها تعادي "إسرائيل" "المحبوبة الجديدة" في العالم العربي؟! ولماذا لا تدافع الدول العربية ضد عدوان "إسرائيل" على كرامة دولة عربية أخرى وهي الإمارات العربية المتحدة، خاصةً بعد أن أعلنت سلطات دبي أن الموساد هو الذي قام بالاغتيال؟ أم أن العالم العربي قد أصبح متفرجًا على تصفية "إسرائيل" للمقاومة، بل ومضيِّقًا على هذه المقاومة؛ لأنه لا يستطيع أن يجمع في قلب واحد بين "إسرائيل" والمقاومة؟!

 

وإذا كان ذلك هو سلوك النظم فماذا عن موقف الشعوب؟ ولماذا لا تخرج الشعوب والأقلام وأدوات الاتصال الحديثة لكي تعلن عن مساندتها للمقاومة وعزمها على الانتقام من "إسرائيل"؟ أظنُّ أنني أحلم في عالم عربي أصبح يحظر الأحلام، وأنا أشهد أن كل من يُقدِم على إنقاذ غزة يلقى من الهوان الكثير، وكل من يتظاهر لحدث يتعلق بالمقاومة يُصَنَّف على أنه من أعداء الوطن، ولكنَّ الشعوب تريد أن تعرف النهاية حتى تحدِّد العدوَّ من الصديق، فهل تَهَوَّد المُلْكُ في العالم العربي لأسباب مختلفة حتى نكفَّ الشارع العربي على المطالبة بالمستحيل؟!