مع استمرار تداعيات الإبادة الجماعية، وتداخل الملفات الإقليمية مع المشهد الفلسطيني، تبدو الترتيبات المتعلقة بمرحلة ما بعد العدوان في قطاع غزة أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا.
فبين الحديث عن دور اللجنة الوطنية لإدارة غزة، ونشر قوات دولية للفصل بين الأطراف، وطرح ملف نزع السلاح مقابل إعادة الإعمار، تتراكم الأسئلة حول فرص تنفيذ هذه التفاهمات في ظل الجمود السياسي والتطورات الإقليمية المتسارعة.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب والمحلل السياسي مأمون أبو عامر أن مجمل هذه الملفات دخلت في حالة شبه تجميد، بفعل تعقيدات ميدانية وسياسية، إضافة إلى ارتباطها المباشر بمآلات الصراع الإقليمي الأوسع.
اللجنة الإدارية.. خطوة مؤجلة
يقول أبو عامر للمركز الفلسطيني للإعلام إن فكرة تشكيل لجنة إدارية لإدارة الشئون المدنية في غزة ترتبط أساسًا بتنفيذ بقية بنود التفاهمات التي يجري الحديث عنها، وعلى رأسها إدخال قوات دولية للفصل بين القوات، تمهيدًا لبدء مرحلة انتقالية تتولى خلالها لجنة تكنوقراط إدارة الشؤون العامة والخدماتية في القطاع.
لكن هذه الترتيبات، وفق تقديره، خرجت عن إطارها الزمني المفترض، خصوصًا بعد التصعيد الإقليمي المرتبط بالحرب في إيران والتوترات المتصاعدة في لبنان، ما أدى إلى تجميد عملي للعديد من المسارات المتعلقة بمرحلة ما بعد الحرب.
معضلة الدخول إلى غزة
ويشير أبو عامر إلى أن أحد أبرز التحديات التي تواجه هذه اللجنة يتمثل في أن أعضاءها ومسئوليها يقيمون خارج قطاع غزة، موضحًا أن إسرائيل كانت تمنع دخولهم إلى القطاع حتى قبل التصعيد الإقليمي الأخير.
ويضيف أن هذه المسألة تطرح إشكالية جوهرية، إذ يصعب تصور قدرة لجنة إدارية على إدارة الشئون العامة في غزة في ظل عدم قدرتها على الدخول إلى القطاع ومباشرة مهامها ميدانيًا.
تساؤلات حول دور الجهات الدولية
ويطرح أبو عامر تساؤلات حول دور الجهات الدولية المشرفة على هذا المسار، مشيرًا إلى أن اللجنة التنفيذية لما يُسمى"مجلس السلام العالمي" لم تمارس حتى الآن ضغوطًا حقيقية على إسرائيل للسماح بدخول اللجنة إلى غزة وبدء الترتيبات العملية لتسلّم الإدارة.
ويرى أن استمرار هذا الوضع يعكس حالة من التعثر السياسي، ويضعف فرص نجاح الترتيبات المطروحة ما لم يحدث تدخل سياسي أكثر فاعلية.
الدور الأمريكي الحاسم
ويؤكد أبو عامر أن فرص تنفيذ هذه الترتيبات تبقى محدودة دون تحرك مباشر من الولايات المتحدة للضغط من أجل تطبيق بنود اتفاق وقف الحرب، والسماح ببدء الخطوات العملية على الأرض.
ويأتي ذلك في وقت تتحدث فيه تقارير عن وجود وفد من حركة حماس في مصر لبحث هذه الملفات، غير أن هذا اللقاء – وفق أبو عامر – لم يرشح عنه حتى الآن ما يشير إلى بدء التنفيذ الفعلي لأي من هذه التفاهمات.
تأخر نشر قوات الاستقرار
ويشير أبو عامر إلى أن الحديث كان يدور عن بدء نشر قوة استقرار دولية في ما يعرف بـ"المنطقة الصفراء" داخل قطاع غزة خلال شهر مارس الجاري، إلا أن عدم تحقق هذه الخطوة حتى الآن يعكس حالة من المماطلة، ويعزز الانطباع بأن الاحتلال يؤخر تنفيذ هذه الترتيبات.
عقدة نزع السلاح
ويعتبر أبو عامر أن ملف نزع السلاح مقابل إعادة الإعمار يمثل أحد أكثر الملفات تعقيدًا في المرحلة الحالية. فالمشكلة – كما يوضح – لا تتعلق فقط بمبدأ نزع السلاح، بل بطبيعة الشروط التي تطرحها إسرائيل لتنفيذه.
ويقول إن الاحتلال يسعى إلى فرض نزع السلاح قبل البدء بالانسحاب من غزة وفتح المعابر، كما تريد أن تتم العملية وفق الآلية التي تحددها هي، وهو ما يطرح عدة تساؤلات أساسية: ما طبيعة السلاح المقصود؟ ولمن سيتم تسليمه؟ ومن هي الجهة التي ستشرف على هذه العملية؟
كما يلفت إلى أن تنفيذ مثل هذه الخطوة في ظل غياب لجنة إدارة محلية واضحة أو سلطة انتقالية في غزة يبدو أمرًا بالغ التعقيد.
مستقبل الترتيبات مرهون بنتائج الحرب
ويخلص أبو عامر إلى أن المشهد الحالي يعكس حالة من الجمود السياسي، وأن الحديث عن سيناريوهات واضحة لمستقبل غزة يبقى سابقًا لأوانه، ما لم يتم استئناف المسار السياسي وتطبيق التفاهمات المطروحة على الأرض.
ويرى أن مستقبل هذه الترتيبات سيظل مرتبطًا بنتائج المواجهة الإقليمية، فإذا ما أفضت التطورات إلى تسوية سياسية معقولة فقد تتجه الأمور نحو تنفيذ تدريجي للترتيبات في غزة.
أما إذا انتهت المواجهة بتفوق صهيوني–أمريكي واضح، فقد يمنح ذلك الصهاينة شعورًا أكبر بالتفوق، بما قد يدفعها إلى التشدد أو حتى التنصل من بعض الالتزامات.
وفي المقابل، يشير أبو عامر إلى أن أي إخفاق صهيوني في المواجهة مع إيران قد يدفع نتنياهو إلى البحث عن ساحات أقل كلفة سياسيًا وعسكريًا، وهو ما قد ينعكس على طريقة التعامل مع ملف غزة في المرحلة المقبلة.