يقول الله تعالى: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً﴾. وكلمة القضاء في القرآن تأتي على معانٍ متعددة، منها: الحكم، والإعلام، والإنهاء، والمقصود هنا الإخبار والبيان بما سيقع. أما الكتاب فالمقصود به إما التوراة التي أُنزلت عليهم، أو ما كتبه الله تعالى في قضائه وقدره في أمّ الكتاب.

 

فالمعنى أن الله سبحانه أخبر بني إسرائيل أنهم سيفسدون في الأرض مرتين، وأن لهم علوًّا كبيرًا. وهذا يدل على وقوع حالتين من العلو والفساد، وهو ما يشير إلى قيام دولتين لبني إسرائيل يقع فيهما هذا العلو.

 

أما الدولة الأولى فقد قامت في زمن داود وسليمان عليهما السلام؛ وذلك حين قتل داود جالوت، كما قال الله تعالى: ﴿فقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة﴾، فكان ذلك بداية الملك لبني إسرائيل، ثم ورثه سليمان عليه السلام، واستمر الملك في ذريتهما فيمن تبعهم من ملوك بني إسرائيل، فلما فسدوا وانحرفوا وبدّلوا، أراد الله إسقاط دولتهم، فسلّط عليهم أعداءهم، قال تعالى: ﴿فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً﴾، ومعنى ﴿بعثنا عليكم﴾ أي سلّطنا عليكم، وقوله: ﴿عباداً لنا﴾ لا يقتضي أنهم مؤمنون؛ لأن اللفظ جاء نكرة، فلم يقل عبادنا. فلو قال عبادنا لاحتمل معنى التشريف، أما قوله عباداً لنا؛ فالمقصود أنهم عباد لله مملوكون له، يجري عليهم قدره، فهم داخلون في ملكه وسلطانه يفعلون ما قدّره عليهم.

 

ومن هؤلاء الذين سلطهم الله على بني إسرائيل بختنصّر ومن معه من الفرس، وكذلك الروم والبيزنطيون، الذين دخلوا بلادهم وتوغّلوا فيها حتى أسقطوا دولتهم. ولهذا قال تعالى: ﴿فجاسوا خلال الديار﴾ أي دخلوا البلاد وتتبّعوا أهلها في مساكنهم.

 

ومنذ سقوط تلك الدولة لم تقم لليهود دولة مستقلة قرونًا طويلة، بل عاشوا في الشتات متفرقين في البلاد. ولهذا قال الله تعالى: ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة إلا بحبل من الله وحبل من الناس﴾، أي لا تقوم لهم قوة ولا يستقر لهم حال إلا بمعونة قوة أخرى تتبناهم أو تحميهم، فمرة يتمسكون بحبل من أمريكا ومرة يبحثون عن حبل من الهند وغيرها، فهم لا يعيشون إلا بحبل من الله وهو الضمان القدري، وحبل من الناس.

 

ثم قال تعالى: ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً﴾. وهنا يظهر أمر مهم في فهم الآيات، وهو تداخل الضمائر في السياق القرآني؛ فالضمائر قد تتغير في الآيات مع بقاء السياق العام، وهو أسلوب معروف في العربية وفي القرآن الكريم. وليس من اللازم أن يعود كل ضمير إلى المرجع نفسه في الآية السابقة، وقد يُستدل على ذلك بما جاء في أول السورة في قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾. فهنا عدة ضمائر متتابعة، لكنها تعود إلى مراجع مختلفة؛ فضمير عبده وضمير نريه يعودان إلى النبي ﷺ، وضمير حوله يعود إلى المسجد الأقصى، أما قوله إنه هو السميع البصير فالضمير فيه يعود إلى الله سبحانه وتعالى. وهذا مثال واضح على ما يسمى تداخل الضمائر في السياق القرآني.

 

وبناءً على هذا الفهم، يظهر أن قوله تعالى: ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم﴾ ليس الخطاب فيه لبني إسرائيل، بل للمسلمين، وذلك لأن اليهود لم ينتصروا في تاريخهم على الروم ولا على الفرس، بينما المسلمون هم الذين غلبوا هاتين القوتين العظيمتين. فقد فتح المسلمون بلاد فارس والشام والعراق في عهد الخلفاء الراشدين، ولا سيما في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بعد معارك عظيمة مثل القادسية واليرموك، فسقط نفوذ الإمبراطوريتين الفارسية والرومية في تلك البلاد.

 

ولهذا قال تعالى: ﴿وجعلناكم أكثر نفيراً﴾، أي أكثر عددًا وقوةً وجندًا. واليهود لم يكونوا في تاريخهم أكثر نفيرًا من غيرهم، بل كانوا دوماً أقلية، بينما المسلمون صاروا أمة عظيمة.

 

ثم قرر الله تعالى قاعدة عامة فقال: ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها﴾. وهذه قاعدة من سنن الله في الأمم؛ فمتى أحسن الناس بالتمسك بدين الله وإقامة العدل والعمل بشرعه، فتح الله عليهم أبواب الخيرات، ونصرهم على أعدائهم، ومكّن لهم في الأرض. ومتى أساؤوا وتركوا أوامر الله ووقعوا في الظلم والفرقة، حلّت بهم الهزائم والضعف وكثرة الفتن.

 

ثم قال تعالى: ﴿فإذا جاء وعد الآخرة﴾. والمقصود به الفساد الثاني لبني إسرائيل، وهو زمن الدولة الثانية لهم، وهي الدولة القائمة في فلسطين اليوم. قال تعالى: ﴿ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيراً﴾. أي يسوء اليهود وجوه المؤمنين بما يفعلونه من ظلم وعدوان واحتلال للمقدسات، ويدخلوا المسجد الأقصى كما دخلوه من قبل، ويفسدوا ما يعلون عليه من الأرض إفسادًا شديدًا.

 

وقوله: ﴿وليُتبروا ما علوا تتبيراً﴾ يحتمل معنيين من جهة اللغة: فإما أن تكون ما موصولة، فيكون المعنى: ليهدموا ويدمروا كل ما علوه من الأرض. وإما أن تكون مصدرية ظرفية، فيكون المعنى: يفسدون الأرض مدة علوهم وسلطانهم. وكلا المعنيين يدل على شدة الإفساد والتخريب.

 

ثم جاء الخطاب للمسلمين مرة أخرى فقال تعالى: ﴿عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا﴾. أي إن رجعتم إلى طاعة الله والتمسك بدينه والجهاد في سبيله، عاد الله عليكم بالنصر والتمكين كما فعل في السابق. و"عسى" من الله وعد متحقق.

 

وقد بيّن النبي ﷺ سبب ما يصيب الأمة من الذل، فقال: «إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد، سلّط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم»، فدلّ ذلك على أن النصر مرتبط بالرجوع إلى الدين والعمل به، ودل الحديث على أن المراد بالدين هنا هو الجهاد في سبيل الله. فإذا عادت الأمة إلى دينها أعاد الله لها ما وعدها من النصر والتمكين.

المصدر: رابطة العلماء السوريين