أكد عدد كبير من أبناء جنوب السودان المقيمين بالخرطوم أنهم ضد الانفصال؛ لأنه سوف يؤدي إلى كارثة حقيقية عليهم وعلى كل أبناء الجنوب، موضحين أن الحركة الشعبية مارست كل أشكال الضغط والإرهاب والنصب على أبناء الجنوب؛ من أجل التصويت لصالح الانفصال ورفض الوحدة، إلا أنهم يرفضون هذا الخيار؛ باعتبار أن الوحدة هي الداعم الحقيقي لاستقرار الجنوب.

 

وأكد من التقينا بهم أنهم باقون في الشمال؛ حيث ولدوا وتربوا وارتبطوا بأهل الشمال وتزاوجوا منهم، وأصبح لهم مصالح عديدة في الشمال لا يمكن التنازل عنها مقابل دولة لا تمتلك أية مقومات لوجودها، وأشاروا إلى أنهم في حال إقرار الانفصال وإصرار حكومة الشمال على عودتهم للجنوب بعد نزع الجنسية السودانية عنهم؛ سوف يطلبون اللجوء إلى أية دولة أخرى، وخاصةً الولايات المتحدة الأمريكية.

 

وخلال جولة لـ(إخوان أون لاين) في معسكري السلام والبشير بحي أم بدة بمدينة أم درمان ذات الكثافة الجنوبية، أكد السلطان موسى موبيل بليو الذي كان واقفًا أمام مركز الاقتراع الخاص بمعسكر السلام أنه صوَّت وكل قبيلته الموجودة معه لصالح الوحدة، موضحًا أن الانفصال خطر على أبناء الجنوب، موضحًا أن الحكومة الجنوبية ومسئولي الحركة الشعبية لا يهمُّهم مصلحة الجنوبيين، وإنما ينفِّذون مخططات غربية تقودها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.

 

وتساءل بليو: كيف يجبروننا على العودة إلى مكان تركناه منذ عشرات السنوات؟ فهذا أمر غريب!، خاصةً أن الجنوب ليس به أيّ مقومات لوجود دولة من حيث المدارس وفرص العمل وكل أشكال التنمية، مشيرًا إلى أنه مرتبط بالشمال ارتباطًا شديدًا ولن يتركه، وإذا أصرت حكومة الشمال على ترحيل الجنوبيين فإنه سوف يطلب اللجوء إلى أية دولة غربية، ولن يعود للجنوب في ظل الحركة الشعبية مهما كانت الضغوط والإغراءات.

 

وهو نفس ما أكده زكريا يانوا ريك، من ولاية الوحدة بأعالي النيل والبالغ من العمر 45 عامًا، بأنه جاء للشمال وهو صغير مع أسرته بحثًا عن الاستقرار نتيجة الحرب التي كانت دائرة؛ حيث كان الشمال بالنسبة لنا- وسوف يظل- هو الأمان والاستقرار، ولذلك فإن عودتهم للجنوب مستحيلة؛ حيث التخلف والفقر وغياب التنمية، بالاضافة إلى أن الحركة الشعبية تعتبرنا خونةً؛ لأننا استقررنا في الشمال، ولن تسمح لنا بإبداء آرائنا، وسوف تتهمنا وقتها بالعمالة لصالح الشمال، برغم أننا لم ننضمَّ في أي يوم من الأيام إلى أي حزب شمالي.

 الصورة غير متاحة

عزوف جنوب سوداني عن المشاركة في الاقتراع كما رصدته عدسة إخوان أون لاين

 

وأضاف مريو أن الأسر الجنوبية التي ذهبت للجنوب عادت مرةً أخرى للشمال بعد أن فوجئت بالوضع الصعب والمتردِّي هناك، وأنهى كلامه قائلاً: "نار الشمال ولا جنة الجنوب"، كما يقول المصريون.

 

أما لينا بسيو واني فأكدت أنها ارتبطت بالشمال، ولم تكن تتخيل في يوم من الأيام أن يتم تمزيق خريطة السودان ويكون الجنوب دولة، وحمَّلت العالم العربي مسئولية ما يحدث للسلام، قائلةً: "الحكام تركونا برا ونواجه المخطط"؛ أي تركونا وحدنا نواجه الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، مشيرةً إلى أنها تطالب بوقف الاستفتاء وعدم الاعتراف بنتيجته، وأن يترك المجتمع الدولي الفرصة لشمال السودان بأن يحكم الجنوب كما تركت الفرصة للحركة الشعبية أن تحكمه 6 سنوات، مؤكدةً أنه لو حدث ذلك فإن أهل الجنوب سوف يختارون الوحدة دون فصال.

 

ومن داخل مركز الاقتراع الذي كان خاليًا من أي مصوِّتين أكد محمد أحمد، رئيس إحدى اللجان، أن لجنته مسجل بها 486 جنوبيًّا، ولم يشارك في التصويت خلال خمسة أيام سوى 170 شخصًا، وبرَّر عدم الإقبال في الشمال بالمقارنة بالجنوب بأن "ناس الحركة" قاموا بحشد الإعلام وحشدوا الناس في الجنوب ومارسوا ضغوطًا وإرهابًا على أبناء الجنوب هناك، وهو ما لم يحدث هنا في الشمال.

 

ويضيف أحد المراقبين الذي رفض ذكر اسمه أن الاقبال علي التصويت في الشمال متوسط ويصل لمرحلة الضعيف وأن معظم من شارك في الاستفتاء صوت لصالح الوحدة وليس الانفصال.

 

وبعيدًا عن معسكري "السلام" و"البشير" ومن داخل السوق العربي بوسط الخرطوم، التقينا بـمواطن جنوبي يُدعى عبد الله واني مريو، والذي عبَّر عن حزنه لانفصال الجنوب، موضحًا أنه كارثة على أبناء الجنوب، وأن الحركة الشعبية سوف تترك الساحة للأوغنديين والأمريكيين، ولن يهتموا بمصالح الجنوبيين، مستدلاًّ بالسنوات الست الماضية التي حكمت فيها الحركة الشعبية الجنوب، طبقًا لاتفاقية نيفاشا التي فشلت فيها الحركة في إدارة الإقليم، ولم يقوموا بأية تنمية تجعلهم يختارون الانفصال، ولكنه عاد ليؤكد أنه يتوقع أن تنشب حرب كبيرة بين القبائل الجنوبية، وسوف يضطر أبناء الجنوب المقيمون هناك إلى اللجوء إلى الشمال مرةً أخرى بحثًا عن الاستقرار والأمن.

 

وتضيف السيدة العجوز فلورا- التي رفضلت أن نناديها بأم عبد الله- أنها جاءت للشمال منذ سنوات كثيرة خلال الحرب، واستقرت مع أسرتها، ولم تشعر إطلاقًا أن الجنوب ليس جزءًا من الشمال، وحتى خلال الحرب ساعدتنا الحكومة وتركتنا نعمل؛ لأننا مواطنون سودانيون.

 

وتضيف- وهي تصب الشاي في إحدى الجلسات المشهورة بالسودان باسم "ست الشاي"- أن هذه مهنتي، وكوَّنت منها علاقات مع كل الناس وأبنائي وأحفادي في مدارس الشمال، فكيف نعود مرةً أخرى للجنوب، وأضافت قائلةً: "يا أستاذ، السودان شعب واحد كبير، شنو يقطعوه بسهولة؟!".

 

ويضيف الحاج علي- وهو جنوبي يعمل سائقًا على سيارة أجرة- أن الانفصال مؤامرة؛ فأمريكا تريد السيطرة على البترول، والصهاينة يريدون السيطرة على مياه النيل، وناس الحركة يريدون النهب والسرقة، وفي النهاية المشكل كله مع المواطن الجنوبي الذي لن يجد أكلاً أو شربًا!.

 

وأضاف الحاج علي أن طبق الفول في الجنوب وصل إلى عشرة جنيهات والشعب فقير جدًّا وجاهل، وهو ما سيجعل الجنوب كارثةً لا يستطيع أحد السيطرة عليها.

 

وفيما يتعلق بالتدخل الصهيوني والأمريكي قال الحاج علي هو موجود بكل تأكيد في الجنوب منذ الحرب، فأمريكا هي التي دعمت الانفصاليين والمتمردين، وهي التي سلَّحتهم ومنحتهم الأموال حتى يواجهوا حكومة الشمال على مر العصور، وفي النهاية هم يريدون انفصالاً، ولن يراعوا حق الشعب الجنوبي، ولم يسمعوا لنا بأن الانفصال خطر.

 

وحمَّل الحاج علي النظام المصري مسئولية ما يحدث في جنوب الشمال، مؤكدًا أن مصر هي الدولة الوحيدة التي كانت تستطيع دعم السودان حتي يتصدَّى لهذه المخططات، وانتقد أيضًا الجامعة العربية، وقال إن عمرو موسى هو من دعم الانفصال عندما قال إنه سيقبل بنتيجة الاستفتاء ولو جاء بدولة جنوب السودان، وإنهم سوف يتعاملون معها ويدعونها للانضمام لجامعة الدول العربية، وأنهى الحاج علي كلامه قائلاً: "يا زول دا مش دعم واضح للانفصال".