![]() |
|
قطب العربي |
عادت الولاية على اللجان الانتخابية للشرطة بعد أن كانت للقضاء من قبل، وكان القاضي المتواجد في اللجنة يستطيع أن يتحرك لإدخال المتزاحمين بالخارج؛ حيث تمتد ولايته لعموم المكان، أما الآن فقد شاهدت بنفسي كيف جلس الباشوات ضباط الشرطة أمام باب المدارس التي تُجرى فيها الانتخابات واضعين قدمًا على قدم يتلذذون "بالحاجة الساقعة" ويمنعون الناس من الدخول إلا لمن تأتيهم توصيات بشأنه، أنا شخصيًّا دخلت بصعوبة، وبعد أن أظهرت بطاقتي الصحفية؛ بينما وقف العشرات بل والمئات في الشمس يتصببون عرقًا رجالاً ونساءً دون السماح لهم بالدخول إلا على فترات متباعدة، ولأعداد محدودة "مُوصى عليها"، إضافة إلى بعض أولي البأس من غير الحزب الوطني الذين مكنتهم قوتهم البدنية من الدخول بعد مزاحمة وتدافع مع رجال الأمن.
لم يقتصر الأمر على منع الناخبين المشكوك في ولائهم لمرشحي الحزب الوطني، بل تعداه لمنع مرشحي المعارضة وخاصة الإخوان ومندوبيهم؛ رغم حصولهم على توكيلات رسمية موثقة في الشهر العقاري، تحوَّلت هذه التوكيلات إلى مجرد أوراق لا تستحق الحبر الذي كُتبت به، وتندَّر بها ضباط الشرطة، وقالوا لحامليها: (بلها واشرب ميتها) هكذا والله العظيم، وطلبوا منهم- (لبن العصفور) المتمثل في- إحضار توكيلات من اللجنة العليا للانتخابات، ومختومة بخاتم قسم الشرطة، وهو ما كان مستحيلاً تمامًا في هذا اليوم؛ حيث العملية مرتبة تمامًا في كل المسارات، فالذين صدَّقوا هذا الطلب وذهبوا لتوثيق توكيلاتهم من أقسام الشرطة فوجئوا بغياب البيه المأمور أو برفض الطلب.
أما عن التزوير الفاضح فحدِّث ولاحرج، لقد كنا نظن أن عهد "التقفيل" وتسويد البطاقات بصورته التقليدية قد ولى؛ ولكن خاب ظننا فالتقفيل والتسويد تمَّ أمام أعين الناخبين، وتمَّ الإبلاغ عنه دون جدوى، وفي بعض الأحيان تمَّ إخلاء اللجان بحجة تناول الغذاء، وكان الغذاء هو أوراق التصويت، وقد كانت علامات الرضا بادية على وجوه مرشحي وأنصار الحزب الوطني بعد إنجاز مهمتهم مبكرًا.
البلطجية عادوا بقوة، وكانوا سادة المكان في العديد من اللجان، وظهرت صورهم في العديد من وسائل الإعلام مفتولي العضلات، حاملي ما ثقل وزنه وزاد طوله من الشوم؛ يروِّعون به الآمنين وهم في حماية الشرطة، بل إن بعض رجال الشرطة مارسوا بدورهم البلطجة، وقاموا بإطلاق النار؛ لتهديد الناخبين، كما حدث في قرية القرنين بحوش عيسى؛ حيث أصابوا أحد أنصار مرشح الإخوان الذي أصرَّ على الإدلاء بصوته، مخالفًا تعليماتهم بالبعد عن المكان، فدفع لذلك ثمنًا من جسده بإصابته إصابة بالغة في فخذه، والغريب أن الداخلية وكعادتها في لوي الحقائق؛ ادعت أن هذا المواطن المصاب هو من أطلق الرصاص، فأصاب ضابطًا دون ذكر اسم هذا الضابط، وطبعًا حولت المجني عليه إلى متهم!!.
ما الرسالة التي أرادوا إيصالها من كل ما حدث؟
هل أرادوا تنفيذ تجربة "بروفة" لانتخابات مجلس الشعب المقبلة، التي لا يفصلنا عنها سوى شهور قليلة؟ جائز.
هل كان المُستهدف هو منع فوز أي مرشح للإخوان حتى لا يجدوا لهم مكانًا تحت قبة الشورى وتنتقل عدوى الكلام الجاد إلى الناس "المهذبين" في مجلس الشورى؟ جائز.
هل قصدوا التذكير أن الداخلية هي صاحبة القول الفصل في تشكيل مجلسي الشعب والشورى وأي شيء يتم بالانتخابات أو بغيرها؟ جائز،
هل قصدوا سدَّ المنابع تمامًا على أية إمكانية؛ لحصول المعارضة على تمثيل معقول في مجلس الشورى يمثل- بإضافته لتمثيل قوي في مجلس الشعب المقبل- خطرًا على ترشيحات الرئاسة القادمة؟ جائز.
في كل الأحوال سقطت حكومة الحزب الوطني ووزارة داخليتها- شعبيًّا- في أول اختبار بعد إلغاء الإشراف القضائي، وبعد مد العمل بقانون الطوارئ؛ نسفت الداخلية تعهد رئيس الجمهورية بإجراء انتخابات نزيهة، ولم يعد بالإمكان تصديق أي ادعاء بهذا الشأن، ما لم يعد الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات.
هل فيما ذكرناه دعوة للتراجع ومقاطعة الانتخابات؟ كلا وألف كلا، فرغم قدرة أجهزة الأمن ومعها رجال الحزب الوطني على التزوير والتلفيق ومطاردة المرشحين والناخبين؛ إلا أن ذلك تمَّ بصعوبة أكبر وبثمن أغلى خلال هذه الانتخابات، وقد شهدنا ملحمة نضالية لشباب وشيوخ ونساء ورجال، قاوموا بعمليات المنع والترهيب بكل قوة، وأصروا على الوصول إلى صناديق الاقتراع ولو كان الثمن غاليًا، لم يرهبهم شوم البلطجية ولا مسدسات "الداخلية"، بل قاموا بتوثيق العديد من الانتهاكات، وبثُّوها عبر سماوات مفتوحة، وعبر صفحات اليوتيوب والإنترنت، وزوُّدوا بها كل وسائل الإعلام، وأشعروا الحزب الحاكم أنهم ليسو لقمة سائغة، بل إن لحومهم مرة، وأرواحهم حرة، وجيوبهم "مبرة".
ومع تزايد روح المقاومة للتزوير والبطش والتنكيل ومع تزايد المشاركة الشعبية وتوسع الترشيحات في دوائر أكثر، ومع إصرار منظمات المجتمع المدني على مراقبة الانتخابات وتمكنها من ذلك فعلاً، ومع تزايد الحضور الإعلامي المحلي والدولي؛ ستتضاءل قدرة المزورين على إنجاز مهمتهم، وسيضيق الخناق عليهم كثيرًا.
ومن يدري فربما ساهمت كل هذه العوامل مجتمعة في إحداث اختراق تشريعي يعيد الإشراف القضائي على الانتخابات، ويسمح بإمكانية التغيير السلمي.
