عندما يسقط المجتمع في حالة تردٍّ، وحالة تراجع حضاري شامل، يقترب المجتمع من حالة موت الهوية وموت الذات، والمجتمع مثل الإنسان، يمر بدورة حياة، ولكنه لا يموت بالكامل، بل يقترب من حالة الموت، والأمة مثل المجتمع، تنهض وتتقدم، ثم تتراجع وتتهاوى، وفي لحظة التراجع العميق تقترب الأمة من حالة الموت الحضاري.. تلك هي حال الأمة الإسلامية، بعد عدة قرون من التراجع المتتالي البطيء، أوصلتها إلى حالة الموت الحضاري، فلم تعد قادرةً على رفع رايتها الحضارية، أو مقاومة الاستعمار الخارجي، أو الاستعمار المحلي، ولم تعد مؤهلةً للقيام بدورها الحضاري في التاريخ البشري، ولكن المجتمع، مثل الأمة، لا يمكن أن يستمر في حالة الموت الحضاري، ولا يمكن أن يستسلم لتلك الحالة، فإن استمرار حالة الموت الحضاري معناه زوال المجتمع، ونهاية تاريخه الحضاري، واستكمال حالة الموت الحضاري، شكل من أشكال الإبادة، فالمجتمعات لا تنتهي تاريخيًّا أو حضاريًّا، إلا بالإبادة الكاملة.

 

ومجتمعات الأمة الإسلامية، ليست من نوع المجتمعات المُعرَّضة للزوال الكامل، أو الإبادة الشاملة، فهي مجتمعات لها جذور تاريخية قوية، ولها ميراث حضاري عميق؛ مما يجعلها تعاني من الموت الحضاري في مراحل تاريخية، ولكنها لا تصل إلى حالة الزوال، فالأمة الإسلامية هي جزء من بناء التاريخ البشري، وجزء من حضارات الإنسانية، واختفاؤها يؤدي إلى حدوث خللٍ في التاريخ البشري، فهي مكون رئيس من مكونات البشرية، وهنا تختلط حقائق التاريخ بالتمني، فمن حقائق التاريخ أن الأمة الإسلامية باقية، ومن التمني أنها سوف تنهض قريبًا، ولكن المحرك لقوانين التاريخ هو السعي البشري، فالأمة الإسلامية باقية، بقدر ما تنهض وتخرج من حالة الموت الحضاري، فهي لن تزول، ولكن نهوضها لن يأتي تلقائيًّا، إلا بقدر جهادها من أجل النهوض من جديد.

 

وحالة المجتمعات العربية والإسلامية، توحي بأن المجتمع قد استسلم لحالة التراجع الحضاري، وأصابته السلبية الشاملة والاستسلام الكامل، ولكن واقع مجتمعات الأمة يشير إلى حالة أخرى، حالة من التمرد الصامت، أو الثورة الصامتة، وهي حالة من الحراك الحضاري المتدرج الحادثة في معظم مجتمعات الأمة الإسلامية، ولكن تلك الحركة لم تبلغ بعد مرحلة النهوض ومرحلة الخروج من حالة التراجع الحضاري.

 

السلبية

الناظر إلى المجتمعات العربية والإسلامية يلاحظ حالة السلبية، خاصةً في المجال السياسي، ولكن تلك الحالة تمثل ضمنًا حالة الرفض لمجمل الأوضاع السياسية القائمة، ولا تمثل حالة رضا عنها، فالغالب على المجتمعات العربية والإسلامية، أنها هجرت العمل السياسي رفضًا للوضع القائم، وعدم رغبة في المشاركة فيه، أو تأييده أو تبريره، ومن هنا بدأت حالة السلبية كحالة رفض لما هو قائم.

 

وهذا الرفض يدل ضمنًا على عدم قناعة عامة الناس بما يحدث في الساحة السياسية، وعدم قناعتهم بالنظام السياسي القائم؛ مما يظهر مدى الغربة الحادثة بين النظام السياسي الرسمي وبين المجتمعات، فهذه الغربة هي التي تؤكد أن النظام السياسي لا يُعبِّر عن المجتمع، وأن غالب الأنظمة السياسية يتميز بقدر وافر من الاستبداد والسيطرة؛ لذا يهرب المجتمع من المشاركة في الوضع القائم، الذي لا يمكن مواجهته بمجرد الاعتراض عليه، لما للاستبداد من شوكة تتمثل في قوته المسلحة، أو في ذراعه الأمنية والعسكرية.

 

وهناك فرق بين السلبية والرفض أو التمرد الصامت، فالسلبية قد تعني نوعًا من الرضا الضمني عن الوضع القائم، أو تعني عدم الرغبة في تغيير الوضع القائم، ولكن حال المجتمعات العربية والإسلامية، يكشف عن قدرٍ ملحوظٍ من رفض الواضع القائم؛ مما يجعل السلبية نوعًا من التمرد على الوضع القائم ورفضًا له، وتلك هي أول مراحل الخروج من الحالة الراهنة، وأول ملامح رفض الأمة لوضعها السياسي والحضاري الراهن.

 

الانفصال عن الدولة

ولكن السلبية ليست طريقًا للتغيير والإصلاح، بل هي حالة من الرفض والتمرد الصامت فقط، ولكن واقع المجتمعات العربية والإسلامية، كشف عن مرحلة مهمة من مراحل التمرد الصامت، وهي مرحلة فصل المجتمع عن الدولة، والناظر إلى الدول العربية والإسلامية، خاصةً الخاضعة للنظم الجمهورية المستبدة، يجد مساحة من التباعد المستمر بين المجتمع والدولة، يتم تنميتها تدريجيًّا من خلال رفض المجتمع لأي رابط بينه وبين الدولة.

 

يحدث هذا في مصر، والتي تمثل نموذجًا للاستبداد السياسي الشامل؛ حيث نجد المجتمع ينفصل تدريجيًّا عن الدولة، ويبني نفسه ويبني ملامحه وهويته وتوجهاته، بعيدًا عن الدولة، وليس فقط بعيدًا عن النظام السياسي.

 

وهنا يربط المجتمع بين النظام السياسي الحاكم، وبين الدولة التي يستخدمها النظام في قمع المجتمع، ويحاول المجتمع البعد ليس فقط عن المجال السياسي، بل والبعد أيضًا عن الدولة؛ مما يجعل الدولة ليست جزءا من المجتمع، وليست تعبيرًا عنه، وتنفصل هوية الدولة وهوية المجتمع، حتى تصبح الدولة غريبة عن المجتمع، مما يجعل الدولة، رغم أنها محلية الصنع، إلا أنها تصبح مثل الدولة الوافدة.

 

وتلك حقيقة مهمة، فالدولة المستوردة من التجربة الغربية، أصبحت توجد بيد محلية، وأصبحت تدار داخليًّا من خلال طبقة حاكمة محلية؛ مما جعل الدولة تغزو المجتمع، وتدخل داخل بنائه الاجتماعي، ولكن المجتمع في المقابل، تعامل مع الدولة بوصفها بناءً غريبًا عنه، وبوصفها عدوًا له، ولا تُعبِّر عنه؛ مما جعل المجتمع قادرًا على تمييز الدولة، ووضعها في موضع الغريب الوافد.

 

هكذا تشكَّلت صورة الاستعمار المحلي، من خلال رفض المجتمع لأي تبعية للدولة، ومن خلال رفض المجتمع لهوية الدولة، وتلك مرحلة مهمة من مراحل الخروج من حالة التراجع الحضاري، فالهوية المستوردة التي تحملها الدولة، تكفي لنزع المجتمع من هويته؛ لذا لم يقاومها المجتمع بالمواجهة المباشرة، بل أخرج نفسه من هوية الدولة، وبنى لنفسه هويته الخاصة، حتى يظل محتفظًا بذاته الحضارية بعيدًا عن الدولة؛ مما جعل الدولة تبدو غريبةً عنه، وكأنها تُمثِّل كيانًا آخر لا ينتمي للمجتمع، ولا ينتمي للأمة، ولا ينتمي للتاريخ الحضاري للأمة، فأصبح المجتمع يفصل بينه وبين الدولة، ويفصل نفسه عن النظام السياسي.

 

وهذه مرحلة تاريخية مهمة، فالمواجهة بين المجتمع والدولة، لا يمكن أن تحدث عندما تتداخل المساحات بين الدولة والمجتمع، فالمجتمع لن يواجه نفسه في نهاية الأمر، ولكنه يواجه كيانًا غريبًا عنه ومنفصلاً عنه.

 

وعندما يفرز المجتمع الدولة والنظام السياسي، وينعزل عنهما، يضع جدارًا فاصلةً بينه وبين الوضع السياسي القائم؛ مما يمكنه من التمييز بين نفسه وذاته الحضارية، وبين الدولة والنظام السياسي القائم، وكلما بات النظام السياسي القائم غريبًا ووافدًا ومستبدًا ومفروضًا على المجتمع، تضاءل دوره وتأثيره على المجتمع، وأصبحت المواجهة بين المجتمع والنظام السياسي القائم ممكنة؛ ولأن النظام السياسي يترجم نفسه إلى دولة، تمثل البناء الرئيس والمركزي له؛ لذا يصبح الفصل بين المجتمع والدولة ضرورة.

 

مقاومة الاختراق

لم يعد النظام السياسي قادرًا على اختراق المجتمع، بعد أن فقد الأداة الأساسية التي تُمكِّنه من السيطرة على عقل المجتمع، حدث هذا بسبب إفشال دور وتأثير الدولة، والذي قام به المجتمع، عندما فصل نفسه عن الدولة، فإذا عدنا إلى الدولة في عهد القومية العربية، سنجد أن النظام السياسي استطاع التعبير عن بعض حاجات المجتمع، أو استطاع التعبير عن بعض أهدافه؛ مما مكَّن الدولة من التمدد في المجتمع، وتقديم نفسها كمُعبرٍ عن المجتمع، وهو ما يعطي لها الهيبة والتأثير، ويسمح للنظام السياسي بفرض رؤيته وتأثيره على المجتمع.

 

ولكن عندما فشلت تلك المشاريع الجزئية، والتي لم تعبر عن كامل هوية المجتمع، ولا عن كامل غاياته ومبادئه، بدأ المجتمع في البحث عن ذاته الحضارية بمعزلٍ عن الدولة، وبمعزلٍ عن النظام السياسي، هنا كان لا بد للمجتمع من فصل تأثير الدولة عليه، ومنع تأثير النظام السياسي عليه، حتى يستطيع بناء هويته الحضارية.

 

ويمكن القول بأن السلبية السياسية، هي التي حمت المجتمعات من تأثير النظم السياسية عليها؛ لأن السلبية السياسية كانت نوعًا من تقسيم النفوذ بين المجتمع والطبقة الحاكمة؛ حيث ترك المجتمع للطبقة الحاكمة السيطرة على الدولة وعلى أدوات الحكم، وفي المقابل قام المجتمع بالسيطرة على هويته وأفكاره وذاته الحضارية، ومرجعيته الدينية والحضارية، فأصبحت الدولة تحت سيطرة الطبقة الحاكمة، ولكن أصبح عقل المجتمع تحت سيطرة المجتمع نفسه، وبعيدًا عن أي سيطرة للطبقة الحاكمة، حتى وسائل الإعلام، أصبحت أبواقًا للسلطة، ثم أصبحت منابر للنخب، ولكنها لم تصبح تعبيرًا عن المجتمع، ولم تصبح تحت سيطرة المجتمع، ولكن المجتمع تعامل معها بوصفها جزءًا من الحالة السياسية التي يشاهدها ويستمتع بمتابعتها وكأنها لا تعنيه في شيء.

 

تلك الحالة، رغم أنا تبدو شديدة السلبية، إلا أنها مثلت مرحلة عزل المجتمع لنفسه عن الدولة والنظام السياسي بكل أدواته؛ مما مكَّن المجتمع من بناء تصوره عن نفسه بالطريقة التي يريدها.. فأصبحت الثورة الصامتة، أو التمرد الصامت، هو نوعٌ من حماية الذات الاجتماعية والحضارية في وجه الدولة والنظام السياسي، فأخذ المجتمع مسارًا مختلفًا عن مسار الدولة، واستطاع عزل نفسه عن توجهات الدولة، وظلَّ النظام السياسي يحاول اختراق المجتمع، ويحاول اختراق عقل المجتمع، ولكنه لم ينجح في النهاية.

 

وكل ما استطاع النظام السياسي القيام به، هو محاولة تفكيك عقل المجتمع، ووضعه تحت تأثيرات متباينة لهز ثقته في ذاته؛ لذا نجد النظام السياسي في مصر مثلاً، يحاول ضرب الهوية الإسلامية أحيانًا، ويتمسح بها أحيانًا أخرى، كما يعطي مساحةً للخلافات بين التيارات الإسلامية، بقدر ما يعطي مساحةً للاتجاهات التحررية.

 

وفي كل هذه المحاولات، يحاول النظام المصري السيطرة على عقل المجتمع، أو منع المجتمع من تشكيل هويته بصورة واضحة، وكأنه يحاول زرع الاضطراب في رؤية المجتمع عن نفسه، وهنا يعاني المجتمع من حالات اختراق متعددة، تتمثل في الأفكار والرؤى التي تشتت المجتمع، وتغيب وعيه العميق، حتى لا يصل إلى بلورة كاملة لهويته الحضارية.

 

ولكن الناظر إلى المجتمع المصري، يدرك كيف يستطيع المجتمع التمييز بين الدخيل والأصيل، فيُفرِّق المجتمع بين الظواهر الدخيلة حتى وإن لم يستطع مقاومتها، ويفرز ما يعبر عنه عن ما لا يمثله، وبهذا تنتشر ظواهر سلبية في المجتمع، ولكن أحدًا لا يقول عنها إنها ظواهر طبيعية، ولكن الكل يقول عنها إنها ظواهر سلبية، حتى من تنتشر بينهم تلك الظواهر.

 

وتلك حقيقة مهمة، فوجود الظواهر السلبية أو حتى الانحراف، لا يعني تغير هوية المجتمع، ما دام المجتمع ينظر لتلك الظواهر بوصفها غريبة أو وافدة أو سلبية، وما دام يرفضها، ولا يحولها على ظواهر مقبولة، وحالة الرفض المجتمعي المستمر لما يعد سلبيًّا، تؤكد أن المجتمع لديه وعي عميق بما يمثله من قيم ومبادئ، تجعله يميز بين ما يعبر عن الموروث الحضاري، وما يعد طارئًا على حياته، وبهذا الوعي العميق، يبني المجتمع هويته، ويفرز كل الظواهر السلبية، ويحاول مقاومتها، مما يمنع النظام السياسي من التأثير على المجتمع، أو نشر الاضطراب داخله.

 

بناء الهوية المضادة

داخل حالة السلبية والصمت، يوقف المجتمع أي أثر للدولة في تشكيل الرأي العام، بل ويوقف أيضًا أي أثر للنخب المتغربة والنخب المتحالفة مع الحكم، على الرأي العام، وعندما يتحقق للرأي العام استقلاله عن الدولة والنظام السياسي، يتشكل وعي المجتمع طبقًا لمعاييره الخاصة، وبدون تأثير للنظام الحاكم عليه، ويتم بذلك تحويل قادة الرأي إلى فئة معزولة عن المجتمع، ويلجأ المجتمع إلى قادة الرأي الطبيعيين، والذين يمثلون المجتمع، ويلجأ بهذا إلى القيادات الشعبية وليس للقيادات الرسمية، ويلجأ أيضًا للمعبرين عنه، وليس للنخب الثقافية، وفي عملية إحلال مستمرة، يتحول المجتمع إلى بنية متكاملة منفصلة عن الدولة والنظام السياسي، وتصل لحالة الاستغناء عن البناء الفوقي الرسمي.

 

والملاحظ في المجتمع المصري، أنه يبني لنفسه هويته الحضارية منذ أربعة عقود، بصورة جعلت للمجتمع هويته الحضارية المستمدة من جذوره التاريخية، بعيدًا عن الدولة، وتلك مرحلة مهمة من مراحل التمرد الصامت على الدولة، فعزلة المجتمع عن المجال السياسي مَكَّنته من بناء هويته بدون تأثير الدولة أو النظام السياسي عليه، حتى وصل المجتمع للمرحلة التي أصبحت فيه هويته تتعارض وتختلف عن هوية الدولة، وبهذا اكتملت حلقات فصل المجتمع عن الدولة، وأصبحت الدولة تبدو غريبة ووافدة ومفروضة؛ أي أصبحت بالفعل تمثل نوعًا من الاستعمار المحلي، وهو ما يبرر الخروج عليها وتغييرها وإصلاحها، أو يبرر تحرير الدولة من الطبقة المسيطرة عليها، واستعادتها للمجتمع، وأيضًا يبرر فرض المجتمع هويته على الدولة، وعلى أي نظام سياسي يحكمه.

 

نزع الشرعية

بهذا سنجد أن غالب المجتمعات العربية والإسلامية، قد سحبت الشرعية من النظام السياسي الرسمي، وجعلته نظامًا دون سندٍ من شرعية، وليس له أي مشروعية للبقاء في الحكم، وعبر عدة عقود، أصبحت للمجتمعات هويتها الخاصة، والتي بدأت تُشكِّل الهوية الجامعة للأمة، وبهذا أخذت شعوب الأمة مسارها من أجل بناء وحدتها، ومن خلال بناء هويتها المشتركة، ومن خلال عزل مسارها عن مسار الدولة، والنظام السياسي الرسمي؛ مما يقربها تدريجيًّا من مرحلة المواجهة.

 

فهذا المسار يؤدي إلى مواجهة بين المجتمع والنظام السياسي الحاكم، وسوف تصبح الدولة هي مسرح المواجهة؛ حيث يرتبط بقاء الدولة في النهاية بمدى قدرتها على اكتساب شرعيتها من المجتمع، وليس من قوة الطبقة الحاكمة واستبدادها، فبعد التباعد والانفصال بين المجتمع وبين الدولة والنظام السياسي، تأتي معركة الشرعية، أو معركة استقطاب الدولة من قبل المجتمع، في مواجهة النظام السياسي القائم.