يسير عقرب الدقائق.. مُصدِرًا صوته المشهور.. صوتًا يحمل كلَّ أثقال الرتابة.. يلقيها على أعتاب الإنسانية.. حيث ميزانٌ يده مشلولة.. أو- على وجه الدقة- مغلولة.. وحيث السيدة الفاضلة الواقفة ترمي ببصرها على كفة الميزان.. مشغولة عنه بجمْع ما تبقَّى من ثوبها الذي كان أبيض..

 

وحيث المنصة وعليها يجلس أحدهم مرتديًا حلَّة قاضٍ.. ويلبس زي الادِّعاء.. ويخلع "روب" الدفاع.. ويتَّشح بالشهادة.. ويجسِّد دور الحاجب؛ هو الضحية وكل أبطال الرواية.. يحفظ النص عن ظهر قلب، ويعلم ما سيقول المتهم في السر والعلن.. يسمع دبيب أفكاره ومحاولات شيطانه المراوغة، ويرى أماني المتهم تركض في خياله؛ هو لا حاجة له أن يعرف أن هناك متهمًا أو حتى يراه!.

 

وحيث المتهم.. منتخب الإنسان.. يكوِّن تشيكلاً للحياة.. صاغ من سنيِّ عمره خلف القضبان درعًا للمواجهة.. مكبِّر صوته لا يعترف بطاقة الكهرباء الحديثة؛ لأنه يعتمد على طاقة نابعة من تاريخ المقاومة وكل سطور الرفض وكل صيحات الإصلاح التي أطلقها هابيل في وجه أخيه، والتي رماها الحسين في ساحة قاتليه، والتي قدمها سبارتكوس وويليام والاس على مذبح حرية الأوطان، والتي استقبل بها حسن البنا رصاصات الغدر..

 

- قطع-

ثم كان الحكم..

ثم سقطت كفة الميزان..

ثم نقلوا سيدة الميزان الفاضلة إلى غرفة الإنعاش..

ثم انفض سامر كان محكمة..

ثم دخلت كل قوانين الاستثناء جحورها ممنيةً نفسها بخلود مستحيل..

ثم ضمَّت جدران عالية صماء بكماء عمياء.. ضمت ساريًا يحمل شعلته..

ثم ارتفع الساري..

ثم تجلَّت أضواؤه لتلمح في مداها ملامح إنسان اسمه: خيرت الشاطر.. ترسم جملةً واحدةً كثيرًا ما ردَّدناها (عمر السجن ما حاصر فكره)..

ثم مرت الأيام..

 

- قطع-

لغة الحرية في قاموس الشاطر منقوشة بعدد دقائق ظلم غيبته عن وطن يحيا فيه..
يقول باسمًا: السجن في وطني كالموت..

تتسع الابتسامة لتعطي لك فرصةً لاكتشاف العلاقة..

لكنَّ الشاطر سرعان ما يحملك من مغامرة الاكتشاف إلى أرض الظلم البور؛ لتنبت كلماته صبَّارات شوك تُدمي روحك وقلب الوطن..

يقول مؤكدًا: نعم السجن في بلادي كالموت.. قد يأتي فجأة وأحيانًا يكون بسبب وربما بغير أية أسباب!.

 

- قطع-

تستطيع أن تتفهَّم نفسية من تخاصمه، فيقرِّر أن ينتقم منك عن طريق سرقة مالك أو سيارتك أو مصنعك أو حتى قوتك، وربما يذهب لسرقة كل فرص عملك.. إنها النفس.. تلك التي لا ترى إلا ذاتها، ولا تسمع إلا صوتها ساعة تستبدّ..

 

لكن.. كيف نحلِّل نفسية ذلك الساعي إلى سرقة وحدات حياتك؟!!

- إنه المتربص بالساعات وبالأيام..

- إنه الكامن في حقول الذرة مصوبًا فوهة قوانينه صوب ظهر أسابيعك وأشهرك..

- إنه الملثَّم الذي يغدر بسنيِّ عمرك ليقيِّدها إلى حجر أصمّ، ويرمي بها في بحور مظلمة القاع، وظالمة السطح..

- إنه القتل العمْد للحياة مع سبق الإصرار والترصُّد.

 

- قطع-

والأصوات تتعالى من حول المبخرة..

مبررة..

مصوغة..

مؤيدة..

وداعمة..

ومقسمة وشاهدة وراوية وساردة لنوايا ومخططات أفكار وأفكار مخططات وشبهات تفكير!.

 

- قطع-

والواقع فاضح..

الشاطر خلف القضبان.. واللصوص ندعوهم ليعودوا.. وحلال عليهم ما سرقوا..

الشاطر خلف القضبان.. وأصحاب الأصفار يرتعون في حلل الحصانة..

الشاطر خلف القضبان.. والعبَّارات تغرق ليطفو أصحابها على سطح ملياراتهم ودمانا..

الشاطر خلف القضبان.. وأكياس الدم الفاسد تسري مليارات في بنوك الغرب وموات في حقول أيامنا المقفرة..

الشاطر خلف القضبان.. ومناضلو الشعوب يُهدون نساءهم أضعاف ثروة المظلوم في ساعة صفا..

الشاطر خلف القضبان.. وقابيل ما زال يظن أنه نجا بفعلته.. وأبو لؤلؤة يبتسم لخنجره..

 

قاضي دنشواي يرفل في حلته.. وبدران يهتف في سعادة: "أنت هنا في معتقل المغول".

 

الشاطر خلف القضبان..

ويسير عقرب الدقائق مصدرًا صوته المشهور.. صوتًا يحمل كل أثقال الرتابة.. يلقيها على أعتاب الإنسانية لتهتف فيما بقي من ضميرها:

يكفي نصف الظلم..

يكفي نصف السجن..

يكفي سرقة 1278 يومًا من حياة إنسان.. من حياة خيرت الشاطر.

-------

* عبد الجليل الشرنوبي- shrnopy@hotmail.com