عقودٌ من الاحتلال يقابلها عقودٌ من الصمود والمقاومة، تاريخ حافل ورصيد مشرف لهذا الشعب العظيم- شعب فلسطين- الذي كان وما زال صابرًا صامدًا مقاومًا لكل محاولات تغييب الوعي وطمس الهوية وكسر الإرادة، أصرَّ الشعب على الحياة رغم محاولات القتل العمد من العدو والصديق بل والشقيق أحيانًا، أصرَّ على الحياة فأحيا معه شعوب الأمة بل شعوب الدنيا، مل الساسة ولم يمل، تهاونوا ولم يفرط، رفعوا رايات عديدة، السلام والتفاوض والمقاومة السلمية، وأخيرًا بدنا نعيش، ولم يرفع هو إلا راية واحدة "المقاومة لاستعادة الأرض والحق وبدنا الشهادة".

 

حقًّا إنه الفلسطيني رمز العزة والكرامة والإيمان، تمر علينا الذكرى 62 لاحتلال فلسطين قلب الأمة النابض وعقلها الواعي وبقعتها المقدسة، تمر علينا الذكرى في ظل جولات عديدة ومتتالية في الصراع القائم، بين المشروع الصهيوني برعاية ما يُسمَّى بالمجتمع الدولي من جهة، والأنظمة العربية والإسلامية صاحبة الحسابات الشخصية المعقدة من جهة، وعلى الخط الفاصل بينهما المشروع المقاوم برعاية الشعوب العربية والإسلامية بل والإنسانية، تمر الذكرى وقد تغيرنا لما هو أفضل على غير ما يظن الكثيرون حيث العديد من المكتسبات والفرص والتحولات التي تحتاج إلى مزيدٍ من التوظيف، تمر الذكرى، ولم تبرح المفاوضات العبثية مكانها بل تراجعت للوراء عقودًا حين صارت تلهث اليوم وراء ما رفضناه منذ زمن، تمر الذكرى لنستدعي العديد من المكتسبات في مربع الصمود والمقاومة والعديد من الإخفاقات في مربع التفاوض والمساومة.

 

مكتسبات المقاومة

أهمها المكتسبات الإستراتيجية ومنها؛ انهيار المقوِّم المعنوي الذي قامت عليه دولة الكيان الصهيوني "أن إسرائيل قدرٌ لا فكاك منه"، وأصبح نشيد الشعوب "أن زوال إسرائيل فريضة شرعية وحتمية تاريخية"، وانتقل الكيان من مربع الحدود إلى مربع الوجود، ثم حضور المرجعية الإسلامية وبفاعلية لقيادة تيارات المقاومة بعد عقود من الإقصاء؛ ليتمَّ التكافؤ بين المشروعين الصهيوني والإسلامي على المستوى المرجعي والعقدي والدعوة إلى مرجعية جديدة، وبديلة للمقاومة بعد ترهُّل وانكسار المنظمات التاريخية برحيل جيل المؤسسين وفساد الأبناء الوارثين لتكون المرجعية ليست أشخاصًا، أو منظمات بل تكون المقاومة لدولة محتلة وشعب مكلوم ثم يقظة الشعوب، التي لم تعد تراهن على أنظمة مستبدة وفاسدة كما لا تراهن على المجتمع الدولي، خاصةً أمريكا الراعي الأول لوجود وأمن الكيان الصهيوني لدرجة قال فيها مستشار الأمن القومي الأمريكي "جونز" إن أمن إسرائيل أمر مقدس!

 

إخفاقات المساومة نجَّحت الإستراتيجية الصهيونية في التفاوض على أساس "إدارة الصراع" وليس على أساس "حل الصراع"، وهي إستراتيجية تسعى إلى إضعاف السلطة وفريق التفاوض بكل الطرق، إلى أن تقنع بالخيار الوحيد المتاح صهيونيًّا، وهو ما يفسر إطالة عملية التفاوض؛ ولذلك رفض الكيان الصهيوني نهج التسوية الشاملة من خلال مؤتمر دولي، ورفض كشف أوراقه النهائية، وتبنى سياسة "الخطوة خطوة"، وجزّأ التسوية إلى مسارات منفصلة، ثم جزّأ المسارات المنفصلة إلى مراحل ومحطات، ووقعت السلطة وفرق التفاوض في الفخ الصهيوني المدعوم أمريكيًّا، وأصبحت فرق التفاوض تدور في حلقة مفرغة لا تملك الهروب منها لأنها الخيار الوحيد! مفاوضات تدار بوعي ودقة في مراكز صنع القرار الصهيوني في مقابل مجموعات عشوائية لا تملك أوراق ضغط وتلهث في تسول سراب ووهم الخيار الوحيد والإستراتيجي "السلام"، وهكذا فإن الإستراتيجية التفاوضية الصهيونية تهدف إلى إطالة أمد المفاوضات مع استمرار بناء الحقائق على الأرض، والوصول إلى الأوضاع النهائية المفروضة صهيونيًّا، مع نزع أوراق الضغط الفلسطينية، بحيث لا يجد الطرف الفلسطيني في النهاية ما يتفاوض عليه، ويكون أمام خيارات محددة بالسقف المفروض صهيونيًّا، بل تحول طين المفاوضات إلى وحلٍ لا فكاكَ منه حين حاولت مجموعة التفاوض الهجوم والتشكيك في أوراق الضغط الوحيدة- المقاومة- ليكون الطرف الفلسطيني بكل أطيافه منزوع الأنياب والأظافر، حتى لا يشعر بوخز الضمير أو يشعر أنه وغيره في الضعف والفخ سواء بسواء! بل هناك ما هو أعجب وهو التحول المفصلي وغير المسبوق لدى حركات التحرر الوطني حتى جاءت السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس ومجموعة التفاوض لتمثل النموذج الوحيد في العالم التي صارت فيه مؤسسة التحرر والنضال لتقوم بدور وظيفي عند المحتل.

 

وأخيرًا.. التاريخ القريب والواقع المعاش يؤكد قوة وفاعلية المقاومة، والمسألة تكمن في العلاقة بين القوة الفاعلة وزمن التأثير؛ لذا علينا تعظيم القوة لاختصار الزمن وتحقيق الطموحات العادلة والمشروعة.