لا شك أن عدم وفاء الرئيس بوعده للشعب بإلغاء الطوارئ يدل على عدم اهتمامه شخصيًّا بالاحتفاظ بأدنى مستوى من الشعبية، وبالنظر لحالته العمريَّة والصحيَّة في مقابل الأحوال والاحتجاجات المجتمعية، فضلاً عن الاعتبارات الخارجيَّة، ونتصور أنه يتم الآن البحث عن رئيس جديد مع استمرار نفس نظام الحكم بالسلطة.
- القضية الفاصلة الحاكمة لإشكالية نقل السلطة تتمثل في مجموعة الأشخاص المهيمنة على مقدرات مصر, الساسة ورجال الأعمال, تحالف السلطة والثروة, هؤلاء لا بد أن يستمروا على نفس الوضع بالضبط (وإلا المصير معلوم)، لقد فهموا درس انتقال السلطة من السادات لمبارك, استمر نظام 1952م في الحكم، لكن المجموعة التي كانت مهيمنة حول السادات ذهبت، وجاءت أخرى واستقرت الآن على زكريا عزمي وصفوت الشريف، وحبيب العادلي، ورجال الأعمال المسيسين, ممثلين في أحمد عز.
- أمريكا تدعم هذه المجموعة، وترى أنها الوحيدة القادرة على تأمين نقل السلطة سلميًّا في مصر، كما أدركت نجاح هذه المجموعة (تحت الرقابة والتوجيه الأمريكي) في امتحان إدارة مصر لشهرين على الأقل أثناء فترة غياب مبارك بسبب المرض.
- أمريكا لا يمكن أن تتحمل صراع على السلطة بمصر ويستحيل أن تتركه للاحتمالات؛ خوفًا من انفجار الوضع الملتهب فعلاً (فلسطين، العراق، إيران، حزب الله- مصر رأس الحربة إقليميًّا)، ولا يمكن أن تطمئن لاستمرار مبارك لفترة رئاسية 7 سنوات من الآن, لذلك تريد ترتيب الرئيس الجديد وتسليمه السلطة في حياة مبارك دون الانتظار لوفاته بعد عمر طويل.
- سيتم اختيار الرئيس من المجموعة المذكورة التي ستدير مصر مجتمعةً, تحالف عسكري سياسي أمني اقتصادي, تفتيت السلطة الرئاسية بدلاً من تركيزها في شخص واحد مثل مبارك، حتى تستطيع أمريكا المزيد من الهيمنة على سيادة القرار المصري، خصوصًا في فترة اقتراب إنهاء قضية فلسطين (كما يتصورون).
جمال مبارك خارج المنافسة
فظهور البرادعي كان حاسمًا كمؤشر؛ لأن الشعب يبحث عن أي بديل لجمال، وأكد ذلك خروجه تمامًا من الحلبة السياسية، ومن مجموعة التحالف التي أدارت مصر أثناء غياب الرئيس, فقد يتم تعيينه نائبًا للرئيس لتأمين عائلة مبارك وكخطوه تقدمية شخصية مدنية بالمنصب لأول مرة منذ 1952م.
- أمريكا لن تجد عوائق أو مقاومة فاعلة؛ لأن مصر الآن وللأسف كنظام حكم وكدولة وكمجتمع, منفصلين أو مجتمعين في مواجهة القوى الخارجية أضعف بكثير مما كانت عليه عند انتقال السلطة من عبد الناصر للسادات ثم لمبارك، كما أن المجتمع في حدِّ ذاته الذي تم تفكيكه وتهميشه أيضًا لا فعالية له في مواجهة الدولة.
- الخلاصة:
قانون الطوارئ هو الحاكم الأعلى لكل القوانين والقضايا في أهم دولة بالشرق الأوسط، (أوضحنا مسئوليتها الإسلامية بالمقال السابق)، والمؤشر العام للحالة السياسية الاجتماعية المصرية.. لا يمثل إلا نمطًا شاذًّا دون مثيل عالمي؛ لأن مفهوم الطوارئ لا يستقيم مع مفهوم الاستمرار لثلاثة عقود، والمفارقة أنه لا يمثل مواجهة الإرهاب كما يسوق له بل يمثل الإرهاب في حدِّ ذاته.. لكن المفزع أن هذا النمط الفعل الطارئ المستمر الشاذ من طرف النظام لا يمكن للمجتمع أن يتعامل معه إلا بالسلبية، كما هو الحاصل الآن أو بالتحول للإيجابية عن طريق ردِّ الفعل المماثل للفعل في النمط الشاذ والقوة والمضاد له في الاتجاه وفقًا لكل المعادلات الهندسية والتاريخية والبادئ أظلم!!
فهل المسئولية تقع أولاً على العامة أم النخبة؟؟ سنوضح ذلك بمقال قادم من منطلق مرجعيتنا الحضارية والأمثلة العالمية الحالية.
-----------------------------
* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار- hassanelhaiwan@hotmail.com