كما كان متوقعًا مررت الحكومة مستخدمةً أغلبيتها في مجلس الشعب مد العمل بقانون الطوارئ لمدة عامين جديدين؛ لتظل مصر تحت رحمة الطوارئ لأكثر من 30 عامًا، والسؤال الذي يطرح نفسه، هل مصر تحتاج فعلاً إلى استمرار الطوارئ؟، أعتقد أن الإجابة بالإيجاب وليس بالنفي.

 

بالإيجاب لأن النظام المصري أضعف من أن يعيش يومًا دون أن يستنشق هواءً مسممًا أنتجته الطوارئ، التي نشأ وترعرع في حضنها الفساد والرشوة والمحسوبية، فهل يمكن مثلاً لرجال الأعمال الذين فرضوا سطوتهم على مصر أن ينعموا بالمميزات التي خربت البلد دون أن يكون هناك طوارئ؟، وهل يمكن لمراكز القوى التي صنعتها الطوارئ في مختلف الهيئات والوزارات والأحياء والشركات أن تستمر دون طوارئ؟، وهل يمكن لمُخرِّبي الوطن أن يستمروا في أماكنهم ومناصبهم دون حماية من الطوارئ؟، وهل يستطيع الحزب الوطني الذي ينجح بالتزوير والرشوة أن يخوض انتخابات مجلس الشعب أو الشورى أو حتى انتخابات مركز شباب زفتى دون طوارئ؟، وهل يمكن للنصابين وسارقي خيرات مصر أن يستمروا في سرقاتهم دون طوارئ؟.

 

الإجابة بالطبع هذه المرة هي بالنفي، ولِمَ لا ومصر بلد العجائب، فكما فيها الأهرامات وأبو الهول أحد عجائب الدنيا، فيها أيضًا رجال الأعمال الذين سيطروا على الوزارات الخدمية، كلٌّ حسب تخصصه ونوع تجارته، مصر التي فشلت في الحفاظ على أهم جزء في أمنها القومي وهو نهر النيل هبة الحياة، كما قال المؤرخ المعروف هيردوت، وتركت لدول كان أقصى ما يتمناه زعماؤها أن يتم استقبالهم واستضافتهم في مصر تركتهم يتحكمون ويحددون ما يجب أن نقوم به للحصول على مياه النيل.

 

فعلاً مصر بلد العجائب حيث يُكافأ فيها الفشل بدلاً من الحساب، ويُعاقب فيها النجاح بدلاً من الإشادة والدعم، مصر التي كافأت وزير ماليتها الذي دمَّر اقتصادها وقاد أكبر حملة لبيع القطاع العام، وزاد من معدلات الديون والتضخم وأهان الشعب ونوابه، فبدلاً من محاسبته تقوم مصر بتنفيذ رغباته في تعديل قانون التأمينات الاجتماعية ليكمل مخططاته في تجويع الشعب، مصر التي تعالج وزراءها وكبار رجالها على نفقات الغلابة في أكبر المستشفيات العالمية، ثم تقول إن علاج الفقراء يُدمِّر الميزانية، مصر التي أعطت مفاتيح أبوابها لرجال أعمال سيطروا على السلطة والثروة فكانت الكارثة وراء الأخرى.

 

مصر التي حبست علماءها وخيرة أبنائها باستخدام محاكم عسكرية استنثائية، ضاربةً بأحكام القضاء الطبيعي عرض الحائط، وفي نفس الوقت بل وفي نفس المبنى تحاكم الجواسيس وتمنحهم حرية التقاضي.

 

مصر التي كرَّمت منتخبها لكرة القدم لأنه فشل في الوصول لكأس العالم، هي نفسها مصر التي تركت الغلابة والفقراء ينامون في البرد القارس والحر القاسي على أرصفة الحكومة والبرلمان من أجل الدفاع على ما تبقى من لقمة عيشهم، دون أن يتحرك لها جفن، أو تشعر حتى بتأنيب الضمير.

 

هذه هي مصرهم التي فرضوا من أجلها الطوارئ، مصر الحزب الوطني الحاكم الذي تلاحق رجاله الفضائح الجنسية والأخلاقية والمالية، وبالطبع فضائح البلطجة وضرب الرصاص، مصر رجال الأعمال من نوعية أحمد عز وهشام طلعت وساويرس وخميس وغيرهم الذين سيطروا على كل مقوماتها، واستولوا وحدهم على أرباحها، مصر الانبطاح الدولي والعربي الذي يمثله أحمد أبو الغيط ومَن على شاكلته، هذه هي مصر التي من أجلها مدوا الطوارئ.

----------

* مدير تحرير (إخوان أون لاين)- asobea@hotmail.com