في ذكرى النكبة يشعر الإنسان الحر بالمرارة وهو يشاهد القتلة والسفاحين من قادة الكيان الصهيوني وهم يُستقبلون استقبال الأبطال في مطاراتنا التي بناها الشعب بأمواله، وتُبسط لهم الموائد العامرة، والشعب المصري وأشقاؤنا في فلسطين لا يجدون ما يسد رمقهم، بينما نجدهم مذعورين في المطارات الأوروبية خوفًا من أن يكون قرار قد صدر من إحدى المحاكم لملاحقتهم كمجرمي حرب.
وربما يجد الإنسان العذر للأجيال السابقة من الفلسطينيين والعرب على تقصيرهم تجاه ضياع المقدسات في أرض الإسراء، فلم يكن هناك فضائيات أو "نت" أو حتى مذياع؛ ليعرفوا أخبار المذابح التي يرتكبها الصهاينة لإبادة الشعب الفلسطيني ويعيشوا أجواء القتل اليومي لإخواننا في فلسطين الحبيبة.
أما الأجيال الحالية التي ترى الجرائم وانتهاك المقدسات (on line) "أون لاين" على الشبكة العنكبوتية أو (live) "لايف" على شاشات التلفاز- ولعلكم لا تنسون مشهد اغتيال محمد الدرة أمام أعيننا- فماذا سيقولون عن عجزهم وخنوعهم.. لولا أن تداركنا نعمة من ربنا فإن عذابنا لا شك شديد.. نسأل الله العافية.
وإستراتيجية الصهاينة المتبعة منذ بداية النكبة هي (slow but sure) بطيء لكن أكيد، وتعتمد على الآتي:
أولاً.. تغيير الهوية وتزييف الوعي وتغييب التاريخ ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة: من الآية 217)، وما قضية مصعب نجل الشيخ حسن يوسف عنا ببعيد، وهل نسينا حرق الأقصى عام 1969م ومذبحة الحرم الإبراهيمي وكنيسة القيامة؟!! بل إن هناك حربًا على التراث الشعبي الفلسطيني من فنون ولغة بل حتى الأكلات الفلسطينية لم تسلم من محاولات السرقة الصهيونية؟!!
ثانيًا.. تغيير حقائق الجغرافيا عبر عمل حثيث ومتواصل على الأرض، من خلال محاولات مستمرة من سرقة الأراضي الفلسطينية وحرق المزارع واقتلاع الأشجار وبخاصة الزيتون المعمر- وهو رمز من رموز الهوية الفلسطينية والذي يزيد عمر الشجرة فيه عن عشرات الأعوام- وهدم المنازل عبر سياسة منهجية تحرق الأرض وتحاصر أهلنا بقطعان المغتصبين المتعطشين للقتل والترويع، وتقتلع الفلسطينيين من أراضيهم في غيبوبة للأنظمة العربية- إن أحسنا الظن بهم- إن لم يكن غير ذلك وهو الأقرب في ظني.
ثالثًا.. تغيير الديموجرافيا أو التركيبة السكانية في المدن الفلسطينية، وبخاصة المدن التي تحمل الذاكرة الفلسطينية، وأهمها القدس وبيت لحم والخليل، ولعل المتابعين لما يجري في مدينة القدس الشريف من تغييرات في تركيبة السكان يندهش من هذا الدأب الصهيوني عبر عقود متواصلة من الهدم والإبعاد والسجون والحصار لأهلنا في القدس دون سند أو دعم، مع أن سكان القدس اليهود يتلقون دعمًا يوميًّا يقدر بالمليون دولار على أقل تقدير، ولعلنا لا ننسى ملايين المهاجرين الروس الذين جاءوا ليساهموا في هذه الحرب الديموجرافية، ثم تلاهم يهود الفلاشا القادمون من كهوف إفريقيا بمساعدة زعماء من بني جلدتنا.
رابعًا.. التلاعب بالمنظومة الدولية وقراراتها، ويتعجب المرء كيف استطاع الصهاينة عبر سنوات من الالتفاف على قرارات صدرت من الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وربما بتنسيق مع قوى الاعتلال العربي من أجل تعمد نسيانها، ومن أهم هذه القرارات: القرار 242 الصادر في نوفمبر 1967م، والقرار 338 والصادر في أكتوبر 1973م، والقرار 194 الصادر عام 1948م، وسنتعرض لتفصيلات هذه القرارات في مقالات قادمة- إن شاء الله- وارتضت قوى الاعتلال العربي مرجعيات متدنية لا تحقق الحد الأدنى من مطالب الشعب الفلسطيني.
خامسًا.. المرجعيات الجديدة، يحاول الكيان الصهيوني وبدأب شديد وبتعاون مع أنظمة التنسيق الأمني في رام الله، وغيرها من الدول العربية أن يرسخ لمرجعيات جديدة تضيع حقوق الشعب الفلسطيني، ومن أهمها مرجعية "أوسلو" و"مدريد" الظالمة التي رفضتها كل الفصائل الفلسطينية باستثناء فريق دحلان وزمرته وبتعاون وثيق مع الإدارة الأمريكية ومجموعة الثماني "g8" التي حاولت أن تدمج الدولة اللقيطة في كيان جديد يسمى بالشرق الأوسط الكبير الممتد من موريتانيا وحتى باكستان، ثم كان التحرك الأوروبي لإنشاء شراكة متوسطية عبر الاتحاد من أجل المتوسط الذي يسيل لعاب دول المتوسط العربية من أجل تعاون قسري مع الصهاينة!! إنه مكر الليل والنهار.. ولكن ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)﴾ (الأنفال).
وإذا كانت هذه هي إستراتيجيتهم فأين هي إستراتيجية زعماء قوى الاعتلال اليوم الذين يطالبوننا اليوم بتقديم البرامج للحل بدلاً من النقد المستمر.. الآن- الممدودة بست حركات لزومًا- نقولها لكم بعد خراب مالطة يريدون الرأي ويخوفوننا من الانزلاق للفوضى.. كبرت كلمة تخرج من أفواهكم إن تقولون إلا كذبًا.