"أي انتخابات نزيهة لن تأتي إلا بأصحاب الرؤى الصادقة؛ لأنهم النبت الطبيعي لهذه المنطقة من العالم".. هذا ما عبَّر عنه السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس في يناير عام 2006م بعد فوز الحركة بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني، من هنا كانت البحوث والدراسات لإيقاف هذا المدِّ الإسلامي في هذه المنطقة التي تتجمع فيها مصالح الدنيا، فضلاً عن وجود الكيان الصهيوني الطفل المدلل لما يُسمَّى بالمجتمع الدولي.

 

على الرغم من مرور ما يقرب من أربعة أعوام على إعلان مبادرة الشرق الأوسط، والجهود الأمريكية لنشر الديمقراطية في هذه المنطقة، إلا أن هذه المبادرة ما زالت تعاني العديد من التعثرات والتحديات أهمها استمرار الصعود الإسلامي- خاصةً الإخوان- في المنطقة في مقابل التراجع الملحوظ للتيار الليبرالي، وقد أثارت تلك المفارقة الكثير من التساؤلات النظرية والتحديات العملية لدى الإدارة الأمريكية والمؤسسات الأكاديمية المتخصصة في هذا الشأن، وقد طُرح في هذا الإطار عددٌ من الأفكار والسياسات البديلة في محاولة التوفيق بين هدفين رئيسيين لكنهما متناقضان، وهما نشر الديمقراطية، والحيلولة دون صعود الإخوان عبر الوسائل الديمقراطية ذاتها، وقد طرحت بعض الأفكار والإستراتيجيات لدعم التيار الليبرالي وهزيمة الإخوان عبر صناديق الانتخابات، اتسمت بدرجة كبيرة من الاختلاف، وصل بعضها إلى حدِّ الدعوة إلى تأجيل نشر الديمقراطية والانتخابات في العالم العربي.

 

السيناريوهات المطروحة

- الإزاحة من المشهد:

ويتم ذلك بعدة وسائل هي:

* تعميق التمييز والانقسام بين "الإسلاميين" والمسلمين غير الإسلاميين من خلال وسيلتين أساسيتين، الأولى هي تمويل مشروعات وخدمات موازية لتلك التي يقوم الإسلاميون بتنفيذها، خاصةً في مجالات التعليم والصحة والمجتمع المدني والمساعدات الاجتماعية، عن طريق دراسة الأنشطة الإسلامية في تلك المجالات وطريقة عملها، وتوفير الموارد المالية الكافية بشكلٍ يفوق إنفاق الإسلاميين على تلك الخدمات وتوفيرها بمستوى أفضل"، وهذا ما تم بالفعل من طرف النظام الحاكم من معارض ومسابقات ثقافية ورياضية وخدمات اجتماعية وإفطارات رمضانية وقوافل طبية، لكن أجهضها فساد القائمين عليها".

 

الثانية: يجب أن تكون تلك الإستراتيجية بعيدة المدى استنادًا إلى خبرة هزيمة الشيوعيين في إيطاليا التي استغرقت 13 عامًا.

 

* رفع تكلفة العمل مع الإسلاميين أو الانضمام إلى الأحزاب الإسلامية من خلال منع الإسلاميين الاستفادة، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، من المنح والمساعدات الأمريكية، ومنع الإسلاميين من الاستفادة من مزايا الهجرة أو التعليم في الولايات المتحدة.

 

- تجميد الديمقراطية:

طُرحت الديمقراطية حلاًّ لظاهرة ما يُسمََّى بالإرهاب، لكن الواقع يؤكد عدم وجود علاقة واضحة- على عكس ما يُشاع - بين طبيعة النظام السياسي والإرهاب، بل على العكس فإن معظم الدراسات والتقارير الإحصائية حول التوزيع الجغرافي للأنشطة الإرهابية تُشير إلى ارتباط النظم الديمقراطية بعددٍ أكبر من الأنشطة الإرهابية بالمقارنة بالنظم غير الديمقراطية- راجع إحصاءات الأنشطة الإرهابية في الهند التي تعد من أعرق الديمقراطيات بالنسبة للصين غير الديمقراطية، الهند 10 أضعاف الصين".

 

كما تشير النتائج النهائية لنشر الديمقراطية في العالم العربي أنها لا تتوافق والمصالح الأمنية الأمريكية، وترى بعض الدراسات أن الخطأ الذي وقعت فيه السياسة الأمريكية هو اختزال الديمقراطية في الانتخابات؛ وذلك في الوقت الذي تفتقد فيه الدول والمجتمعات العربية شروط المجتمع الليبرالي الحقيقي بشكلٍ يضمن إقامة ديمقراطيات حقيقية.

 

وهْم الاستبعاد والهزيمة

استبعاد الإسلاميين- الإخوان- من الحياة السياسية أمرٌ بالغ الصعوبة بل والخطورة لاعتبارات كثيرة منها:

- أنه تيار يُعبِّر أكثر من غيره عن هوية الأمة وثقافتها.

- شبكة العلاقات الاجتماعية والإنسانية التي تمتلكها الجماعة مع غالبية فئات الشعب المصري.

- الإمكانات التي تمتلكها الجماعة خاصة المورد البشري الذي يؤمن بالمشروع ويمتلك إرادته ويتحلى بصفاته ويتحمل تبعاته.

- الصورة الذهنية النظيفة عن أعضاء الجماعة، خاصةً القيادات والنواب "لا توجد مخالفات فساد".

- الأداء المقبول للجماعة في المجالات المختلفة "الدعوي والتعليمي والخدمي والرقابي والتشريعي.

- التواصل الإيجابي بين الجماعة والأحزاب المصرية بهدف التوافق حول الإصلاحات التي تحقق بعض طموحات الشعب المصري.

- ضعف مصداقية النظام الحاكم والأحزاب السياسية في الممارسة الديمقراطية، في الوقت الذي استطاع فيه الإخوان المسلمون تطوير خطابهم في اتجاه التوافق مع تلك المبادئ.

- فشل تجارب وسقوط شعارات منظومة الحكم بجناحيها الحزبي والحكومي والمنعكس سلبًا على حياة المواطن المصري المأزوم معيشيًّا والمنتهك حقوقيًّا.

- أشواق المصريين في الإصلاح والتغيير والإخوان جزء كبير من هذا الأمل المنشود.

- خطورة البديل وهو التيار الإسلامي الذي لا يؤمن بالعمل السياسي أو الذي لا يعتمد النهج السلمي في التغيير، وكلاهما مربكٌ للمشهد العام.

 

الخلاصة.. أن الإسلاميين بصفة عامة والإخوان بصفة خاصة الرقم الفاعل والمؤثر في المعادلة السياسية العربية والإسلامية، ولن تجد الأنظمة الحاكمة والدول صاحبة المصالح إلا التفاهم معهم وبصورةٍ تناسب حجمهم وتأثيرهم، لاعتبارات كثيرة أهمها الإصرار على التواجد والمزاحمة قيامًا بالواجب الشرعي والحق الدستوري والمطلب الشعبي والاستحقاق التاريخي.