سألني جمع غفير عقب الإعلان عن الإضراب عن الطعام بعد اختطافي بسيارتي من محطة بنزين بدمنهور، وبصحبتي الدكتور جمال حشمت يوم الإثنين قبل الماضي الموافق 2/5، ومنهم العديد من رجال الأمن على اختلاف رتبهم من ملازم وحتى لواء والسادة المحققين، فضلاً عن النخبة والأهل والأصحاب "لماذا الإضراب؟!!".
قلت لهم بكل ما أتاني الله من قوة: لن أفرط بعد اليوم في حريتي التي وهبها الله لكل البشر، ويكفيني أن الله شدّد على من يحرم أحدًا من حريته حتى أدخل امرأة النار في قطة حبستها من حريتها، إنها الحياة وإن كانت مع نظام مستبد.
قالوا وما السبب الذي يدعو لذلك؟!، فقد قُبض عليك وحُبست مرات عديدة تجاوزت تسع مرات خلال أربع سنوات بما يعادل يوم حرية ويوم حبس، ولم تُضرب عن الطعام من قبل، وليس أسلوبًل يعتاده الإخوان المسلمون!!.
قلت: عندما يسود منهج الاستباحة كل شيء ولأي شيء ومن أي شيء؛ يجب أن تحدِّث النفس الأبيّة نفسها، وتُحدِثُ أمرًا لم تعتاده، ويفوق كل التصورات والتوقعات، وهذا بالضبط ما حدث.
فما بالكم إذا كان الذى ينتهج الاستباحة هو نفسه من يفترض فيه أنه يحمي الدستور ويحترم القانون، إنه النظام بكل ما يملك من أجهزة أمنية وإعلامية برجالها وعتادها هو الذي يُهدر أبسط الحقوق الإنسانية التي كفلها الدستور لأي مواطن أيًّا كانت انتماءاته ومعتقداته.
سُئِلتُ وكيف تُستباح الحرمات؟!
قلت: إن تحول رجال الأمن في مفهوم أدائهم كجهاز لأمن الدولة إلى جهاز لأمن النظام ومن يحكم، فيتعسف في استخدام القانون وبلا قانون في التنكيل بالمعارضين السياسيين الشرفاء في سلب حقوقهم، ونهب ممتلكاتهم، وانتهاك حرماتهم، انتهاءً بانتهاك حرياتهم هو عين الاستباحة.
وانظر إلى العقود السابقة.. انتهكوا حرمات بيوتنا.. فاقتحموها بعد منتصف الليل وقرب الفجر مرارًا وتكرارًا، وكأن هذا التوقيت تحديدًا من الثوابت التي لا تتغير.. عبثوا بالممتلكات وكل الخصوصيات لكل من في البيت، دون مراعاة أو أدنى حياء، فجمعوا ما شاءوا من كتب لها أرقام إيداع، وأجهزة كمبيوتر، وهواتف محمولة، وأوراق شخصية.. إلخ، كل ذلك ولم نعترض بل عاملناهم على أنهم ضيوف في بيوتنا لهم حق الضيافة؛ بالرغم أنّ كلاًّ منهم حاصل على لقب "شخص غير مرغوب فيه".
روّعوا كبار السن من آباء وأمهات، وأفزعوا الأبناء والزوجات، ولم يبالوا ببكاء الأطفال وهلع الكبار على السواء، وأسى وغيظ الجيران وحنقهم، ومع ذلك كنا نسّلم لهم أنفسنا بهدوء ودون مقاومة، ونركب معهم سياراتهم الكريهة لنا والمجيشة بالسلاح والجنود، كل ذلك ولم نعترض، فنصبر على ما نالنا من أذى في صمت المحب لدينه ووطنه والمؤمن بعدالة قضيته.
اقتادونا إلى أماكن مظلمة عفنة كريهة يأنف منها الحيوان فضلاً عن الإنسان، قبلنا كل ذلك في صمت وذهول؛ لتبدأ بعد ذلك المسرحية أو التمثيلية الهزلية التي باخت وبهتت من كثرة تكرارها بالعرض على النيابة، والفوز بـ15 يوم حبس كل مرة، والكل يعلم على مدار العقود السابقة أن القرار الظالم يأتي من جهات عليا وليس بأيدي المحققين، وبعد محاولات الاستئناف في المحاكم على قرار النيابة نحصل على إخلاء سبيلنا، يعاودوا اعتقال من شاء لهم أن يعتقلوه بقرارات جاهزة على بياض!!.
لم يكفوا عن غيّهم بل طغوا بتقطيع الأرزاق ظنًا منهم أنها بأيديهم وليست من رازق الظالم والمظلوم، ففصلوا من أرادوا من وظيفته، وحوّلوا العديد من المعلمين لوظائف إدارية، ونقلوا العديد لوظائف أخرى في محافظات بعيدة عن موطن إقامتهم، وكانوا يتلذذون بما يفعلون، حرموا الكثير من أصحاب الكفاءات من الترقية والاحتفاظ بمناصبهم، بل تدخلوا في حج القرعة وشطبوا المتقدمين من أصحاب الرأي، وغيّروا نتائج امتحانات الأبناء المتفوقين، صادروا العديد من الشركات.. كل ذلك ونحن صابرون نحتسب لله عسى أن يكفوا وينتهوا، أو يفيقوا ويهتدوا إلى صوابهم.. ولا جدوى، بالغوا في ذلك حتى وصل غيّهم أن نختطف من الشوارع، وتلفق لنا التهم دون وازع من ضمير!!
ماذا أفعل؟!... اقتادوني ظلمًا إلى العديد من السجون مرات ومرات وبذات التهم، عُرضت على النيابة وحصلت على قرار الحبس الممهور بـ15 يومًا مع التجديد.
هنا.. لم تعد تحتمل نفسي السكوت على انتهاك حريتي المرة تلو المرة، فحريتي تساوي حياتي, ولن أترك وطني مهاجرًا مثلما فعل الكثيرون.. فماذا تفعل لو كنت مكاني؟!.
كان لزامًا أن أقف وقفة حاسمة.. وبالفعل شرعت في الإضراب مغامرًا بحياتي من أجل حرية الآخرين وحريتي، فلا قيمة للحياة بدون حرية, ولا يجب علينا مجتمعين أن نُعتقل بعد ذلك بقرارات وزارة الداخلية وينالوا من حرياتنا، وإن كنا نقبل مرغمين ما تقرره النيابة من حبس احتياطي؛ احترامًا للقانون وحفاظًا على الاستقرار، وحبًا جمًا للوطن، وإيمانًا قويًّا بعدالة مطالبنا في الإصلاح، وأملاً لا يحدوه يأس مع قرب موعد التغيير.
أخــــيرًا...
- كل الشكر والعرفان لمن وقف معنا، وناصر قضيتنا، وآزرنا في محنتنا، وقدّر لنا موقفنا، وتضامن بقلبه معنا.
- كل التقدير والاحترام للصحف المستقلة والصحفيين الذين كانوا على رقي في مهنتهم الصحفية، وحافظوا على حيادهم.
- كل العتاب واللوم للصحف القومية وصحفييها الذين عجزت أقلامهم عن نصرة الحرية، وكذبوا عن قصد في نشر خبر قضيتنا على غير الحقيقة، وتهاونوا في ميثاق المهنة، وكانوا أشد على أنفسهم من "الجيت كيبر".
لكل ذلك.. لن تستبيحوا حرياتنا ولو أنهيتم حياتنا.
----------------