الصورة غير متاحة

 فاطمة الزهراء

قد عشت أسأل أين وجه بلادي؟

أين النخيل؟ وأين دفء الوادي؟

لا شيء يبدو في السماء أمامنا

غير الظلام وصورة الجلاد

هو لا يغيب عن العيون كأنه

قدر كيوم البعث والميلاد..

كلمات لجويدة سمعتها يومًا، ووعيتها عن ظهر قلب, ليس فقط لأن فيها إبداع الوصف؛ لكن أيضًا أحسبني أرغمت على حفظها, ففي اليوم التالي مباشرة لإلقائها كنت على موعد مع زيارة أبي في مزرعة طرة..

 

ووجدتني أردِّدها وأنا في طريقي إلى "المزرعة".. أحفظها عند عودتي من "المحكوم".. أفهمها بين نزلاء "وادي النطرون".. أتلمس معانيها في سجن "الزقازيق".. أكرهها وأنا أرى تلك الوجوه الأمنية البائسة بسجن "دمنهور العمومي"..

 

وكم حاولت جاهدة أن أطرد ذكرياتها من ذاكرتي، وما ألبث أن أنجح وأستعيد وجه بلادي حتى تأتي الدولة فيها لتعمّق تلك الذكريات وتجدِّدها على نحو من يريد الإثبات لا النفي!! لأعود وأتساءل من جديد.. أين وجه بلادي؟.. بالتأكيد هو ليس في ذلك الطريق الصحراوي إلى معتقلاتها.. ولا تلك الوجوه التي رسم عليها الزمان أقسى معانيه... ليس وجه بلادي في تلك الأيادي الممتدة تسأل الناس إلحافًا.. ولا تلك الظهور التي تحمل همومًا تنأى عن حملها الجبال.. وجه بلادي غير مرسوم على أجهزة أمنها وقصور سارقيها.. وجه بلادي ليس هو وجه حاكميها.

 

وأنتظر مع كل صباح أن أرى معنى الوطن في بلادي.. أن أفهم أن أرضها يمكنها أن تسعنا وليس فقط سجونها.. أن السماء في وطني لها معنى آخر غير التعلق بها دعاءً على الظالمين، أو طلبًا للنجاة من كيدهم.. وأن العيون لا يرتسم الذل فيها وكأنها جبلت عليه.. أنتظر معنى الوطن في نشيده القومي.. فلا يأتي!!

 

وفي الطريق إلى وجه بلادي المحتوم وأنا ذاهبة لزيارة أبي, أقنع نفسي أن ثمة وجهًا آخر لم تتحه الظروف, وأن موعدي معه قريبًا, فربما تكون هذه آخر الزيارات ومنتهى الأماكن التي سأتعرف عليها على كثرة ما عرفت من أماكن في بلادي يسمونها "معتقلات".

 

هذه المعتقلات التي لا يجمعها سوى هذا الإحساس بالظلم، وتلك الأسوار العالية التي لطالما تمنيت لو هدمتها حجرًا حجرًا, حتى لا يبقى على وجه الأرض ما يمنع أبًا أن يكون وسط أبنائه وطفلة تبكى اشتياقًا لأبيها ليلاً وأمًّا كل أمنياتها أن يستقبل ابنها عزاءها.

 

وكترنيمة متكررة تختلف فقط في بعض التفاصيل تكون زياراتنا لتلك "المعتقلات".. نستيقظ ليلاً لنتجهز.. فالرحلة طويلة ممتدة ربما بطول أعمارنا.. يُؤذَّن للفجر فأدعو الله أن يأذن بفجر مشابه لبلادي.. نتم الصلاة ونطمئن على استكمال أوراقنا.. البطاقات.. إذن الزيارة.. رخصة السيارة.

 

تودعنا "الشرقية"- كعادتها- بتمنيات السلامة.. وتستقبلنا- هذه المرة- "البحيرة" بعبارات الترحيب.. نبحر أكثر في المدينة الساحلية.. ما زال في الوقت بقية لتجميع شتات النفس ولملمة أحداث الأسبوع عليَّ، أستطيع هذه المرة التفوق على الزمن وأحكيها جميعًا لأبي.. ففي المعتقل لا يعترفون بأبوة وبنوة.. ومعاني الإنسانية لا تعنيهم في شيء, فالقانون يقول: لك دقائق معدودة هي حقك الدستوري حتى وإن كنت أقضى في الطريق أضعاف ما أقضيه في الزيارة.. فهذا لا يهمهم في شيء!! أما هناك على جهاز التفتيش فيتعاملون مع تلك الدقائق "كمنّة" لهم فيها ما يشاءون من المنع والعطاء!!

 

ما زلنا على الطريق.. يستبد بنا القلق على صحة أبي فنطوى طول الطريق بمواصلة الدعوات بأن ينتبه أبي إلى مواعيد الدواء.. وأن يستقر معدل الضغط والسكر.. نخفي جميعًا تساؤلاً مرًّا عن صحة قلب أبي.. نتمنى لو سابقنا الزمان حتى نراه ونطمئن على صحته.. بلطف من الله نصل إلى "الأبعدية"؛ حيث "سجن دمنهور العمومي" وملمح آخر من ملامح بلادي له تفاصيله المختلفة.. فالأبعدية لها من اسمها نصيب, فهي على بعدها ومشقة طريقها المتعرّج تبدو متصالحة مع من أسماها بهذا الاسم.

 

تستقبلنا وجوه تقول إنها قد جاءت لمذنبين يعاقبون على جرم فعلوه اصطلح على تسميتهم "جنائيين" في تناقضية لطالما أرهقتني ما بين معتقل "جنائي" وآخر في نفس المكان, تمارس عليه القوانين ذاتها.. أسموه "معتقل سياسي"!!

 

انظر إلى تلك الوجوه التي تعتبرنا غرباء عن هذا المكان.. أتساءل إن كانوا يعرفون لماذا نشاركهم المكان نفسه؟.. هل يقلقهم قانون الطوارئ؟.. أو مثلاً يعرفون شيئًا عن تهويد القدس؟.. أيهتمون لخبر بيع أصول البلاد؟.. هل هم مثلي يبحثون عن وجه الوطن, أم أني وحدي أهيم بحثًا؟!!

 

لم أنتظر طويلاً حتى جاءتني الإجابة من أحدهم عندما قال: دول سياسة ملناش دعوة بيهم, وذلك في معرض إجابته عن تساؤل صاحبه عندما سمع العسكري ينادي: السياسي يجي يسجل هنا.

 

عندها أدركت أن وجه الوطن ليس فقط تائهًا عن أبنائه, وإنما أيضًا مشوهًا في عقول بعضهم.

 

حقائبنا على جهاز التفتيش.. قلوبنا تسبقنا إلى غرفة الزيارة.. وعيوننا معلقة على وجه الضابط بانتظار معرفة الخطوة التالية.. فهم دائمًا من جديد إلى جديد.. أنهينا مراحل التفتيش.

 

نحن الآن في غرفة الزيارة.. تستقبلنا ابتسامة ترحاب من أبي.. تلاحقنا تلك الوجوه النورانية بالسؤال عن أحوالنا والاطمئنان علينا.. عالم آخر يشبه المدينة الفاضلة.. حب وتآخٍ وود وقلوب عامرة بالسكينة.. أمل يعرف طريقه إلى النفوس.

 

وأخيرًا.. أجد الإجابة على سؤالي.. ثمة وجه آخر لبلادي يرتسم على تلك الوجوه النورانية.. وجه يحمل ملامح الوطن الذي نعرف فيه الأمان والاستقرار، ونتّم فيه صلاة الفجر... وأبي لنا إمام.