الحكاية الأولى
منذ حوالي 5000 سنة، أي منذ فجر الضمير كما يقولون، شاهدت هذه المنطقة حضارات كبيرة وعظيمة، مثل الحضارة المصرية القديمة، والحضارة البابلية والآشورية في العراق، والفينيقية في سوريا، وغيرها.
ونجحت هذه الحضارات في إقامة دول وممالك كبيرة، بل وأسس بعضها إمبراطوريات، وكانت العلاقات بينها تتراوح بين الحرب والسلام، والصراع والوئام.
وعشنا كذلك حوالي ألفي سنة، إلى أن وصلنا إلى الألف الأخيرة قبل الميلاد؛ حيث بدأت عصور الضعف والتدهور والاضمحلال التي كانت مقدمة لوقوعنا جميعًا تحت نير الاحتلال الأجنبي الطويل.
*****
الخواجات:
ففي عام 332 قبل الميلاد، جاءنا أول خواجة من البر الثاني عابرًا البحر الأبيض المتوسط بجيوشه وأساطيله، وكان هو الإسكندر المقدوني، الذي غزانا، واستولى على معظم البلاد التي تسمى اليوم بالبلاد العربية، كما استولى على غيرها.
وعندما مات، وُرِثنا هنا في مصر إلى أحد قواده، وهو بطليموس الأول الذي أسس في مصر الدولة البطلمية والعصر البطلمي، وظل الخواجات اليونانيون يحتلوننا 302 عام من 332 ق. م حتى 30 ق. م.
وللأسف لم ننجح في تحرير أنفسنا بأيدينا، فالذي حدث أن جاءنا خواجة ثاني من البر الثاني، ولكن هذه المرة من إيطاليا، من روما، وقام بطرد اليونانيين، والحلول محلهم، لنقع مجددًا تحت الاحتلال الأجنبي.
وظل الخواجات الرومان يحكموننا ويحتلوننا 425 عامًا أخرى من 30 ق. م إلى 395 ميلاديًّا.
ومرة أخرى، لم يكن لنا شأن بطرد المستعمر.
فالذي حدث هو أن قام الخواجة الإمبراطور ثيودوسيوسي عام 395م بتقسيم الإمبراطورية الرومانية الكبرى بين ولديه، فجئنا نحن في نصيب وميراث ابنه آركاديوس الذي ورث القسم الشرقي من الإمبراطورية، والذي أطلق عليها الإمبراطورية الرومانية الشرقية أو الإمبراطورية البيزنطية، والتي كانت عاصمتها القسطنطينية التي هي الآن إسطنبول.
وظل الخواجات الجدد الروم الشرقيون أو البيزنطيون يحتلوننا 245 عامًا أخرى من 395 ميلاديًّا إلى 642 ميلاديًّا؛ لتصل بذلك جملة سنوات احتلال الخواجات لمصر 974 سنة متصلة، أي ما يقرب من ألف عام، عشرة قرون كاملة.
وما حدث مع مصر حدث مع باقي بلاد المنطقة مع بعض الاختلاف في التفاصيل.
*****
هل تتخيلون معي ماذا تعني ألف عام من الاحتلال الأجنبي؟
لنتخيل ذلك، دعونا نتذكر معًا أن الإنجليز احتلوا مصر 72 عامًا من 1882 إلى 1954م، فكانت هي الفترة الأكثر سوادًا في تاريخنا الحديث.
والفرنسيون احتلوا الجزائر 132 عامًا من 1830 إلى 1962م، فكانت مأساتهم هي الأكبر بين شعوب المنطقة.
والصهاينة يغتصبون فلسطين منذ 62 عامًا، وهو ما نعتبره لعنتنا الكبرى.
فما بالنا وبلادنا عاشت تحت الاحتلال الأجنبي ألف سنة متصلة.
معناها أننا لم يعد لنا وجود، وتحولنا إلى مسخ شعب بلا هوية بلا قوام، مواطنون من الدرجة الثانية والثالثة، مشاع لكل من يرغب.
واستقر في وجدان أجدادنا، أنه لم يعد هناك فائدة، فالأسياد هم الخواجات على البر الثاني، أما نحن فسنعيش عبيدًا لهم إلى الأبد.
*****
المعجزة:
وإذ نحن على هذه الحال، تحدث معجزة لم يتوقعها أحد، يفتح الله علينا بالإسلام، يحمله لنا رسوله الكريم، محمد صلى الله عليه وسلم، ويتناقل الناس خبر ظهور نبي عربي جديد في الجزيرة العربية يدعو إلى دين سماوي جديد.
وما هي إلا سنوات قليلة ونجد عمرو بن العاص على أبواب مصر فيدخلها عام 640 ميلادية، ويستكمل فتحها 642 ميلادية.
قبلها كانت بلاد الشام والعراق قد فُتحت، وعلى نهاية القرن السابع الميلادي كان بلاد المغرب كلها قد فتحت كذلك.
*****
الأمة الجديدة:
ترتب على الفتح العربي الإسلامي، أن دخلت كل الشعوب والقبائل والجماعات والأقوام التي تعيش في هذه المنطقة في بوتقة واحدة، وأخذت تتفاعل وتنصهر معًا؛ لتخرج بعد حوالي مائة عام: خامةً واحدةً، نسيجًا واحدًا، وطنًا واحدًا، شعبًا واحدًا، بلدًا واحدًا، أمة عربية إسلامية واحدة، هضمت كل ما سبقها وأثرته، وأثريت به، وتطورت عنه.
استطاع الفتح العربي الإسلامي أولاً أن يحرر المنطقة من الاحتلال الأجنبي الذين مكث فيها ألف سنة ويزيد.
واستطاع ثانيًا أن يحافظ لها على استقلالها، وأن يمنع ويصد أي غزوات جديدة من الخواجات على البر الثاني.
واستطاع ثالثًا أن يصيغها أمة واحدة.
*****
وفي مصر:
وهنا في مصر انتقل بنا الحال من النقيض إلى النقيض، فللمرة الأولى في حياتنا نكون جزءًا من أمة أكبر وفي القلب منها، وللمرة الأولى منذ ألف عام نتحرر من الاحتلال الأجنبي، ونصبح مواطنين من الدرجة الأولى في أمة ننتمي إليها، ونتشارك فيها.
ولأول مرة منذ ظهور الحضارة، نكف عن القتال دفاعًا عن حدودنا، فالحدود قد بعدت إلى أقاصي الشرق والغرب والجنوب، وبعدت معها المخاطر الخارجية، وأصبح لنا خطوط دفاع أمامية أولى وثانية وثالثة ورابعة في العراق والشام وفلسطين والمغرب والنوبة؛ فالأمة هي التي تدافع عنا وتحمينا، بعد أن ظللنا لآلاف السنين ندافع عن أنفسنا.
وقصص الهجمات التتارية، والحروب الصليبية خير شاهد على ذلك؛ الأمر الذي جعل من مصر المنطقة الأكثر أمانًا في هذا الوطن الواحد مترامي الأطراف، والأكثر مناعة وقوة، وبفضل ذلك أصبحت هي القائد الطبيعي لأمتها، وعاصمتها السكانية والجغرافية والحربية والسياسية.
إن مصر هي بحق هبة الأمة العربية الإسلامية، هبة الإسلام والفتح العربي.
أما مصر القديمة التي قيل إنها هبة النيل، فلقد قام بالقضاء عليها هي وجيرانها الغزو الأجنبي منذ القرن الثالث قبل الميلاد.
*****
الخلاصة:
وصلنا إلى نهاية حكايتنا الأولى، ونستطيع أن نبلور معانيها ودروسها المستفادة في خمسة دروس أساسية:
1- الدرس الأول: أن هذه المنطقة خُلِقَت لكي تعيش وحدة واحدة وكيانًا واحدًا، وإنها عندما عاشت بلادًا وحضارات وأقوامًا متعددة ومختلفة في العشرين قرنًا الأولى من حياتها؛ تدهور بها الحال، ووقعت تحت الاحتلال الأجنبي لمدة ألف سنة ويزيد.
وعندما أُعيدت ولادتها كأمة واحدة بعد الفتح الإسلامي، تحوَّلت إلى واحدة من أقوى الأمم في العالم على امتداد أكثر من عشرة قرون متصلة.
ومن يومها، ثبت موضوعيًّا وتاريخيًّا أنه من المستحيل على مصر أو أي قطر آخر أن يتحرر من الاحتلال الأجنبي أو يحافظ على استقلاله، أو يتطور وينمو ويتقدم ويتنافس مع الآخرين، بصفته وحدة قومية وسياسية قائمة بذاتها.
لقد سقطت للأبد نظريات الأمة المصرية والأمة العراقية والأمة السورية.. إلخ، بل إننا أمة عربية واحدة، بلد عربي واحد، مثل الصين والهند وإيران وتركيا وإنجلترا وفرنسا وباقي خلق الله.
*****
2- الدرس الثاني: هو أن الإسلام هو صانع هذه الأمة، والعنصر الرئيسي في تكوينها؛ ولذا فإنه لا يمثل دينًا للأغلبية منها فحسب، بل هو حضارة الأمة وهويتها.
إن كل عربي مسلمًا كان أو مسيحيًّا، هو ابن بالضرورة وبالتاريخ للحضارة الإسلامية.
*****
3- الدرس الثالث: هو أن مصر ليست أمة قائمة بذاتها، ليست بلدًا قائمًا بذاته، بل هي جزء من أمة أكبر، من بلد أكبر.
مصر ليست الصين أو الهند أو إنجلترا أو فرنسا؛ بل هي بكين أو نيودلهي أو لندن أو باريس.
*****
4- الدرس الرابع: أن لا حياة ممكنة لمصر بدون أمتها، ولا حياة ممكنة للأمة بدون مصر.
*****
5- الدرس الخامس: أن الخواجات هناك في البر الثاني موجودون متربصون منذ آلاف السنين، كانوا كذلك وسيظلون.
ونلتقي بإذن الله في الحكاية القادمة.
-------------------