مشكلة "المياه" الدائرة بين مصر ودول منابع النيل لا تعدو أن تكون "رأس جبل الجليد" من الحرب الدائرة بين الطرف العربي والصهاينة على المياه في المنطقة منذ عرف المشروع الصهيوني طريقه للمنطقة، ونحن لا نحشر بالطرف الصهيوني في المشكلة عنوة أو خضوعًا لنظرية المؤامرة؛ وإنما الحقيقة أن الصهاينة هم الذين يدسُّون أنفسهم في القضية، ويديرون ذلك الملف بأعلى قدر من الاهتمام والتخطيط، بل إن معظم المعارك التي خاضها الصهاينة ضد الطرف العربي كان الدافع الأول لها السيطرة على المياه العربية، وحتى يكون كلامنا محكمًا في هذا الصدد؛ أشير هنا إلى الوثيقة التي نشرتها صحيفة (الوفد) المصرية اليومية المعارضة يوم الثلاثاء 27/4/2010م والصادرة عن الكيان الصهيوني تحت إشراف "تسيفي مزائيل" السفير الصهيوني الأسبق في القاهرة، والتي تتهم مصر باحتكار مياه النيل، وتطالب بما أسمته حقوق دول المنابع المهدرة فيها، متهمة مصر بتجاهل المطالب الشرعية لدول المنابع، وتطالب "بتدويل" النزاع بين دول منابع النيل السبع من جهة ودولتي المصب (مصر والسودان) من جهة أخرى.

 

ولمن يحاول إصرار قيادة الكيان الصهيوني على إشعال حروب المياه في المنطقة بأسرها ضد الشعوب العربية؛ نذكّره بالوقائع الثابتة، والبيانات التاريخية الرسمية الصادرة عن الصهاينة:

- ففي الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، وإثر نداء "نابليون بونابرت" الشهير لليهود بالزحف إلى فلسطين؛ كان الاستحواذ على مياه المنطقة العربية يمثل صلب المشروع الصهيوني.

 

- و"تيودور هرتزل" ركَّز في مذكراته عام 1885م على ضرورة ضم جنوب لبنان وجبل الشيخ (الغني بمياه أنهاره).

 

- وفي عام 1917م نصح "ديفيد بن جوريون" في كتابه "أرض إسرائيل" أن تشمل حدود كيانه الغاصب منابع نهر الأردن والليطاني واليرموك؛ ليحرم بذلك لبنان والأردن وسوريا من أهم مصادر المياه.

 

- وفي عام 1955م أكد أن "اليهود يخوضون مع العرب معركة المياه، وعلى نتائج هذه الحرب يتوقف مستقبل الكيان الصهيوني، ونقل السيناتور الأمريكي الأسبق "بول سايمون" في كتابه "أزمة المياه القادمة في العالم وما يمكن أن نفعله حيالها" عن "أرئيل شارون" قوله: "الناس بشكل عام يعتبرون الخامس من (يونيو) 1967م هو اليوم الذي نشبت فيه حرب الأيام الستة، إن ذلك ناتج عن الإعلام الرسمي؛ لكن الحقيقة أن تلك الحرب بدأت قبل ذلك بسنتين ونصف السنة في اليوم الذي قرر فيه الكيان الصهيوني العمل ضد تحويل مجرى نهر الأردن".

 

وقد أشعل الكيان الصهيوني قبل سنوات أزمة مع لبنان؛ إثر تركيب بعض المضخات على نهر "الوزاني" لسحب كميات من المياه تحتاج إليها المنطقة المحيطة به في الجنوب اللبناني.. وتابعنا كيف انطلقت التهديدات الصهيونية بالحرب إذا لم يتراجع لبنان ويزيل هذه المضخات، وكأن النهر شراكة بين الكيان الغاصب ولبنان!

 

ولعلنا نتذكر أن هذه المضخات كانت موجودة على النهر قبل حرب عام 1967م، لكن الصهاينة أسرعوا بتدميرها عقب الحرب مباشرة، ووضعوا مكانها مضخات بديلة راحت تضخ المياه اللبنانية إلى المستوطنات الصهيونية في شمال فلسطين المحتلة.

 

كما أن عملية "الليطاني" العسكرية ضد لبنان عام 1978م، وعملية "سلامة الجليل" التي اجتاح العدو فيها لبنان عام 1982م جاءت لإحكام السيطرة على المياه اللبنانية عمومًا وليس نهر الوزاني فقط.

 

وقد كانت مقايضة الصهاينة الطرف العربي على مياهه حاضرة على موائد مفاوضات الصلح منذ "كامب ديفيد" 1978م، وقد توقفت المفاوضات غير المباشرة بين سوريا والكيان الصهيوني في عهد الرئيس "حافظ الأسد" بسبب المطامع الصهيونية في بحيرة "طبرية".

 

وربما يكون حديثًا مللنا تكراره؛ أن نسوق من التنبؤات ونتائج الدراسات وأقوال الخبراء ما يؤكد أن حرب المياه الشاملة مع العدو قادمة لا محالة، فالكيان الصهيوني ودول جواره يعيشون أزمة مياه ستزداد حرقتها في السنوات القليلة المقبلة، والبيانات الصادرة عن مراكز الدراسات العربية والغربية تشير إلى أن "إسرائيل"   ستعاني في السنوات القليلة المقبلة عجزًا في المياه يصل إلى 50%، وفي الأردن يصل إلى أكثر من 20%، وتتزايد النسبة في سوريا بعد أن انخفض نصيبها من مياه الفرات 40%، وتعاني مصر عجزًا يصل- وفق الخبراء- إلى 24 مليار متر مكعب سنويًّا.

 

المسألة لم تكن أبدَا لغزًا مجهولاً لدى الزعماء العرب من قبل- كما تبدو الآن- وإنما كانت واضحة تمامًا للجميع؛ فالرئيس المصري الراحل "السادات" قال قبل توقيعه لاتفاقية "كامب ديفيد" مع "بيجين": "إن المسألة الوحيدة التي قد تزج بمصر إلى الحرب مرة أخرى هي المياه..."، والملك الأردني الراحل "حسين" قال الكلام نفسه: "إن المياه هي القضية التي قد تدفع المنطقة إلى الحرب...".

 

بعد كل ذلك يأتي من ينفي هذا، وتخرج السفيرة "منى عمر"، مساعد وزير الخارجية للشئون الإفريقية والمشاركة في المباحثات مع دول حوض النيل لتقول: "إن وسائل الإعلام قد تلعب دورًا سلبيًّا في هذه المرحلة، مشيرة إلى بعض الكتابات والتحليلات التي تتحدث عن حرب مياه مقبلة"!!.

------------------------

المصادر:

- حروب المياه: د. حسن بكر.

- مشكلة المياه في مصر: حمدي أبو كيلة.

- حرب العطش ضد مصر لكاتب المقال.

-------------------------

* كاتب مصري ومدير تحرير مجلة "المجتمع" الكويتية.

Shaban1212@gmail.com