أُقيمت الدولة الحديثة بعد الاستقلال من الاستعمار العسكري، على أسس علمانية، تتجاهل المرجعية الدينية والحضارية للأمة، فقامت الدولة على هوية مختلفة عن الهوية التاريخية للأمة ولمجتمعاتها، ولم يكن هذا شأن كل محاولات بناء الدولة الحديثة، ففي عهد محمد علي في مصر، بدأت عملية بناء الدولة الحديثة، ولم يكن ذلك على حساب المرجعية الإسلامية، بل كان شكلاً لتحديث الدولة الإسلامية القائمة؛ ولكن تجربة محمد علي أسست من خلال بناء مؤسسات حديثة بجانب المؤسسات التقليدية، والمقصود بها المؤسسات الدينية ومؤسسات التعليم الديني، فبدأت حالة من الازدواجية، ولم يتحقق التحديث من داخل المنظومة الحضارية الإسلامية.
أما في مرحلة جمال عبد الناصر، فقد شهدت مصر شكلاً آخر لبناء الدولة الحديثة، فقد تم بناؤها بمعزل عن المؤسسات التقليدية والدينية والموروثة، فتحولت الازدواجية إلى أحادية؛ حيث فازت المؤسسات الحديثة ذات المنشأ العلماني بالهيمنة على الدولة وبدور القيادة، وتمت تنحية المؤسسات التقليدية والدينية والموروثة، وإن لم يتم القضاء عليها تمامًا، وبدأت مسيرة العلمنة من أعلى؛ حيث يتم علمنة بناء السلطة الحاكمة تدريجيًّا، وإخراج الأبنية التقليدية من مجال السلطة.
فالعلمنة إذن، هي مشروع فُرض من أعلى، وقُدِّر له أن يتوغل تدريجيًّا من أعلى إلى أسفل، وكان التمدد وما زال، من أعلى إلى أسفل، يتم حسب الحاجة والضرورة، ومنذ منتصف القرن العشرين نلمح تراجع دور المؤسسات التاريخية الحاملة لهوية الأمة في المجال السياسي، أي مجال السلطة. فلم يعد التعليم الديني يخرج القيادات العليا، بل جاءت القيادات العليا من التعليم الحديث العلماني. وتراجع دور علماء الدين في الشأن العام، وتم السيطرة على مؤسسة الأزهر، حتى تصبح خاضعة لنفوذ السلطة الحاكمة.
وتشكلت في مصر والعديد من الدول العربية والإسلامية ازدواجية من نوع آخر، فهي ازدواجية بين الدولة والمجتمع؛ حيث تنتمي الدولة لمفاهيم الحداثة العلمانية، وينتمي المجتمع للمفاهيم الحضارية الموروثة، وأصبحت الدولة العلمانية تحكم مجتمعًا غير علماني، وبدأت مشكلة تلك الازدواجية تظهر أحيانًا وتتراجع أحيانًا أخرى، واختلفت العلاقة بين الدولة والمجتمع، من بلد إلى آخر؛ ففي تركيا مثلاً، قامت الدولة التركية بعملية واسعة لعلمنة المجتمع، حتى أصبح المجتمع علمانيًّا قصرًا، بقوة هيمنة الجيش على الدولة والمجتمع، ولكن في مصر لم يكن من الممكن اتباع تلك العلمانية الطاغية، فتمددت السلطة على مؤسسات المجال العام تدريجيًّا، لتخرجها من أي هوية حضارية دينية، وتدخلها في هوية علمانية.
التقارب المؤقت
تحت ظل المشروع القومي العربي، حدث التقارب المؤقت بين الدولة والمجتمع، فالقومية العربية مثلت جزءًا من الهوية التاريخية الحضارية للأمة العربية، وكانت سببًا في ارتباط المجتمع بالدولة ومشروعها، دون أن يقف المجتمع موقفًا سلبيًّا من هويته الإسلامية، ولكن الدخول في الهوية القومية العربية أدى إلى تراجع لدور الدين في حياة المجتمع المصري، وغيره من المجتمعات العربية. وكأن العروبة حلَّت مؤقتًا محل الهوية العربية الإسلامية الجامعة، وسرعان ما تنتهي تلك الحالة، بسبب فشل الوحدة العربية، وفشل شعارات القومية العربية، وتتسع المسافة بين الدولة والمجتمع مرة أخرى.
فالدولة لم تستطع تشكيل هويتها بصورة تعبِّر عن الهوية التاريخية للمجتمع، ولم تستطع أن تبني مشروعًا يعبر عن مرجعية المجتمع، وتأكد أن الدولة التي تحمل مشروعًا لا يعبِّر عن الهوية التاريخية الحضارية للمجتمع، لا يمكنها تحويل مشروعها لتيار سائد، وبالتالي لا تبني مشروعًا تحمله الجماهير وتدافع عنه، حتى في لحظات الهزيمة؛ لهذا لم تكن مراحل الاقتراب بين الدولة والمجتمع إلا لحظات مؤقتة، لم تعبر عن حالة اندماج بين الدولة والمجتمع، ولم تعبِّر عن حالة توحد في مرجعية الدولة والمجتمع.
السيطرة على المجال العام
في معظم المراحل التاريخية، سنجد الدولة تحل مشكلة الثنائية بينها وبين المجتمع، من خلال تفردها بالسيطرة على المجال العام، بما فيه من نظام سياسي وقانوني ودستوري، فالدولة كجهاز تدير المجال العام، وتمثل الجهاز المركزي فيه؛ لذا حافظت الدولة على علمنة المجال العام، حتى تكتسب الدولة منه الشرعية، وتكسبها للطبقة المسيطرة عليها، وحتى تتحقق تلك السيطرة كان من الضروري منع تأثير المجتمع على المجال العام؛ بحيث تبقى كل تأثيرات مؤسسات المجتمع في المجال العام، تحت السيطرة المباشرة للدولة، ويبقى للمجتمع مجال حركته الخاص، بعيدًا عن المجال العام، وداخل إطار الحياة الاجتماعية.
فلم تقم الدولة العلمانية إلا بعد هدم قدرات المؤسسات الاجتماعية، حتى لا تتمدد وتؤثر على المجال العام؛ ومن هنا ظهر منهج السيطرة الشاملة، والذي تمثَّل في هيمنة الدولة على مختلف المؤسسات المجتمعية والأهلية التي يمكن أن تقوم بدور مؤثر في المجال العام، حتى يظل دورها محصورًا في المجال الاجتماعي، وتم تعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع في أحيان كثيرة، حتى يتم إبعاد صورة المجتمع عن صورة الدولة، وحتى تبقى الدولة مسيطرة على صورتها العامة، وعلى الهوية العامة؛ فأصبحت هوية الدولة وتوجهاتها، تبتعد عن هوية المجتمع.
والمتابع لموقف الدولة المصرية مثلاً من العمل الأهلي والمجتمعي، يجد هيمنة طاغية للدولة على مختلف المؤسسات ذات الدور العام، ومنها المؤسسات الأهلية؛ في حين أن المتابع للبنية المجتمعية للمجتمع المصري يجد أن المؤسسات الأهلية الخيرية الإسلامية والمسيحية تمثل البنية الأساسية لنظام التكافل الاجتماعي، فعلى المستوى الرسمي تبدو الدولة متحررة من التقاليد الدينية والأحكام الدينية، ولكن على مستوى المجتمع نجد صورة أخرى للمجتمع الشرقي المحافظ المتدين.
اتساع الفجوة
مع مرحلة الإحياء الديني التي بدأت في سبعينيات القرن العشرين، بدأت مرحلة استعادة المجتمعات لهويتها الدينية والحضارية، وهنا بدأت الفجوة تتسع بين الدولة والمجتمع، وثبت أن ما حققته الدولة من نجاح في السيطرة على المجتمع وعلمنة المجال العام لم يكن إلا نجاحًا وقتيًّا، فعادت الدولة إلى المواجهة مع المجتمع مرة أخرى، فتارة تحاول الدولة استخدام حالة الإحياء الديني وتوظيفها لمصلحتها، وتارة تحاربها بكل قوة.
ولكن حركة الإحياء الديني أدت إلى تغيير صورة المجتمعات بدرجة كبيرة، وعادت الملامح الدينية والحضارية لصورة المجتمع، فبدا مرة أخرى مجتمع ديني شرقي محافظ، وهنا أصبح المجتمع على حالة غير حالة الدولة، وأصبحت هوية الدولة تنحصر في المجال السياسي، وهوية المجتمع تزحف في كل المجالات، ولم تستطع الدولة توظيف تلك الحالة أو استخدامها كثيرًا؛ لأنها كانت حالة أصيلة في المجتمع، لا يمكن توظيفها؛ ولكن الدولة أيضًا لم تعد تقدر على التعايش مع تلك الحالة، فعندما يكون المجتمع دينيًّا محافظًا، وتكون الدولة علمانية جزئيًّا أو كليًّا، تفقد شرعية وجودها؛ لذا أصبحت السياسة العامة للدولة، تحاول حصار الحالة الدينية، في المجال الاجتماعي والفردي، وتحاول حصار كل تمدد لها في المجال العام.
وعندما نظرت الدولة إلى الحجاب بوصفه علامة على التيار السياسي الإسلامي، كانت تقصد ضمنًا بأن الحجاب علامة على هوية أخرى، تفقد النظام السياسي القائم شرعيته؛ لأنه ينتمي لهوية مختلفة عن هوية المجتمع، ولكن الدولة لم تستطع وقف زحف حركة الإحياء الديني، فتراجعت أحيانًا أمام تلك الحالة، ثم عادت للهجوم عليها مرة أخرى، وليس الهجوم على النقاب مقصودًا منه النقاب في حد ذاته، ولكنه مدخل لمواجهة حالة تمدد التدين في المجتمع.
استخدام الدولة للدين
حاولت الدولة كثيرًا توظيف الدين لمصلحتها، حدث هذا في مصر في عهد جمال عبد الناصر وأنور السادات، وفي تلك المحاولات كانت الدولة تعتبر الدين جزءًا من هوية المجتمع، وجزءًا من أدوات الدولة، فلم تعتبره مرجعية أعلى من الدولة، بل اعتبرته أداة من أدوات الدولة؛ للتأثير على الجماهير، ولكن هذا الاستخدام ظل محدودًا، فالمرجعية الدينية لها أسس وقواعد، والدولة لم تلزم نفسها بها، فظل استخدامها للدين مكشوفًا للمجتمع، وبدون مصداقية، حتى إن سيطرة الدولة المصرية على الأزهر الشريف، لم تجعل الدولة مسيطرة على المجال الإسلامي، بل أفقدت الأزهر نفسه دوره في المجال الإسلامي، وقدرته على توجيه الحالة الإسلامية، فأصبحت أدوات الدولة لاستخدام الدين، تفقد مصداقيتها، فتفقد الدولة قدرتها على كسب أية شرعية من خلال المرجعية الدينية.
ولكن الدولة العلمانية ظلت تخشى من أن توصف بالعلمانية، وظلت تهتم بصبغ هويتها بأي ملمح إسلامي، عدا الدولة التركية، وبالطبع اختلفت درجة تلك الصبغة من بلد لآخر، فتزايدت في دول عن غيرها، وكأن الدولة تحاول حماية نفسها من أن تبدو خارجة بالكامل عن الهوية الدينية، ولكنها في الوقت نفسه، لم تلزم نفسها بتلك المرجعية؛ من هنا ظهر ضعف الدولة، فهي لا تعبر عن هوية المجتمع، بل تخرج عن تلك الهوية، وبالتالي تواجه خطر اتهام المجتمع لها بالخروج على الدين، مما جعلها دولة أمنية مسيطرة، تخشى من المجتمع، وتحاول السيطرة عليه، وهدم قدرته على الفعل والحركة.
ثم علمنة المجتمع
أدت حالة الإحياء الديني إلى انكشاف الدولة، والتي ظهرت بعيدة عن المرجعية الدينية والحضارية للأمة، وأصبحت الدولة تواجه خطر تمدد الهوية الدينية في المجتمع للحد الذي يسقط النظام السياسي، ويهدم هوية الدولة العلمانية، وأصبح المجتمع يتحرك داخل إطاره منعزلاً عن الدولة وعن المجال السياسي، ولكنه في الوقت نفسه يشكِّل هويته بصورة واضحة ومعلنة، وهنا أصبحت علمنة المجتمع حاجة لتأمين الدولة، ورغم أن علمنة المجتمع قد فشلت في تركيا، رغم أنها فرضت بالحديد والنار، إلا أن الطبقة الحاكمة للدولة في مصر وتونس وغيرها من الدول، أصبحت تتجه نحو علمنة المجتمع، فقد ظهرت إشكالية الدولة العلمانية الحديثة جلية، فهي دولة تعيش في مجتمع يخالف هويتها، وبالتالي أصبح من الصعب تأمين وجود الدولة بهذه الحالة، وتأمين وجود الطبقة الحاكمة لها، ومع فشل استخدام الدين في معظم الدول، وعدم قدرة العديد من الدول على تبني الدين كهوية أساسية كليًَّا أو جزئيًّا، أصبحت الدول الأكثر علمانية في معركة مباشرة مع المجتمع الذي تحكمه، والذي يرفض بكل إصرار التخلي عن هويته.
ولم يعد أمام العديد من الدول، ومنها الدولة المصرية، إلا الدخول في حرب مع المجتمع، ومحاولة دفعه إلى العلمنة، وتشويه صورة الدين، أو صورة التدين، حتى يتم علمنة أجزاء من المجتمع. وكأن عملية العلمنة تتمدد من المجال العام إلى المجال الاجتماعي، حتى تقيم أسوارًا حامية لعلمنة الدولة من حالة التدين الاجتماعي؛ فكلما زادت مساحات العلمنة في المجتمع تكونت مساحات في المجتمع تحمي علمنة الدولة، وتحد من تأثير المجتمع على المجال العام، فلقد أصبحت هوية المجتمع خطرًا على الدولة، كما أن هوية الدولة العلمانية خطر على المجتمع.
إضعاف المجتمع
لقد عانت المجتمعات العربية والإسلامية من العديد من الضربات التي وجهتها الدولة الحديثة العلمانية لها، لتضعف المجتمعات وتسيطر عليها، وأدت تلك العملية إلى فقدان المجتمعات لهويتها أحيانًَا أو في مراحل محددة، وأدت أيضًا إلى ضعف المجتمعات وعدم قدرتها على مواجهة التحديات الحياتية، وأيضًا مواجهة الأزمات الاجتماعية، وقد ضعفت المجتمعات لحد يمنعها من الحفاظ على وحدتها ومواجهة ما تمر به من فتن أو حروب أو احتقان داخلي؛ ولكن كل هذا لم يغير من الهوية التاريخية للأمة، وظلت قادرة على إعادة إنتاج هويتها من جديد، وتأكد أن حالة الإحياء الديني، ليست حالة تحدث وتمر، كما يحدث في بعض المجتمعات الأخرى، بل هي عملية مستمرة لاستعادة الهوية التاريخية الحضارية للأمة الإسلامية، وتزداد مع مرور الوقت، وهنا بدأت المشكلة الأخطر في تاريخ تجربة الدولة الحديثة العلمانية، فهي تواجه زحف الهوية الإسلامية في المجتمع، والتي سوف تزحف على الدولة في نهاية الأمر.
لقد وصل مشروع الدولة العلمانية إلى المعركة الأهم في تاريخه، وهي معركة مواجهة المجتمع، والعمل على تغيير هويته، ومحاربة هويته الأصلية، وتلك المعركة إذا نجحت فيها الدولة فسوف تدمر المجتمع، وإذا انتصر المجتمع فسوف يغير هوية الدولة، ولا نقول يهدمها، فالمجتمع يحتاج للدولة، ولكن يريد أن تكون معبرة عن هويته، ولكن الدولة ولأنها تحمل هوية غريبة على المجتمع، فهي لا تعمل من أجل الحفاظ على المجتمع، بل تعمل من أجل الحفاظ على نفسها؛ فإما تبقى الدولة ويدمر المجتمع، أو ينهض المجتمع، وتتغير هوية الدولة.