حذَّرت الجهات الأمنية الصهيونية منذ بضعة أيام، أبريل 2010م، مواطنيها من الذهاب إلى سيناء؛ وحثت الموجدين منهم هناك على العودة فورًا، وعللت ذلك بأن لديها معلومات تفيد بأن هناك مخاطر على حياتهم.

*****

انتهى الخبر الذي أرغب في التوقف عند أهم دلالاته، وهي أنهم "يهربون حين يخافون".

*****

فرغم أن الصهيونية حركة استعمارية إحلالية حتى النخاع، تخصصها هو قتل البشر والحلول مكانهم والاستيلاء على أراضيهم ومساكنهم ومزارعهم، ورغم أنهم يأتون من كل جحور الأرض إلى فلسطين لاستيطانها وطرد سكانها، ولكنهم عندما يخافون على حياتهم وأمنهم، يرحلون ويهربون كالجرذان.

 

هذا هو مربط الفرس:

لأنه يضعنا أمام مهمة واضحة وبسيطة، وهي أنه علينا أن نبقيهم دائمًا في حالة خوف، وأن نُفقدهم أدنى شعور بالاستقرار، فإن هذا وحده كفيل بمنع قدوم هجرات جديدة إلينا، بل وكفيلٌ بإرغامهم على الهجرة المعاكسة، وكفيلٌ بإدخال الاضطراب على حياتهم الهادئة، وبالتهديد المستمر لوجودهم على أراضينا؛ مما يحول دون اغتصابها بالتقادم، كما أنه يجعل من فاتورة أمنهم، غالية وعالية؛ مما يرهق كيانهم اقتصاديًّا ويرهق ميزانية حلفائهم.

*****

ونظرة سريعة على معدلات الهجرة اليهودية إلى فلسطين، يؤكد أنها كانت دائمًا تتصاعد بعد هزائمنا حين يشعرون بالأمان:

فقبل وعد بلفور وعلى امتداد القرن التاسع عشر بأكمله، لم يتمكنوا من تهجير أكثر من 50 ألف يهودي إلى فلسطين،  ولكن بعد الوعد، وانتصار بريطانيا راعيتهم الأولى حينذاك، وصدور صك الانتداب البريطاني على فلسطين، نجحوا في تهجير نصف مليون يهودي في ربع قرن فقط من 1922م حتى 1947م.

 

وبعد حرب 1948م، واغتصابهم 78% من فلسطين، والتزام القوى الكبرى الثلاثة: أمريكا وبريطانيا وفرنسا بأمن إسرائيل ووجودها، فيما عُرِفَ باسم الإعلان الثلاثي الصادر عام 1950م.

 

نقول بعد ذلك نجح الصهاينة في تهجير حوالي مليون وربع يهودي إلى فلسطين من عام 1949 إلى 1967م، وبعد انتصارهم على الدول العربية مجتمعة في 1967م، وشعورهم الهائل بالتفوق والأمن، قاموا باستقدام ربع مليون يهودي في الفترة من 1968 حتى 1973م.

 

وعلى العكس من ذلك، بعد حرب أكتوبر، تضاءلت الهجرة اليهودية، فلم يأتنا منهم في الفترة من 1974 إلى 1988م أكثر من 285 ألف يهودي، أي أنه بعد انتصارهم في 1967م هجَّروا ربع مليون في خمس سنوات، ولكن بعد هزيمتهم في 1973م، استغرق تهجيرهم لعدد مقارب، 14 سنة، أي حوالي ثلاثة أضعاف المدة.

 

وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وانفراد أمريكا، حليفتهم الكبرى بالعالم، هاجر إلى فلسطين حوالي مليون يهودي في الفترة من 1989 إلى 2000م، ولكن مع انتفاضة الأقصى عام 2000م تراجعت الهجرة إلى فلسطين، وزادت الهجرة المعاكسة، وحدث نفس الشيء عام 2007م بعد حرب لبنان في يوليو 2006م.

 

والآن في عام 2010، ومع الطمأنينة الصهيونية باستتباب الأمن في الضفة الغربية بالتعاون والتنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية، وبالتحالف الدولي الأمريكي الصهيوني ضد غزة وحصارها اقتصاديًّا وتسليحًا.

 

نقول، أدَّى ذلك إلى تجرؤ الصهاينة علينا، فأقدموا على سلسلةٍ من الإجراءات التي ما كان لهم أن يتخذوها لو أن المقاومة مشتعلة، مثل التحرش بالمسجد الأقصى، وهدم منازل المقدسيين، وضم الحرم الإبراهيمي وإصدار القرار 1650 القاضي بترحيل ما يقرب من 70 ألف فلسطيني، وبناء مزيد من المستوطنات في القدس الشرقية، والإعلان الصريح على أنها جزء من عاصمة إسرائيل الموحدة وأنها غير قابلة للتفاوض.

 

ناهيك عن الحرية المطلقة في ضرب قوافل إغاثة في السودان، واعتقال سفن في البحر المتوسط، وضرب الأنفاق على الحدود المصرية الفلسطينية، والتهديد بإعادة سوريا إلى العصر الحجري، واغتيال قيادات المقاومة... إلخ.

 

إنهم يفعلون كل ذلك ويزيد؛ لأنهم لم يعودوا خائفين، بل على العكس تمامًا، هم يدركون ويستغلون إلى أبعد مدى الخوف العربي.

*****

لذا.. فإن أولى خطوات التصدي للصهاينة في كل المراحل، ومهما كانت الظروف، هي الحرص على إبقائهم خائفين على الدوام.

---------------

* Seif_eldawla@hotmail.com