حالة من التوتر والارتباك بل والإفلاس تسود الأروقة الضيقة والمسدودة لما يُسمَّى بلجنة السياسات بالحزب الحاكم، ففي اجتماع المجلس الأعلى للسياسات والمنعقد الخميس 29/4/2010م.
عُرضت التعهدات الخمس للبرنامج الانتخابي للحزب خلال السنوات الخمس القادمة، تعهُدات يراهن مَن عرضها على طيبة الشعب المصري وسماحته، لكنه لم يلتفت إلى أنه شعبٌ عريقٌ يختزن في وعيه وذاكرته التاريخ بكل ما فيه من آلام وآمال، كما يختزن الواقع بكل ما يعانيه من حقائق وأكاذيب، التعهدات الخمس التي طرحها الحاضرون هي مجموعة من الأحلام والأوهام تناسى بها السادة أعضاء اللجنة العليا أنهم وحزبهم حولوا واقع المصريين إلى معاناةٍ يوميةٍ ومتكررة، كما حولوا أحلامهم إلى كوابيس، تعهدات خمسة للنافذين في لجنة السياسات وكأنَّ غيرهم كان يحكم منذ عقود، تعهدات لحل مشكلات البطالة وتحسين الأجور وتطوير الخدمات- الصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي- وتعزيز الديمقراطية ومكافحة الفساد وحقوق الإنسان، وأخيرًا الحفاظ على مصر قويةً آمنةً في محيطها العربي والإفريقي.
من هنا يُطرح الأسئلة الحرجة، ما الجديد لدى الحزب وأماناته المتعددة ليحقق التعهدات السابقة؟! القيادات الحزبية كما هي لَمْ ولَنْ تتغير منذ عقود، لدرجة تحوَّل فيها الحزب إلى مخزن للمسنين وأصحاب المصالح وبقايا الأفكار والتنظيمات التاريخية المتآكلة والمندثرة، والتي تحاول بيأسٍ واضحٍ في استعادة بعض الأدوار أو دوران عجلة التاريخ إلى الخلف، وهو ما يتعارض مع طبيعة الأشياء وسنن التغيير، والشعارات التي رُفعت تعاني السقوط المتكرر وعدم المصداقية بدايةً من الانطلاقة الأولى والثانية مرورًا بـ"الفكر الجديد" و"العبور للمستقبل"، ثم "مصر بتتقدم بينا"، وأخيرًا "من أجلك أنت".
أما الأداء والممارسات فحدث ولا حرج سلاسل متتالية من الإخفاق والفشل، نمط حكم متدنٍ ومتخلف حين تُحكم مصر الحضارة والتاريخ بنمط إدارة اليوم الواحد، وحين تُختزل بتاريخها ورصيدها بل وشعبها العريق في شخصٍ أو شخوص، ويقصى مئات الآلاف من الأكفاء في العلم والسياسة والاقتصاد والإدارة، ولا أدري من أين أطرح مظاهر الفشل؟! من البطالة التي تحوَّلت لقنبلةٍ موقوتةٍ تنتظر وقت الانفجار؟ أم الأجور التي ربما تكفي لعدة أيام وبمستوى غير آدمي؟ أم الصحة التي تراجعت لحالات غير مسبوقة من الأمراض التي تنهش في أجسام المصريين كما ينهش هؤلاء في ثروات الشعب؟ أم التعليم الذي تحوَّل من المدارس إلى البيوت ومراكز الدروس الخصوصية؟ أم مياه الشرب التي لا نملك لتعاطيها إلا دعاء بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء؟- راجع تقارير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء والجهاز المركزي للمحاسبات والمركز القومي للبحوث الاجتماعية-.
أما موضوع الديمقراطية وحقوق الإنسان ومكافحة الفساد فهي من المضحكات المبكيات!، فهؤلاء دون سواهم زوَّروا كل الانتخابات المصرية في المدارس والجامعات، النوادي والنقابات، فضلاً عن انتخابات الشورى والشعب والرئاسة لدرجةٍ أساءت إلى سمعة مصر، أما حقوق الإنسان فقانون الطوارئ خير شاهد، فضلاً عن عدد القتلى تحت وطأة التعذيب في أقسام الشرطة ومقارِّ أمن الدولة ، بل تطور الأمر حين طالب نائب الحزب الوطني نشأت القصاص بضرب المتظاهرين بالرصاص، وأيَّده في ذلك ممثل وزارة الداخلية تحت حجة أن القانون يعطي الشرطة هذا الحق في بعض الحالات- قانون شرعه المحتل الإنجليزي وصار ساريًا في ظلِّ حكم المستبد المصري.
أما مكافحة الفساد فهذا مستحيل في ظل منظومة فساد تديره وتدير به- راجع تقارير منظمة الشفافية الإقليمية والعالمية- أرقام خيالية، تريليونات ومليارات من الأموال المنهوبة في الإسكان والصناديق الخاصة، أما مصر القوية الآمنة فيكفي قراءة الدراسة التي حملت عنوان "غد العرب" المنشورة بدورية "ويسلون" 2010 الصادرة عن "مركز وودرو ويسلون الدولي والتي تؤكد تراجع الدور المصري على المستوى العربي والإقليمي بوصول الرئيس حسني مبارك إلى السلطة في عام 1981م، قائلةً إنه لم يستطع خلال سنوات حكمه الـ29 أن يملأ مكان أسلافه، وإن حكمه كان بداية نهاية التفوق والزعامة المصرية في العالم العربي! هذه بعض الحقائق ردًّا على بعض الأكاذيب.. حفظك الله يا مصر.
----------