بالطبع سأخيِّب ظن أحبابي في الوطن الأم الحبيب "مصر"؛ حيث إنني سأتناول في مقالي هذا نموذجًا أمنيًّا في العاصمة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية.

 

تخرج كعادتك ذات يوم من بيتك متوجهًا إلى عملك أو في زيارة لأحد أصدقائك لتلحظ من بعيد وأنت تقترب من إشارة المرور- التي يحترمها الغالبية العظمى في هذا البلد- لتلاحظ تواجدًا أمنيًّا كبيرًا وملحوظًا لتسارع- كعادتك المخالفة- لسحب حزام الأمان التي لم تكن قد وضعته على كتفك في بداية رحلتك، حتى لا تحصل على مخالفة مرورية تقصم ظهرك، إلا أنك وعند اقترابك من الإشارة تجد مظهرًا حضاريًّا متفوقًا على النفس؛ حيث رجال الأمن العام متكتلين ويمسكون في أيديهم ورقة دعائية إرشادية، ويوزعونها على كافة السيارات للمواطنين والمقيمين والزوار على حد سواء، وكأنك تشاهد مجموعة من الشباب يوزعون دعاية لمستشفى جديد أو افتتاح محل، وكلهم حماس واهتمام، تراه في وجه الجميع وهم يوزعون هذه الأوراق.

 

تحمل الورقة- المكتوبة بثلاثة ألوان الأبيض والأسود والأحمر الدموي- عنوان "أرقام كتبت بالدم في عام 1430هـ"، وتتناول إحصائيات عن الحوادث المرورية وعدد القتلى والمصابين، مؤكدة وجود خسائر اقتصادية وتأثيرات نفسية، وتدعو الجميع للانضمام إلى الحملة الأمنية "سلامتي" للحفاظ على الوطن ومقدراته.

 

ثم تدعو الورقة الإعلانية في صفحتها الثانية لتحقيق أهداف السلامة المرورية من خلال احترام إشارات المرور، وربط حزام الأمان، والتقيد بالسرعات المحددة، والحفاظ على سلامة المشاة، والالتزام بقواعد السير داخل التقاطعات الدائرية، ويأتي التوقيع في نهاية الورقة باسم (البرنامج الشامل للسلامة الأمنية- سلامتي)، وذلك في مرحلته الأولى.

 

يمكنك ببساطة أن تلاحظ اللغة الراقية التي تعاملت بها الحملة من دعوة للانضمام واستخدام كلمات مثل "معنا"، وهي توصل رسالة للتعاون بين كافة الجهات مواطنين ومقيمين وجهات مسئولة.

 

كما تؤكد اهتمام جهاز كالأمن العام بتدشين حملة توعوية لإرشاد الناس باحترام القواعد المرورية بما سيعود بالنفع على الوطن والمواطن سواء بسواء.

 

وفي مشهد آخر بإشارة مرورية أخرى، تجد رجل أمن يرى مواطنًا لم يربط حزام الأمان، ثم لم يقم بنهره، بل أجرى معه حوارًا يسأله عن عدم ربطه للحزام، ويجيب المواطن بأنه لا يحتاج لذلك وهو داخل المدينة والسرعات بين بطيئة ومتوسطة، فيجيبه الشرطي بأن يتجنب تهور البعض ممن سيأتون بسرعة كبيرة ويصطدمون به، فيُصاب من جراء الصدمة القوية؛ فاقتنع المواطن وربط الحزام على الفور، ثم يأتي مواطن آخر ويتجاوز الخط الأبيض المحدد لنهاية مكان توقف السيارات لإتاحة الفرصة للمشاة بالمرور الآمن؛ حيث سيتم تنفيذ برنامج جديد وهو مراقبة الإشارات بالكاميرات وما يطلق عليه (ساهر)، فيبدأ الشرطي بإعادة السيارات للخلف واحدة تلو الأخرى حتى تكون السيارة الأولى خلف الخط في بيان جميل ومؤدب وهادف، ويؤدي للتوعية لا محالة، حتى إذا ما تم إقرار قوانين صارمة للحفاظ على الأمن العام وأرواح الأبرياء تكون القوانين مبنيةً على حملات هادفة أدت لتوعية الناس، وأقامت الحجة عليهم.

 

كما أنه من الجميل أن نجد نموذجًا في بلد عربي يقوم به رجال الأمن للتعاون مع الناس؛ لتوعيتهم وتوصيل رسائل هادفة تؤدي لا محالة للتنمية والتطوير والتغيير والحفاظ على الأمن بصورة راقية، وليس كما يحدث في بلاد أخرى دون توضيح أكثر من ذلك حتى لا نفقد جمال الموضوع!!!

------------

* مستشار وباحث إداري.