انتهت الانتخابات السودانية بما لها وما عليها.. وما يعني مثلي منها هو بقاء استقلال القرار السوداني نظيفًا، بعيدًا عن التبعية للنظام الدولي الجائر، وبقاء منظومة المواقف المبدئية والإستراتيجية المقاومة لمحاولات بيع الوطن بثمن بخس لقوى الاستعمار، والإصرار على أن تظل الأرض والثروة والقرار السوداني وطنيًّا خالصًا في زمنٍ كثرت فيه التجارة بالمواقف وتزايدت فيه مزادات بيع الأوطان، وبات الأنف "الصهيوأمريكي" مدسوسًا في كل صغيرة وكبيرة يحاول تحريكها أينما كان.. والحال في هذا الصدد أغنى من المقال!
كنت أتمنى- مثل كثيرين غيري- أن يحدث تداول للسلطة بين أبناء الوطن السوداني ليقدِّموا نموذجًا يحيي الأمل في النفوس بتقدم بلادنا خطوة على طريق الحرية الحقيقية للشعوب! لكن الحالة السودانية ظلت مليئة بالألغام الموقوتة طوال السنوات الماضية، وبالتحديد منذ مجيء نظام "الإنقاذ" ذي التوجه والوجه الإسلامي للسلطة (30/7/1989م)، إذ قوبل هذا النظام بكل ألوان العداء والحرب.. من كَيْدٍ ومؤامرات وحروب داخلية وخارجية وحصار ووضع في قائمة الإرهاب، والسعي لمحاكة رئيسه أمام محكمة "أوكامبو" للجرائم الدولية.. ولم تضع الحرب أوزارها بعد؛ لأن المطلوب ليس إزالة رأس هذا النظام ولا أرْجُلِه، وإنما المطلوب مسحه نهائيًّا من على وجه البسيطة حتى لا يبقى له اسم ولا رسم؛ والسبب أنه يرفع شعارًا إسلاميًّا!!
أقول: لقد واجه هذا النظام كل ألوان الحرب مثلما واجهت غزة- وما زالت- فقد فرضت الولايات المتحدة ومعها الغرب كله حصارًا اقتصاديًّا أمريكيًّا موجعًا على الشعب السوداني في منتصف تسعينيات القرن الماضي، وقادت تحالفًا عسكريًا علنيًّا ضم دول الجوار السوداني في الشرق والجنوب (إثيوبيا- إريتريا- كينيا- أوغندا)، وكانت رأس الرمح فيه قوات المتمرد "جارانج" الذي تحالف يومها مع المعارضة السودانية الشمالية (حزب الأمة- الحزب الاتحادي)، وهو التحالف الذي تم عقب فرار "الصادق المهدي" من السودان عام 1997م.
وقد شنّ هذا التحالف حربًا طويلةً ضد الوطن السوداني، رافعًا شعار "إنقاذ الوطن"!، وظل السودان يومها يواجه تلك الحرب الظالمة وحيدًا.. فوسط تلك "المعمعة" كانت دول الجوار العربية للسودان إما على خلاف معه، متسقة في مواقفها مع الموقف الأمريكي، أو تتعامل معه بفتور على أحسن الأحوال.
وظلت تلك الحرب سنوات عديدة حتى وضعت أوزارها دون أي نجاح في إسقاط نظام الإنقاذ.. إذًا لم ينفع الحصار والتجويع ولم تنفع الحملة العسكرية؛ فتحرَّك المشروع الأمريكي للتخندق في الجنوب لدعم المتمردين بكل قوة.
ولا ينكر المراقب للشأن السوداني أن السياسة الأمريكية تمكنت من إعمال مخالبها في قضية الجنوب حتى أصبحت طرفًا رئيسًا ومؤثرًا في المفاوضات التي دارت بين الطرف الحكومي والمتمردين، وإنجاز اتفاق "نيفاشا" للسلام بين الشمال والجنوب 9/1/2005م؛ لكن الولايات المتحدة استدارت واحتضنت قوى الجنوب، وظلت على عدائها مع الدولة السودانية، ولم توفِ بوعودها لا بمساعدات ولا برفع السودان من قوائم الحصار.
فقد أعلنت واشنطن استثناء الجنوب السوداني ومنطقة دارفور من الحظر الاقتصادي والعسكري المفروض على السودان، وظلت تتعامل مع المتمردين في كلتا المنطقتين السودانيتين كدول مستقلة ذات سيادة!! وتسيّر الوفود الرسمية إلى هناك، وتستقبل قادة المتمردين في البيت الأبيض بمعزل عن الحكومة المركزية! إن لم يكن ذلك هو العبث والإفساد في الشئون الداخلية للدول.. فماذا يكون؟! ثم أرادوا أن يحاكموا رئيس الدولة الذي صمد ببلاده أمام كل تلك الحملات والحروب دون أن يفرِّط فيها أو يسلّم ثرواتها أو يفرّط في أرضها ولا عرضها.
أرادوا أن يضعوه في قفص الاتهام الدولي كمجرم حرب حتى يتخلصوا منه بأي ثمن، فأعلن السيد "أوكامبو" توجيه اتهامات لـ"الـبشير" بارتكاب جرائم حرب... يومها تحركت الآلة الإعلامية والسياسية المناوئة لنظام حكم البشير وللنظام السوداني بصفة عامة على وقع قرار مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية، فقد وجدوها فرصة مواتية لتوجيه الضربات لنظام الحكم في السودان؛ سعيًا لانهياره أو زلزلته، وكلٌّ لديه أسبابه ومراميه؛ فالدكتور "حسن الترابي" الشريك السابق للحكم مع البشير ومعارضه الرئيس اليوم؛ أعلن يومها في تصريحات لـ(بي بي سي) تأييده لما ذهب إليه المدعي العام للمحكمة الجنائية، وهي التصريحات التي جاءت منسجمة مع تصريحات قادة التمرد في دارفور الذين لم يكفوا عن مطالبة البشير بتسليم نفسه للمحكمة، معلنين أن المحكمة لو أدانتهم لما توانوا عن تسليم أنفسهم!!
على الجانب الآخر وفي التوقيت نفسه، تحرَّك تيار التطبيع مع الصهاينة وبعض غلاة التيار العلماني لتوجيه سهامهم إلى النظام في السودان عبر منابرهم الإعلامية، مطالبين البشير إما بتسليم نفسه للمحكمة (حتى قبل أن تحكم هيئتها بقبول اتهامات مدعيها العام)، أو اعتزال الحكم وتولية هيئة للسلطة لإدارة البلاد وتحديد مستقبلها. ولم ينسَ ذلك الفريق صب كل المصائب والكوارث التي حلَّت بالسودان على نظام حكمه الحالي كل ذلك.. ثم جاءت الانتخابات وتمنَّى الجميع تحقيق ما لم يتحقق بالحرب والحصار وهو إزالة هذا النظام..!
---------------------
* كاتب مصري ومدير تحرير مجلة "المجتمع" الكويتية.