![]() |
|
د. حلمي محمد القاعود |
أعلم أن كثيرًا من شعبي الطيب الصابر لا يعلم كثيرًا عن شعب القرغيز أو قرغيزستان، ولا يعلم أن القرغيز من التتر، أو الأتراك، في وادي النيل لم يسمع كثير من الناس بشعب القرغيز الذي يشكل أفراده المسلمون أكثر من 80%، والباقي من الروس وغيرهم، ولا يعلم المصريون أن شعبكم يا أهل قرغيزيا، قد قام بثورات سابقة ضد حكامه اللصوص والجلادين والموالين للروس أو الأمريكان.
بيد أن شعب النيل المصري يستغرب أن تكونوا خمسة ملايين ونصف المليون قرغيزي، ثم تثورون، وتغيرون نظام الحكم أكثر من مرة في أقل من عقد من الزمان، بينما شعب النيل يعيش قرابة ثلاثين عامًا، بل ستين عامًا، وهو لم يستطع تغيير مجلس قرية، فضلاً عن مجلس مدينة أو محافظة أو حكومة، إنه يترك الأمور للقدر؛ لأنه مشغولٌ برغيف الخبز وأنبوبة البوتاجاز، وتسديد إتاوة الدروس الخصوصية، والدعاء من رب العباد أن يمنع الحكومة المصرية من تأميم البيوت والمساكن، وتحويل الشعب إلى مستأجرين في ممتلكاتهم باسم الضريبة العقارية.
لقد قمتم يا شعب القرغيز المسلم الشقيق في السادس من أبريل 2010م، بثورة جديدة على غرار ثورة السوسن التي جرت في عام 2005م، وذهب الرجل الموالي لأمريكا عسكر باييف إلى حيث لا عودة.
لقد خرجت الجماهير الجائعة العارية الغاضبة إلى شوارع المدن الكبرى والعاصمة "بيشكيك" تطالب برحيل الرئيس الحالي كرمان باكاييف وتسريح الحكومة، وخرج المعارضون يحملون شعارات الثورة الماضية نفسها ضد رموزها الذين غرقوا في مستنقعات الفساد، وتسببوا في تردي الأوضاع الاقتصادية وتدهور الأوضاع المعيشية.
لو عرفتم الحقيقة يا أهل القرغيز لآمنتم أنكم أحسن حظًّا منا نحن شعب النيل، فدورتكم الدموية تتحرك، ونشاطكم الحيوي لا يتوقف، ولديكم حكومة ومعارضة حقيقيتان، والانتخابات عندكم لا تزور، ومن حسن حظكم أيضًا أن الدولتين الكبريين أمريكا وروسيا تتصارعان للهيمنة عليكم، وأنتم المستفيدون في كل الأحوال، من المعونات، والتسهيلات المالية، وغيرها. صحيح أن السعار الأمريكي اشتد عقب سقوط الاتحاد السوفيتي، وبلغ مداه عقب احتلاله لأفغانستان عام 2001م، بحكم أن بلادكم، محطة مهمة في طريق طائراته ومعداته التي تقهر البلد المسلم الشقيق، مما ترتب عليه إقامة قاعدة جوية أمريكية في "ماتاس" نظير مبالغ هائلة؛ إلا أنكم لم تسكتوا على حكومة عسكر أكاييف، وقمتم بثورة السوسن أو الخزامي (التوليب)، كما قامت جورجيا بالثورة القرمزية أو ثور الورود، وقامت أوكرانيا بالثورة البرتقالية، وكلها مدعومة من أمريكا.
في أرض النيل المصري حكومة أبدية، ومعارضة رسمية مزيفة وتابعة للحكومة، وإن أقسمت أنها مستقلة، وغير تابعة، ويكفي أنها تظاهرت ضد رجل اسمه البرادعي نادى بتغيير الدستور ليرشح نفسه، وتجمع اثنا عشر حزبًا من هذه المعارضة وأعلنوا احتجاجهم على البرادعي تأييدًا للحكومة الأبدية المستبدة، وهم يعلمون مسبقًا أن أحدًا من الشعب المصري لا يعرف أسماء أحزابهم، وهذه الأحزاب تعلم جيدًا أن البرادعي ومن هو أتخن منه لا يستطيع أن يرشح نفسه، وإذا رشح نفسه جدلاً، فإن الأصوات التي ستنتخبه لن تذهب إليه أبدًا، ولن يعرف طريقه إلى النجاح، ولو حصل على مائة في المائة من أصوات الناخبين، لأن الشعب المصري العريق تراضى على هذا الوضع منذ آلاف السنين ونشر مثالاً خالدًا يقول إن من تزوج أمه يجب أن يقول له: يا أبت؟!. ومن سوء حظ الشعب المصري أن الذي تتصارع عليه دولتان فقط لا يمنحانه شيئًا بل يأخذان منه كل شيء دون مقابل، بل يأخذان أكثر مما يتصوران وفقًا لتصريح السفيرة الأمريكية "سكوبي" التي أعلنت عن دهشتها لأن الحكومة المصرية تلبي طلبات الأمريكان بأكثر مما يطلبون!
الدولة الثانية هي الكيان الصهيوني الغاصب الذي يهوِّد القدس العربية المسلمة، ويطرد أبناء فلسطين من بيوتهم وقراهم ومدنهم، ويقتل بلا رحمة كل مَن يشك فيه، أو يلمس منه رغبة في المقاومة، ومع القتل والطرد والاعتقال؛ فإن حكومة مصر الرشيدة تبعث إلى قادة الكيان الصهيوني ببرقية تهنئة حارة في الذكرى الثانية والستين لقتلهم الفلسطينيين، وإقامة كيانهم الغاصب، وعدوانهم المتكرر على البلاد العربية المجاورة، وقتل عشرات الألوف من أبنائها، ومصر في مقدمة البلاد العربية التي اصطلت بنيران اليهود القتلة.
في بلادكم يا أهل قرغيزيا، اقتحمتم السجون فخرج منها المجرمون والخارجون على القانون على النحو الذي انتهجه أبطال "ثورة السوسن" 2005م، وتكررت مشاهد النهب والسلب والدمار والخراب التي سبق وغضت الطرف عنها الدوائر الغربية و"ممثلوها" في عدد من الجمهوريات السوفيتية السابقة ممن سبق ووقفوا وراء تدبير "ثوراتها الملونة" (القرمزية والبرتقالية والسوسن).
والأغرب من هذا أنكم طاردتم البوليس والجيش ورأى العالم أن متظاهريكم العزل من السلاح أرغموا القوات المدججة بالسلاح والرصاص الحي والخوذات الصلبة على الهروب، بل استطعتم بطريقة عجيبة أن تأسروا وزير الداخلية وتلقنوه علقة ساخنة، وتجردوه من ثيابه.
إن الشعب المصري الغلبان يعتب عليكم بسبب هذا العنف الضاري؛ لأنه يرى أن من واجب الشعوب أن تستسلم للحكومات مهما فعلت، أسمعتم عما جرى في ميدان التحرير بالقاهرة، حيث تم ضرب المتظاهرين يوم السادس من أبريل، يوم ثورتكم الجديدة، ضربًا مبرحًا، ثم اعتقال كثير منهم، وظهر نوع جديد من الشرطة اسمه الشرطة النسائية، يضم نساء في قوة الأفيال وشراسة الأسود، وقد قمن بضرب المتظاهرات، وتجريدهن من الثياب، والعبث في أجسادهن على النحو الذي كشفته بعض القنوات التلفزيونية الفضائية.
وزاد الطين بلة، أو جفافًا أن نائبًا من حزب السلطة، طالب علنًا تحت قبة البرلمان المصري بإطلاق النار على المتظاهرين بلا رحمة ولا شفقة، وطالب وزارة الداخلية المصرية بأن تقلل من "حنيتها" أي حنانها، حتى لا يطمع المتظاهرون أو " شوية العيال"، على حدِّ تعبيره، ولم يتحرك البرلمان لهذه الدعوة الفاجرة، أو يغضب من النائب الموالي للحكومة الأبدية التي أتت به عبر الانتخابات النزيهة الشفافة جدًّا!!
في بلادكم يا أهل القرغيز انتشرت الفوضى التي دفعت رئيس الدولة باكاييف إلى أن يلوذ بالفرار إلى موطنه الأصلي في جنوب البلاد بعد أن أصدر أوامره إلى وزير داخليته مولود موسى كونجانيتييف بالسفر إلى تالاس لإخماد الثورة.
وكانت النتيجة على النقيض من المراد حيث وقع في قبضة المتظاهرين الذين أوسعوه ضربًا، وجاءوا به عاريًا منتفخ الوجه من آثار اللكمات والضربات، كما يقول مراسل (الأهرام) في موسكو، ليردد أمام كاميرات الصحفيين ما يمليه عليه المتظاهرون من اعترافات، وها هو وزير داخلية الحكومة المؤقتة يطالب المتظاهرين في تالاس بعدم الإجهاز عليه وتسليمه بوصفه شاهدًا حيًّا على الكثير من الاغتيالات ووقائع الفساد التي ارتكبها الرئيس وأفراد "قبيلته".
إن الثورة كشفت كثيرًا مما خفي من تجاوزات باكاييف ومنها تعديل الدستور ليتواءم مع إمكانية أن يرثه في الحكم ابنه ماكسيم الذي لم يتجاوز عمره الثلاثين عامًا والموجود حاليًّا في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى فتح ملفات الأشقاء الذين سيطروا على البنوك والجهاز المالي للدولة ومنهم شقيقه الأصغر جانيش الذي كان يشغل منصب جهاز أمن الرئاسة.
لقد صارت زعيمة المعارضة في بلادكم يا شعب القرغيز رئيسة مؤقتة، أما نحن أهل مصر فالمعارضة الحقيقية في بلادنا في السجون دائمًا، وتقدم إلى المحاكم الاستثنائية العسكرية، وتجد من كتاب الحكومة وأبواقها تأييدًا وشماتةً وسقوط مروءة.. أليسوا مرتزقة؟
إن الشعب المصري يأسف للقتلى الذين سقطوا في مدن قرغيزيا برصاص الحكومة الفاسدة التي ذهبت مع الريح، وهرب رئيسها إلى كازاخستان، ولكنه يحيي فيكم الدورة الدموية النشطة والحيوية الفائقة.. ويصبر على بلائه حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً، وكما تكونوا يول عليكم.
----------------
