تلك الصورة التي رأيتها على موقع (إخوان أون لاين) كدلالة على خبر عن قضية نظر القضاء لقضية ترشُّح المستقلين لرئاسة الجمهورية، كانت الصورة عبارةً عن كرسيِّ الحكم، موضوعًا على منصة مرتفعة، ومفروشٌ على الكرسي السجادُ الأحمر كعلامة على أبَّهة الحكم، وكان الكرسيُّ موضوعًا عليه علامة استفهام كبيرة، وفي الخلفية علَم مصر غير مرتب وليس به نسره المشهور.

 

موضوع القضية لا نقاش فيه؛ فهو أمام القضاء الذي نكنُّ له كل الاحترام والتقدير، ولكن الإحساس الذي ملأني حين رأيت الصورة وعلامة الاستفهام جالسةً متربعةً على كرسي الحكم؛ فهل هي التي تحكم؟ هل هي التي تسيطر؟ هل هي التي تمارس السلطات؟ والإجابة عن الاستفهام لن تكون سوى علامة استفهام أخرى.

 

والأسئلة التي تدور قبل هذه العلامة كثيرة، ومنها: هل تستحق مصر أن تحكمها علامة استفهام؟ هل نعرف نحن أبناء الأمة من يحكم بالفعل؟ وهل من يحكم بالفعل لديه الشرعية لذلك؟ هل هو مؤهل بالفعل لحكم بلد عظيم كمصر؟ هل هناك فرصٌ لكي تجد مصر أحد أبنائها يخاف عليها ويحبها- والكل يحبها فهي تستحق أن تُعشق- لكي يأخذ بيديها لأول طريق الإصلاح؟ هل أصبح هذا حلمًا بعيد المنال؟!

 

 الصورة غير متاحة

 عاطف الحديدي

جلست أمام هذه العلامات الاستفهامية التي تخيلتها جالسةً أيضًا على الكرسي في الصور السالفة الذكر لكي أجد أن علامة الاستفهام تنظر إليَّ في حسرة، وكأنها تقول لي: ألا تفكر أنت أو غيرك أن تستبدلني؟ تناديني بقول الله تعالى ﴿أَلْيَسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيْدٌ﴾ (هود: من الآية 78)؟، تستصرخ همَّتي، وتستنطق صمتي، وتحاول أن تهز وجداني، وتجوب أنفاق نفسي، معبرةً عن استيائها من دهاليز النفس التي كثرت بفعل الرضا بما نحن فيه وتقول: لا خير فيكم إن لم تفعلوها، علامة الاستفهام تخاطبني كأنها مصر، وكأني ابنها، وعلى الأم في بعض الأوقات أن تؤلم ولدها كي يتعلم ويتغير للأحسن.

 

علامة الاستفهام كبيرة بحجم الوطن، ضخمة تضاهي آلامه وأتراحه، كان ينقص مَن رسَمَ الصورة أن يرسم دموعًا تنهمر من قمة علامة الاستفهام؛ كي يخبرنا بأنها لا ترضى لنفسها أن تكون في هذا الموضع.. كان عليه أن يرسم لها عينين تنضحان بالشوق للتغيير، ونظرةً ترسل سهامًا قاسيةً ومؤلمةً لمن لا يستطيع أن يعي ما هي فيه.

 

الوطن في محنة، والمحنة لا تحتاج إلى صبر فقط، فالصبر وحده يُفقد المحنة معناها الحقيقي ولكنها تحتاج إلى صبر موجَّه نحو عمل دءوب من أجل الاصلاح والتغيير ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّروا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11)، وهذا العمل الدءوب الذي لا يتطلَّب جهدًا فقط؛ فالجهد إن كان بدون دراسة وتحديد الهدف والمستهدف؛ يخرج إلى معنى الهراء.
الجهد المدروس لا يأتي أبدًا من شخص بمفرده، أو من هيئة وحدها، أو من حزب منفرد، فلا أحد يدَّعي أن لديه أدواتِ التغيير والإصلاح كلها، بل لدى كلُّ فرد وكلُّ هيئة وكل حزب جزءٌ يستطيع به إكمال الصورة الأقرب؛ لاستيعاب التغيير القادم.

 

أرجو ألا تكون إجابتنا أو تحركنا مذيَّلاً بعلامة استفهام أخرى.