عندما يُذكر اسم القاضي الجليل الراحل يحيى الرفاعي.. تتداعى إلى الأذهان صورة القضاء في شموخه وعزته، في كرامته وعليائه، في إيمانه بالحق والعدل وإصراره على دحر الظلم.

 

وكان تشييع القضاة ورموز المجتمع المصري، وفي مقدمتهم فضيلة الدكتور محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين إجماعًا على مصاب مصر العظيم في هذا الفقيد الذي أسس مدرسةً عظيمةً في القضاء المصري والعربي هي مدرسة استقلال القضاء، وكافح على مدار تاريخه لإقرار الاستقلال الكامل، ورفض القوانين والقرارات المشبوهة التي حاولت الأنظمة المصرية إقرارها منذ عام 1952م.

 

بداية الكفاح

وُلد يحيى الرفاعي في 23 يناير 1931م بمدينة الإسكندرية، ونشأ وعاش طفولته في حي بولكلي، ودرس القانون في كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية، وتخرَّج فيها عام 1952م، والتحق في نفس العام للعمل بالنيابة العامة، وسرعان ما نبغ بين أقرانه وظهر اعتزازه بالقضاء ورسالته وإدراكه لمعنى استقلاله واهتمامه بالشئون العامة، فانتخبه القضاة عضوًا بمجلس إدارة ناديهم، وشغل منصب سكرتير عام النادي في عهد رئيسه المستشار ممتاز نصار، وبرز دوره في إصدار مجلة القضاة لأول مرة في عام 1968م، ودليل رجال القضاء، وسجل رجال القضاء، ونشر في العدد الأول من المجلة مقالاً عن النادي وأنشطته وما يقدمه من خدمات، واعدًا بالعمل على مضاعفة تلك الخدمات وتنميتها.

 

كما برز دوره في جمعية القضاة التي عقدوها بعد حرب 1967م، فشارك في صياغة بيان مارس الشهير الذي استنكر فيه القضاة الهجوم على القضاء، ومحاولات ضم رجاله إلى التنظيم السياسي، ثم كلفه مجلس الإدارة بالإشراف على طبع البيان وتوزيعه كعدد خاص من مجلة القضاة العدد الثاني.

 

ثم كان أن نشر في العدد الثالث للمجلة وفي ذات العام 1968 مقالاً بعنوان "في البدء كانت محاكم الأخطاط"، انتقد فيها نظام مجالس الصلح في قانون المرافعات الجديد، ونبه إلى أن الفصل في المنازعات يجب أن يتولاه القضاة.

 

وكان لهذا المقال وما يقوم به المستشار الرفاعي من نشاط بارز في الدفاع عن استقلال القضاء، وخدمة قضاته- بالغ الأثر في حياته فيما بعد ففي 31/9/1969م صدر القرار الجمهوري 1603 لسنة 1969 بإعادة تعيين رجال القضاء والنيابة العامة تنفيذًا للقرار بقانون 83 لسنة 1969م بشأن إعادة تشكيل الهيئات القضائية، وكان قاضيًا واحدًا من 91 قاضيًا لم يشملهم إعادة التعيين وفي 31/9/1969م أصدر وزير العدل قرارًا بإحالته إلى المعاش ضمن هؤلاء القضاة.

 

وهنا تجلت شخصية القاضي يحيى الرفاعي فلم يستسلم، ولم يخش بطش ظالم، ولم يفقد ثقته في الله وثقته في القضاء وفي 30/9/1969م أودع صحيفة طلبه بإلغاء القرار، ووقف شامخًا يدافع عن حقه في مواجهة الاستبداد، يقول إن القرار الجمهوري منعدم ويجب إلغاؤه؛ فهل كان الأمر سهلاً هينًا؟.

 

يقول عن نفسه: شاءت المقادير أن أكون واحدًا من قضاة مصر الذين شملتهم قرارات 31/8/1969م، وأن أكون وحدي في البداية المدافع ضد هذه القرارات، وهكذا كتب الله لي كسائر أبناء مصر من جيلي أن أكون دائمًا "عابسًا لا يعرف وجهي الابتسام، مقطبًا لا تعرف أساريري الانبساط.. لا أملك أن أبيح لنفسي أن أخذ الحياة كما يأخذها الناس في سرور ودعة وسماح، كيف لا وقد أخذت على عاتقي دومًا للدفاع عن استقلال القضاء والقضاة في مجتمع يحترم قضاته كل الاحترام ولا تحترمه حكوماته أدنى احترام بل وتتخذ العناد والصرامة والقصوى ونظام الطوارئ سياسة غير رشيدة للسيطرة عليه والعياذ بالله".

 

وأعد المستشار الرفاعي مذكراته في الدعوى، وما أن يسلمها لمكاتب النسخ حتى تصادرها الشرطة، فيعيد كتابتها مرة أخرى، فيشتري رحمه الله آلة كاتبة ويعكف في بيته يكتب مذكرات دفاعه بنفسه.

 

حاول السفر فيمنع، ونزلوه من الطائرة قبل إقلاعها، ثم يدرج اسمه على قوائم الممنوعين من السفر، فحاول العمل بالمحاماة، وما أن يبدأ العمل مع أحد المحامين حتى تسرع السلطة في إرهابه، فيعتذر له مقهورًا، ولا تهبط عزيمته، بل يزداد إصرارًا على استكمال الكفاح حتى النهاية.

 

 الصورة غير متاحة

المستشار يحيى الرفاعي يتصدر غلاف مجلة نادي القضاة

وفي عام 1971م يصدر القانون 85 بجواز إعادة تعيين بعض من سبق عزلهم من رجال القضاء؛ لكن وإن عاد معظم رجال القضاء إلا أنهم لم يعيدوه، مكتفين بوقف معاشه وتعيينه موظفًا بوزارة الاقتصاد.

 

ورفض المستشار الرفاعي هذا السلوك وتلك الإهانة، ويستمر في دعواه، حتى يصدر الحكم بإلغاء القرار الجمهوري السلبي بعزله من القضاء، وفي 21/12/1972م يعود يحيى الرفاعي قاضيًا بمحكمة شمال القاهرة، وتبدأ مرحلة جديدة من ملاحم الكفاح والدفاع عن الاستقلال.

 

عاد يحيى الرفاعي إلى أحضان نادي القضاة، فاهتم بتوفير الخدمات مرة أخرى، إنشاء المصايف ومكتبة نادي القضاة والعمل على دعم مخصصاتهم ومعاشاتهم وتكاليف علاجهم، ومقاومة كل محاولات التمييز بينهم في هذا الشأن، وذلك بإنشاء استراحات رجال القضاء والنيابة العامة لغير المستشارين، وتنفيذ التزام الدولة بنفقات سفرهم من مقار سكانهم إلى مقار عملهم، وتوحيد زيادة بدل الانتقال الثابت المقرر لهم.

 

وفي عام 1979م رشحته الجمعية العامة لمحكمة النقض للتعيين مستشارًا بالمحكمة وصدر، قراران جمهوريان بتعيين المستشارين المرشحين، بيد أنهما لم يشملا المستشار الرفاعي، فهب من جديد يدافع عن استقلال القضاء، فمن اختاره القضاة لا يجوز أن تتخطاه جهة الإدارة، وطعن على قرار التخطي في التعيين أمام محكمة النقض، واستصدر منها حكمًا فريدًا بتعيينه بها تلبية لقرارات جمعيتها العمومية.

 

وشارك القضاة في الاعتراض على "قانون العيب"، وكان له دور بارز في المطالبة بعودة مجلس القضاء الأعلى، حتى كللت الجهود بالنجاح، واستصدر القانون 35 لسنة 1984 بإعادة مجلس القضاء.

 

وشارك في الإعداد لاحتفال النادي بعيد القضاء في 10/10/1978م وعندما عقد مجلس إدارة النادي جلسته التاريخية برئاسة الرئيس الراحل محمد أنور السادات الرئيس الشرفي لنادي القضاة، قال المستشار الرفاعي كلمة في هذا الاجتماع، شرح فيها رسالة النادي ودوره، كما عرض على الرئيس طلب زيادة بدل الانتقال 50%، وإعطاء سيارة لكل قاضٍ معفاة من الضرائب والرسوم الجمركية كل خمس سنوات، وإنشاء فرع النادي على نهر النيل بالجيزة، وصرف بدل تفرغ لرجال القضاء، وتقرير أولوية ونسبة خاصة لهم في المساكن والسيارات، وحصة بمساكن الأوقاف الجديدة، ودعم مكتبة النادي، وقد استجاب الرئيس الراحل لمعظم هذه الطلبات.

 

وأقام العديد من الندوات القانونية الناجحة بنادي القضاة، واقترح واستصدر القانون 7 لسنة 1985م الذي فُرض به رسم خاص لصالح صندوق الخدمات الصحية والاجتماعية الذي تطور دوره فأصبح عماد تقديم الخدمات الصحية لرجال القضاء.

 

وعقد ونظم مؤتمر العدالة الأول في الفترة من 24 حتى 28 أبريل سنة 1986م، وهو المؤتمر الذي حضره السيد الرئيس محمد حسني مبارك، واحتفت به البلاد احتفاءً عظيمًا.

 

وشارك مع صفوة من رجال القضاء في إعداد مشروع لتعديل قانون السلطة القضائية، فناقشته الجمعية العمومية لناديهم بجلستيها المعقودتين في عامي 1990، 1991م.

 

واهتم المستشار الرفاعي بدعم وتنمية ثقافة استقلال القضاء والقضاة، فألفَّ عددًا من الكتب في هذا المجال، كما شارك في إعداد بعض المؤلفات ونشر من خلال مكتبة النادي العديد من المراجع التي صارت ذخيرة الباحث في تأصيل استقلال السلطة القضائية.

 

ومنح جائزة فتحي رضوان لعام 1989م من المنظمة المصرية لحقوق الإنسان تقديرًا لدوره الفذ في حماية وتعزيز حقوق الإنسان في مصر.

 

ومُنح جائزة مصطفى أمين وعلي أمين عن مقالاته عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان بتاريخ 21 فبراير سنة 93، وفي ديسمبر من عام 94 أعاد قيمة الجائزة للراحل مصطفى أمين، وخصصها جائزة لأفضل بحث في ذلك العام في موضوع "الحل المشروع في حالة إهدار الدولة لتنفيذ الأحكام القضائية".

 

قالوا عنه

يقول القاضي ناجي دربالة نائب رئيس محكمة النقض إن القاضي يحيى الرفاعي كان له فضل في إحداث نقلة محورية في دور نادي القضاة، فبعد أن كان ملتقى للسمر والاجتماع أصبح نادينا قلعة من قلائع الحريات وكيانًا فاعلاً في الدفاع عن استقلال القضاة والقضاء.

 

ووصفه المستشار طارق البشري نائب رئيس مجلس الدولة الأسبق بأنه رجل ينوب عن جيله، قائلاً: للفقيد أثناء احتفال به في نادي القضاة في 23 مايو 1991م:
إن تقدمه ومبادرته أبرأت كثيرًا من جيله من فروض الكفاية التي علقت بهم، فلولاه لانشغلت ذمتهم بالكثير من هذه الفروض.

 

وأضاف أنه لم يجد وصفًا له أصدق وأوجز من بيتين من الشعر قالهما أبو الطيب المتنبي:

لتعلم مصر ومن بالعراق           ومن بالعواصم أني الفتى

وأني وفيت وأني أبيت              وأني عتوت على من عتا

وأشهد أمام الله سبحانه وتعالى أنك أبيت وأنك وفيت، وأنك عتوت على من عتا، وأشهد أنك كنت الفتى.

 

وأكدت الكاتبة الكبيرة الدكتورة نعمات أحمد فؤاد أنه على مسيرة رحلة مصر مع الحضارة والعدالة والقيم الرفيعة، عرفت المواقف والرجال أعلامًا ممن كانوا علامات طريق وشموعًا تضئ في حلك الليل، وتقوى على عصف الريح وعصف الأحداث، ثم يبلج الفجر ويتنفس الصبح وتشرق الشمس، ويكتب التاريخ ويسجل أسماء وأسماء منهم القاضي المصري المستشار يحيى الرفاعي صاحب الوقفة المشهودة للارتفاع بالقضاء على التبعية السياسية، وفي الارتفاع بالقضاء على إقحام غير المتخصصين عليه، وفي تنظيم مؤتمر العدالة سنة 1986م بأبعاده كلها، وفي استنكاره عدم تنفيذ الأحكام القضائية استنكارًا معلنًا، مطالبًا بتنفيذ الأحكام القضائية ببطلان انتخابات مجلس الشعب السابق بما وراء ذلك من مؤشرات، وبأمثاله لن تُعقم مصر أبدًا، وسيتصل موكب الأحرار؛ الصف يتبع الصف وتتلاحم الملاحم.

 

وقال القاضي الشيخ عثمان حسين: عرفته سنة 1955 أو 1956 كان شابًّا، لمست فيه من أول يوم أنه يتميز بشخصية مؤمنة وخلق كريم ورواية أصيلة للدفاع عن مصالح زملائه والسعي على استقلال القضاء.

 

وأضاف: لمست فيه منذئذٍ الجد والمروءة وحب الإتقان والحفاظ على الكرامة والنأي عن كل ما يقتضي الاعتذار، وتلك أخلاق ترفع قدر صاحبها وتكسبه ود إخوانه وثقة زملائه، وما لبث يحيى أن شارك الأقدمين من الزملاء أمثال المرحوم المستشار ممتاز نصار العمل الدائب لرفع شأن القضاة واستقلال القضاء، والتصدي من خلال نادي القضاة لقضايا الوطن الكبرى؛ دفاعًا عن الحرية ومحاربة للاستبداد وقيادة لمسيرة المثقفين الشرفاء.

 

وأشار إلى أنه تابع نادي القضاة ويحيى الرفاعي يومئذٍ أمينه العام غداة هزيمة 67 الساحقة النكراء، فلم يجنح إلى السلبية بل يكاد يلقي عصا موسى في وجه فرعون، وألقى بكلمة الحق في وجه الطغاة الذين تسببوا في الهزيمة النكراء، واستنكر محاولات النيل من استقلال القضاء ورأب الفتنة والوقيعة والتجسس، ثم تحدى قرارات المذبحة التي جرت سنة 1969م، فكان جزاء الذين تحدوا الظلم خيرًا، وكان عاقبة الظالمين خسرًا.

 

وذكر القاضي الشيخ عثمان حسين يوم قاد الرفاعي رجال القضاء في مؤتمر العدالة الأول في أبريل 1986م وغضبه الفقيد في ذلك المؤتمر من أجل الشريعة، وحرصه على الوقوف إلى جانبه في صفوف المنادين بتطبيق الشريعة؛ إنقاذًا لكلمة الله، وإعمالاً لنص الدستور وتوحيدًا لمنهج التشريع في مصر.

 

ولفت المستشار حسين إلى جهود الرجل وزملائه في إعداد مشروع تعديل قانون السلطة القضائية الذي أقرته الجمعية العمومية لنادي القضاة في يناير 1991م عملاً على دعم استقلال واستقلال الموازنة القضائية، وكذلك جهوده في إنشاء النادي النهري، وإقامة العديد من الندوات والاستراحات والمصايف لرجال القضاء ومشروعات الإسكان ومشروع مكتبة القاضي.

 

مدرسة قوية

وأوضح المستشار أحمد مكي نائب رئيس محكمة النقض أن دور القاضي كما يفهمه يحيى الرفاعي لا يكون ولا يتم إلا إذا أطمأن الناس كل الناس أن لهم في القضاء أمنع حصن وأعز ملجأ، وأن ليدهم قضاة فوق الخوف وفوق كل ملام، وأن دور نادي القضاة الحقيقي هو الانشغال بهموم أمته والعمل على تحقيق آمالها.

 

وأضاف أن يحيى الرفاعي علامة في تاريخ هذا النادي سار على درب أناس سبقوه على درب ممتاز نصار، وتكريمه تكريمًا لكل شيوخنا، لوجدي عبد الصمد الذي رفض أن يخطر المدعي الاشتراكي بأسماء المرشحين في نادي القضاة، والذي دعا يومًا جمعية عمومية غير عادية للانعقاد لاستصدار قانون السلطة القضائية، ومن قبله جمال المرصفاوي الذي رفض أن تهيمن الشئون الاجتماعية على شئون نادينا، والذي خاطب يومًا رئيس الدولة في سبيل عودة مجلس القضاء الأعلى، ورفيق البسطوسي الذي غضب؛ لأن دائرةً من محكمة النقض عُرض بها، وقبل هؤلاء أيضًا عبد الوهاب أبو سريع توأم شيخنا ممتاز نصار وشقيق كفاحه، والشابان اللذان يفيضان حيوية عثمان حسين وصلاح ذكري، وغير هؤلاء فريد فهمي، وسعد العيسوي، وحسين كامل حنفي، كل هؤلاء حملوا رسالة خالدة نقلوها إلينا من سلف سبقهم: من عبد العزيز باشا فهمي للسنهوري لممتاز نصار وأحمد جنينة، رسالة تقول لنا: إن مجد القضاء يصنع بالإقدام لا بالإحجام.

 

وأشار إلى أن الرفاعي علَّمهم أن الأمر ليس أمر معركة وإنما هو رسالة قضاة، وواجبهم أن يكونوا كما قال: قوة للمستضعفين يؤمنون بأنه لا عدل بغير حرية، ولا استقلال للقضاء بغير ديمقراطية.

 

وأشار المستشار حسام الغرياني نائب رئيس محكمة النقض أن الرفاعي ناظر مدرسة استقلال القضاء، موضحًا أن البعض أطلق على هذه المدرسة مدرسة الرفاعية في البداية تهكمًا واستفزازًا فسعدنا به سعادة غامرة، وجعلناه علامة على كلِّ نشاط قمنا به والحمد لله أننا لم نقم خلال النشاط المدرسي إلا بكل ما يشرفنا ونباهي به الأجيال.

 

وعاهد المستشار الغرياني ناظر المدرسة على أن نعمل بكل ما تعلمناه في مدرسته، وأن نواصل كل ما كافح من أجله، وأن نلجأ إليه في كل ما يحز بنا من أمر، ونطالبه بألا يتخلى عن تلاميذه، فمن واجبه أن يظل دائمًا بجوارنا يمد لنا يد العون، ويوالينا بالنصح والإرشاد.

 

صمود

ووصفه الكاتب الصحفي الكبير مصطفى أمين بأنه أحد قضاة مصر العظام الذي نصروا الحق وهزموا الباطل، ووقفوا أمام التهديد والوعيد، وصمدوا أمام الطغيان والاستبداد.

 

وقال: لقد رأيت هذا الرجل هو يتحول فلا يتخاذل، وتغمد في ظهره الخناجر فلا يسقط على الأرض، ويستطيع هو وعدد من القضاة الشجعان أن يصمد للطغيان، وأن يحمي العدالة من المتآمرين على قديستها، رأيته ينتصر فلا يتيه بالنصر وينهزم فلا ينهار بالخذلان.

 

وأشار إلى أنه في زمن من الأزمان اجتمعت السلطات لتُسقط يحيى الرفاعي في انتخابات رئيس نادي القضاة، وعبَّأت الدولة قواتها لتهزم إرادة المستشارين الأحرار، وإذا بالمستشارين الشجعان يتحدون الجبروت ويصرعون الطغيان وينتخبون القاضي الذي قال للدولة لا.

 

رحلة في أفكاره وطموحاته ومبادئه (*)

رؤية الرفاعي للقضاء في العالم الثالث

يقول المستشار يحيى الرفاعي: حينما وصف السنهوري القضاة بأنهم نخبة من رجال الأمة أشربت نفوسهم احترام القانون، وانغرس في قلوبهم حب العدالة، وأنهم بطبيعة وظيفتهم يؤمنون بمبدأ المشروعية كانت عينُه على رجال يجعلون المنصة قبلتهم، يقصدون إلى الله بإقامة العدل بين الناس، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة هؤلاء" هم حراس الشرف والعرض والمال.

 

الذين يرفعون الظلم ويحمون الضعيف ويصدعون بالحق لا يخشون في الحق لومة لائم هم القضاة أحفاد شريح والعز بن عبد السلام رهبان بالليل وفرسان بالنهار يقيمون في صوامعهم لا تشغلهم الدنيا بمباهجها وزخارفها، هؤلاء هم الذين تحف بهم قلوب الأمة ويشغلون لديها مكانة رفيعة يحسدهم عليها كل أصحاب السلطان ورجال السياسة.

 

ولكن في بلاد العالم الثالث لا يسمح السلطان لرعاياه بمجرد الأمل في وجود إنسان غيره فهو النجم الأوحد والعادل الأوحد والعالم الأوحد، العارف بالسياسة وبالاقتصاد وبالقانون وهواه هو قانون الأمة.

 

من مقاله في البدء كانت محاكم الأخطاط 1968م.

عرضنا فيما تقدَّم لتجاربنا القومية السابقة والمعاصرة وللتجارب المقارنة في تولي غير المتخصصين أعمال القضاء، ويتضح من هذا العرض بجلاء أن تجربتنا القومية أثبتت بما لا يدع مجالاً لشبهة أنه كلَّما حاد المشرع عن الأصلين الأساسيين اللذين استطاع مجلس النظار أن يتعرف عليهما منذ سنة 1880م تنكب طريق الحق والعدل، وكلما استوحت القوانين تجربة غريبة عن البيئة المحلية لفظها المجتمع كما يلفظ الجسم السليم المواد الغربية، وكلما أسندت مهمة البحث عن الحق وإقرار العدل إلى غير القضاة المتخصصين المتفرغين ضاع الحق والعدل جميعًا مع حسن النوايا لتخفف أداة التعرف عليهما وهي العلم والتخصص، وانقلب الأمر مخبثة مع سوء النوايا بإقرار باطل وفرض الظلم.

 

ومن الغريب أن تستند المذكرة الإيضاحية لقانون المرافعات الجديد الصادر عام 1968 في تبرير الأخذ بنظام مجالس الصلح إلى ذات الحجج التي برر بها المشرع أخذه بنظام قضاء العمد والمشايخ عام 1895م ونظام محاكم الأخطاط عام 1912م ومن الغريب أيضًا أن تظل الحجج نفسها هي سند الذين ما زالوا يرون الأخذ بنظام القضاة غير المتخصصين المتفرغين.

 

وفي التجربة الحية من تراثنا خبر برهان يحسم كل جدل ويفصل كل حجة في هذا الشأن، ومن أجل ذلك كله أعلن القضاة حصيلة هذه التجارب في بيان جمعيتهم العمومية المنعقدة بناديهم يوم 28 مارس 1968م حيث قال البيان:

كان من أهم الأصول التي قام عليها قضاؤنا التزام نظام القاضي المتخصص المتفرغ الذي كفلت له الأمة الاستقلال وعدم القابلية للعزل.

 

وإذا كانت الرغبة في التجربة قد منحت في بعض الأحيان سلطة الحكم إلى غير القضاة المتخصصين المتفرغين، فقد أثبتت التجربة فشلها في القديم والحديث في الوقت الذي أثبت فيه قضاتنا أنهم أبناء هذا الشعب من فلاحيه وعماله وجنوده ومثقفيه ومختلف فئاته يعيشون واقعه ويمثلون أحلامه، فيلائمون دومًا بين النصوص الجافة ومفهوم العدالة المتطور.

 

أما التجربة في القانون المقارن فكلها ترجع إلى جذور تاريخية خاصة بمجتمعاتها ولا أصل لها عندنا ثم هي تستند في بعض منها إلى تقاليد عميقة تؤكد إحساس المواطن العادي بمقومات العدل من تجرد وحيدة ونقاء، وهي تقاليد ما زلنا نسعى إلى تعميقها في نفوس مواطنينا، وتستند في بعضها الآخر إلى فلسفة سياسية واجتماعية تذكرها نظمنا السياسية والاجتماعية وتتنافر مع طبيعة شعبنا وبيئتنا بقدر ما تتنافر مع طبيعة العدل ذاته، ذلك أنها تنتهي على ما يدعو إليه؛ لأن البعض من سيطرة التنظيمات السياسية على العمل القضائي.

 

وهو ما ترفضه فلسفتنا التي تحرص على أن يحصل كل مواطن على حقِّه المقدس في العدل.

 

وإذا كان القول بالحاجة إلى استبداد القضاء غير المتخصص فاقدًا سنده النظري وفاقدًا سنده من التجربة القومية والتجربة المقارنة على حدٍّ سواء فإنه قد فقد مع ذلك أيضًا المناخ المناسب حتى لطرحه كموضوع للحوار بعد أن أعلنت الدولة عن عزمها على كفالة حق التقاضي لجميع المواطنين، وحرصها على حصانات وضمانات القضاء وإيمانها بالتخصص وتصميمها على الاستفادة به في أدق الفروق بوصفه من أبرز مقومات الدولة العلمية الحديثة.

 

ولا أحسب أن الإغراق في الجدل قد ذهب إلى حدِّ إنكار العلم على القانون أو القضاء أو باقي العلوم الإنسانية التي تقوم على الفنون كما تقوم على الحساب الدقيق والاستقصاء والتجربة ومن ثم التأصيل والتعقيد ولا تجدي فيها السطحية أو التلقائية.

 

إن القضاء بين الناس لا يقوم على مجرد عاطفة العدل التي تختلج بها النفوس الكريمة وإنما هو علم مثل كل العلوم يحتاج إلى الإحاطة بقواعده وأصوله، كما يحتاج إلى دراسة السوابق والإلمام بالتجارب ثم هو يحتاج إلى العلم بالقانون الذي أصبح علمًا معقدًا شديد التعقيد، كما وأن مجرد الإلمام بعلم القانون ودراسة السوابق والتجارب القضائية لم يعد كافيًا لممارسة القضاء ممارسة تكفل تحقيق العدل على النحو المفروض، بل أصبح الأمر بحاجة فوق ذلك إلى مزيد من التخصص في أدق فروع القانون والقضاء على أساس من مزيد من العلم والتعمق فيه، وهذا هو ما حدا بالدولة إلى الأخذ بنظام تخصص القضاة في قانون السلطة القضائية الصادر عام 1965م.

 

وبعد فهذه كلمة أردت بها مخلصًا وجه بلادي وقضائها وثمة حقيقة فيها لا تغيب هي أنه بمقدار ما هيأت هذه الأمة لقضائها من تخصص وتفرغ ومن حصانات وضمانات وغيرها من أسباب الحيدة والاستقلال ودواعي الطمأنينة والاستقرار، وبمقدار ما بذل هؤلاء القضاة لقاء ذلك من ذوات أنفسهم وما توفر لهم من علم وفن تبوءوا به بين العالمين أعز مكان، وبمقدار ما تمسك هؤلاء القضاة بأمانة الحق فجعلوا منها طريقًا شيدوا عليه تراثًا أصبح من الأمجاد الباقية لهذه الأمة، كما أصبح نبراسًا يترسمه كل لائذ بالحق والعدل، بمقدار كل ذلك جميعًا يكون الحق حقًّا ويكون العدل عدلاً وتكون الدولة دولة القانون.

 

إعادة مجلس القضاء الأعلى

وكتب المستشار الرفاعي مقالاً نُشر بجريدة (الأهرام) في 19/1/1984م عن مشروع قانون إعادة مجلس القضاء الأعلى فقال فيه:

وابتداءً فإن مشروع القانون الجديد يحقق لمصر كسببين كبيرين؛ أولهما: أنه يعيد لها مجلس قضائها الأعلى بتشكيله الخالص من رجال القضاء وحدهم ودون أي دخيل عليهم من رجال الإدارة أو السلطة التنفيذية.

 

وثانيهما: إنه يمد حصانة عدد العزل بغير الطريق التأديبي إلى جميع النيابة العامة بداية من درجة مساعد النيابة.

 

ومن هنا فإن قضاة مصر يرحبون بهذا المشروع ويشكرون للحكومة استجابتها لمطالبهم في هذا الشأن.

 

على أن هذا المشروع وإن كان يحقق وجهين من وجوه استقلال القضاء ويعد خطوة طيبة نحو تحقيق هذا الاستقلال إلا أنه يبدو في مسيس الحاجة لتعديلات أساسية لبعض نصوصه ولإضافات جوهرية تستكمل له غاياته المثلى ومن ذلك ما يلي:

أولاً: جعل المشروع لوزير العدل الكلمة النهائية في اختيار وتعيين رجال النيابة العامة من بين رجال القضاء أو من خارجهم وكذا في اختيار رؤساء المحاكم الابتدائية، في جميع أرجاء الجمهورية، وفي تشكيل إدارة التفتيش القضائي إذا لم يعلق المشروع إصدار القرارات الإدارية الخاصة بهذه الشئون على موافقة مجلس القضاء الأعلى بل اكتفى بمجرد أخذ رأي هذا المجلس فيها مخالفًا بذلك ما جرت عليه جميع قوانين السلطة القضائية منذ سنة 1943م حتى الآن، وهو ما يؤدي إلى استقلال الوزير لا إلا استقلال القضاء بتلك الشئون، ولا مراء في أن هذا الاتجاه يعني سلخ النيابة العامة والتفتيش القضائي من جسم القضاء وإخضاع رجالها ورؤساء جميع المحاكم الابتدائية للسلطة السياسية؛ ما يهز الثقة العامة في القضاء والقضاة.

 

فإذا أضيف إلى ذلك ما هو سائد الآن من تمييز رجال النيابة وخاصة نيابة أمن الدولة ورؤساء المحاكم الابتدائية وأعضاء إدارة التفتيش الابتدائية ببعض المزايا المالية بالمخالفة للمادة 68 من قانون السلطة القضائية فإن هذا الاتجاه إن تقرَّر يكون وبأي مقياس نكسة مدمرة لاستقلال القضاء، ومن هنا فإننا نهيب بالقائمين على متابعة المشروع في المرحلة التشريعية القادمة أن يستبدلوا بكل ما هو وارد في نصوصه من عبارات بعد أخذ رأي المجلس عبارة بعد موافقة المجلس، وأن يضيفوا عليه نصًّا يحظر بتاتًا التمييز المشار إليه حتى لا يكون للقاضي مصلحة في العمل ببعض المواقع، ولا يكون اختياره لها وإبعاده منها منوطًا بمشيئة السلطة التنفيذية بأي حال من الأحوال.

 

ثانيًا: أبقت المشروع على تبعية إدارة التفتيش القضائي لوزير العدل إذا خلا المشروع من النص على إلحاق هذه الإدارة بمجلس القضاء الأعلى في حين أن إدارة التفتيش المماثلة في مجلس الدولة تابعة لهذا المجلس، وفي النيابة الإدارية تابعة لها، وفي إدارة قضايا الحكومة تابعة لها أيضًا، وفي النيابة العامة تابعة للنائب العام، فكان يكون من باب أولى أن تلحق إدارة التفتيش القضائي الخاصة بالقضاة بمجلس القضاء الأعلى ذلك أن استمرار إلحاق هذه الإدارة بديوان وزارة العدل وإخضاعها لوزير العدل يفتح الباب للتقول والتظنن في قراراتها ومسلكها وبواعثها وأهدافها في مواجهة القضاة.

 

ومن هنا يتعين إضافة مادة جديدة للمشروع تُعطي رئيس محكمة النقض وهو رئيس المجلس الاختصاص المنصوص عليه لوزير العدل في المادتين 78- 79 من قانون السلطة القضائية، وفي ذلك ضمان أكيد لتبديد شبهة تحكم السلطة التنفيذية في شئون القضاء من خلال هذه الإدارة.

 

ثالثًا: استبعد المشروع من تشكيل مجلس القضاء الأعلى ما كان منصوصًا عليه في قانون استقلال القضاء رقم 66 لسنة 1943م من أن يكون بين أعضاء المجلس مستشار من كل من محكمة النقض ومحكمة استئناف القاهرة تختاره جمعيتها العمومية، وهو أمر حيوي لتزويد المجلس بأصلح العناصر وأقدرها استعدادًا واهتمامًا للمساهمة في أداء رسالته، ومن هنا يلزم إعادة النص على هذا الأمر في المشروع استيفاء للنقض المشار إليه.

 

رابعًا: أغفل المشروع الحكم الذي تنص عليه حاليًّا المادة 46 من قانون السلطة القضائية، والذي يقضي بإجازة شغل وظائف رجال القضاء المنتدبين كل الوقت إلى غير عملهم القضائي، ومؤدى هذا الإغفال أن يؤثر هذا الندب مستقبلاً بل وبالنسبة للانتدابات القائمة حاليًّا على حساب المتقاضين إذ يؤدي إلى نقص عدد القضاة الجالسين ويمتنع شغل درجاتهم بغيرهم فيضار بذلك العمل القضائي نفسه، ومن ثم يلزم النص في المشروع على قاعدة عامة مؤداها إجازة شغل وظائف رجال القضاء المنتدبين كل الوقت.

 

خامسًا: كذلك فقد أغفل المشروع النص على أن يختص مجلس القضاء الأعلى بإدارة صندوق الخدمات الصحية والاجتماعية لرجال القضاء والنيابة العامة، ومن ثم أبقى المشروع لوزارة العدل الاختصاص بإدارة هذه الخدمات شيوعًا مع باقي الهيئات مع ما في ذلك من تعريض رجال القضاء والنيابة العامة لمخاطر تحكم الوزارة في هذه الشئون وهو ما ليس استقلال القضاة.

 

ومن هنا يلزم النص على هذا الاختصاص لمجلس القضاء الأعلى حتى ينفتح باب أمام المجلس للعمل بصورة فعالة في التخفيف عن القضاة مما يعانونه حاليًّا من المشكلات الصحية والاجتماعية بما يتيح لهم التفرغ لأداء رسالتهم على وجه أفضل.

 

سادسًا: وإذا كان استقلال القضاء بدون موارد مالية وبدون موازنة مستقلة يصبح كما هو معلوم حبرًا على ورق، ولا يتحقق به للقضاء غير مصلحة قد يقال إنها مصلحة نظرية بحتة وكان المشروع قد أغفل تخصيص الموارد المالية لتمكين مجلس القضاء الأعلى من أداء رسالته في النهوض بالقضاء، وإصلاح ما تعانيه المحاكم، وما يكابده القضاة في هذا الشأن، فإنه يجدر النص في المشروع على إضافة فقرة جديدة إلى المادة 29 من قانون السلطة القضائية تقضي بأن تخصص حصيلة الغرامات والمصاريف والرسوم القضائية المشار إليها بالفقرة الأولى إلى الموازنة المستقلة للقضاء، وينبغي النص في المادة الثالثة من المشروع على أن يختص المجلس بإعدادها واعتمادها، وأن تكون له الاختصاصات المخولة لمجلس الهيئات في القانون رقم 80 لسنة 1976م بشأن موازنة الهيئات القضائية، وأن تدرج هذه الموازنة ضمن الموازنة السنوية للدولة رقمًا واحدًا على غرار ما هو مقرر بقانون مجلس الشعب بالنسبة لموازنة السلطة التشريعية، وهو ما يستوجبه استقلال السلطات الثلاث.

 

سابعًا: إذا كانت قوانين الشرطة والقوات المسلحة تنص على أن يكون للسلطة التنفيذية تعديل جداول مرتبات تلك الجهات الإدارية، فإنه ينبغي النص في المشروع على إضافة فقرة جديدة للمادة 68 من قانون السلطة القضائية تنص على أن يكون تعديل جدول المرتبات الملحق بهذا القانون بقرار من مجلس القضاء الأعلى، وفي ذلك ما يحقق للمجلس المرونة اللازمة لمواجهة تطورات التضخم التي تجد في كل عام ويزيل القلق على دخول القضاة ومصير القضاء في البلاد.

 

وبعد فإذا قد أريد أخيرًا والحمد لله تحقيق الاستقرار الكامل للقضاء وهي رغبة لا شك في توافرها لدى القائمين الآن على شئون الحكم في البلاد، فالذي لا شك فيه أيضًا أن الذين طالبوا بإعادة مجلس القضاء الأعلى لم يكن يدور في خلدهم يومًا أن يعني ذلك انتقاصًا في حقوق القضاة وضماناتهم، ولا أن تؤدي إعادة هذا المجلس إلى استقلال وزارة العدل بأي شأن من شئونهم.

 

ومن هنا فإننا على يقين من أن القائمين على هذا المشروع في مراحله التشريعية الوشيكة سوف يحرصون على أن يكون هذا القانون علامةً من علامات الحرية وضمانةً أساسيةً من ضماناتها ومن ثم يعملون على تهذيبه من كل ما يشوب استقلال القضاء، ويبذلون الجهد تلو الجهد لمحاولة الوصول بهذا الاستقرار إلى حدِّ الكمال، فالكل إلى زوال ومصر هي الباقية أبدًا، ولن يصح غير الصحيح بإذن الله.

 

كلمة الرفاعي في مؤتمر العدالة 1986م

السيد رئيس الجمهورية، حضرات السادة الضيوف، حضرات السادة أعضاء المؤتمر
في هذا اللقاء العلمي الكريم، يسرني باسم قضاة مصر أن أحييكم أطيب تحية، وأن أرحب بكم جميعًا في حفلنا هذا الذي يتفضل فيه السيد الرئيس بافتتاح مؤتمرنا الأول لمراجعة نظام التقاضي ومعالجة مشكلات العدالة.

 

السيد الرئيس

في أول خطاب لكم أمام مجلسي الشعب والشورى رفعتم شعار الطهارة رمزًا لعهدكم، واتخذتم من حديث الرسول عليه الصلاة والسلام في المساواة بين الشريف والضعيف أمام القانون والقضاء قدوة لكم.

 

ثم تتابعت مواقفكم الواضحة في تطبيق هذا الشعار تأكيدًا لسيادة القانون وحماية لصرح العدالة.

 

فحرصتم دومًا على الاحتكام للقضاء والنزول على أحكامه.

 

ونبذتم سياسة السعي بين رجال.. استمعتم إلى مطالبهم فأسبغتم حصانة القضاء على رجال النيابة العامة، وهم قضاة التحقيق، وحصنتم منصب النائب العام لأول مرة في تاريخنا الحديث.

 

وأعدتم لمصر مجلس قضائها الأعلى الذي يتكون من القضاة وحدهم، ويستقل بتصريف شئونهم؛ لكي لا تعلق شبهة بقراراتهم ولا يتطرق الظن إلى أحكامهم.

 

وبالأمس القريب رفضتم مشروع قانون يستثنى أفراد إحدى الطوائف من اختصاص المحاكم العادية في البلاد، ويحرمهم بذلك من حماية القضاء الطبيعي وحصاناته وضماناته.

 

وبالأمس القريب كذلك وفي أزمة أحداث الشغب الأخيرة لم يهتز إيمانكم بالحرية والديمقراطية، وأثبتم أن صوت الحكمة يعلو على كل ما عداه إذا رفضتم علنًَا وبإصرار إسناد التحقيق في تلك الأحداث إلى غير النيابة العامة، وحرصتم على أن يكون القانون العادي هو الحكم في أمر من خالف القانون مهما اشتد جرمه.

 

ودلَّ ذلك جميعه على أنكم تحكمون ولا تتحكمون، وأنكم تؤسسون دعائم حكمكم على مبدأ استقلال القضاء وترفعون قواعده على أساس من سيادة القانون بحسبانها الضامن الأول والأخيرة لحريات المواطنين وحرماتهم.

 

واليوم يا سيادة الرئيس عندما يشيد القضاة بهذه المواقف العملية المشرفة على طريق سيادة القانون واستقلال القضاء؛ فإنهم يسجلون لك بذلك مواقف تاريخية ثابتة لا يجاملونك فيها على حساب الحق، فحاشا لله أن يقول واحد من قضاة مصر غير ما يعتقد أنه الحق.

 

ومن هنا يا سيادة الرئيس فإن قضاة مصر يتشوقون إلى أن تستكمل السلطة القضائية في عهدكم بإذن الله ما تبقى من عناصر استقلالها.

 

حتى يكون لمجلسها الأعلى وحده دون غيره أن يتولى جميع شئونها ويضم موازنتها، وأن تدرج هذه الموازنة رقمًا واحدًا ضمن الموازنة السنوية للدولة أسوة بما يجري عليه العمل بالنسبة لموازنة السلطة التشريعية.

 

فهذا هو مقتضى النص في الدستور على استقلال السلطة القضائية، وهو أيضًا ما تنادي به المواثيق والإعلانات العالمية لاستقلال القضاء.

 

السيد الرئيس

في عيد الجهاد الأخير ناديتم بضرورة توسيع دائرة المساهمة الشعبية في مواجهة المشكلات، وطالبتم بأن تنفتح كل الأبواب وأن تتوافر أصلح الأجواء لكل المبادرات الخلاقة من أجل البناء فاستجاب قضاة مصر لهذا النداء، وأعدوا لهذا المؤتمر وتداعوا لهذا المؤتمر النداء وأعدوا إليه ورحبوا بأن يشاركهم فيه كل المعنيين بشئون العدالة.

 

أملاً في أن يكون ذلك بداية موضوعية جادة لجهود متابعة تتعاون فيها جميع الجهات مع وزارة العدل من أجل تحقيق نهضة تشريعية وقضائية تتفق وتاريخنا الحضاري العريق، وإذ يشرف القضاة اليوم، بافتتاحكم لمؤتمرهم هذا، إيمانًا منهم بأن مصر هي قاعدة انطلاقهم، وبأن مصر هي هدفهم وأملهم، فقد أضحى حقًّا لك عليهم أن يبسطوا أمامك أهم ما سيعرض له المؤتمر من موضوعات:

السيد الرئيس

تعلمون أن القضاء في كل أمة، هو أعز مقدساتها، وهو الحصن الحصين الذي يحمي كل مواطن فيها- حاكمًا كان أو محكومًا- من كل حيف يراد به في يومه وفي غده وفي مستقبله، وإذا كان القضاء بهذا مأمن الخائفين وملاذ المظلومين، وسياج الحريات، وحصن الحرمات، فإن قوته تكون من غير شك قوة للمستضعفين، وضعفه يكون إيذانًا بوهن ضمانات المتقاضين إذا لم يقم القضاء على أساس متين من الاستقلال والكفاية والحيدة، وإذا لم يتحصن بالضمانات الكاملة التي تكفل له أن يطلع بمسئولياته الخطيرة، انهار أساس الحياة الديمقراطية في البلاد، فلا غرو أن العدل دومًا أساس للملك وأساس للحكم ومن هنا فقد حق على كل دولة تستهدف إقامة العدل أن تعمل على دعم استقلال القضاء، وتبسيط نظام التقاضي، وتيسير إجراءاته، والقضاء على مشكلاته، حتى تتأكد الثقة لدى المتقاضين وتسود الطمأنينة نفوس المواطنين.

 

وقضاة مصر يا سيادة الرئيس، وإن كان يحق لهم أن يفخروا بأنهم نهضوا وينهضون بأعبائهم على خير وجه، وبأنهم قاموا ويقومون بكل ما توحي به ضمائرهم، من الانقطاع لفرائض العدل، والصبر على مناسكه، متفانين في أداء رسالته مهما أرهقهم العمل وأضناهم الجهد، غير متوانين عن مواصلة البذل ما وسعتهم الطاقة، فإنهم في الوقت ذاته لا يرضون لأنفسهم ولا للناس تحت أي ظرف من الظروف أن يضحوا باعتبارات العدالة في سبيل وفرة تُرجى في الأحكام أو سرعة مطلوبة للفصل في المنازعات.

 

ذلك أنه وفي السنوات الأخيرة ونتيجة لعوامل شتى تكاثرت المشكلات التي تعرقل حسن سير العدالة وتضاعفت بين أيديهم أعداد القضايا والطعون، بما جاوز طاقتهم، حتى إن بعض الطعون التي ترفع اليوم- إذا ظل الحال على ما هو عليه- قد لا يفصل قبل عشر سنوات وليس أضر بالمعاملات بين الأفراد ولا أدعى إلى وقوع الخلل والاضطراب من أن يتراخى حكم القانون إلى هذا العدد من السنين.

 

وإذا كان التعدد في التشريع وقصوره، وتنافره وغموضه، يأتي في مقدمة أسباب عرقلة حسن سير العدالة وأكثرها عمقًا وأشدها تشعبًا وتعقيدًا فإن ما واكب ذلك من تعدد في جهات التحقيق، وتعدد آخر في جهات القضاء، وتعدد ثالث في إجراءات ومواعيد رفع الدعاوى والطعون، كل ذلك مما شقي به القضاة والمتقاضون وعميت بسببه مسالك الحق والقانون، غدا بدوره من أسباب تناقض الأحكام وتهديد الثقة في معنى العدل وجدوى القانون، حتى بات مطلبًا قوميًّا ملحًا أن نجد طريقًا عاجلاً لتوحيد التشريع وتوحيد القضاء، فيكون ذلك مدخل صدق؛ لمعالجة كل المشكلات، التي تعترض تحقيق العدالة وهي غاية الغايات.

 

وإسهامًا من قضاة مصر، في تحقيق هذا المطلب القومي، قسمت أمانة المؤتمر نشاطه إلى خمس لجان تختص كل منها بدراسة أحد موضوعاته الرئيسية: وهي التشريع والنظام القضائي، وإجراءات التقاضي، وشئون القضاة، وأعوان القضاء.

 

فأما اللجنة الأولى، فتختص بكل ما يتصل بالتشريع، سواء من حيث السياسة التشريعية وفلسفتها وأهدافها أو من حيث طرق ضبط صياغة التشريعات وضمان شرعيتها، وعدم تعددها أو تناقضها، وسبل معالجة التضخم التشريعي القائم في البلاد.

 

وأما اللجنة الثانية، فتختص بدراسة النظام القضائي من حيث فاعلية هيكله الحالي، وطرق توحيد كلمة القضاء ومعنى العدل وضماناته لجميع المواطنين.

 

على السواء كما تختص بدراسة سبل القضاء على ظاهرة المحاكم الاستثنائية، والمحاكم الخاصة، احترامًا لمبدأ المساواة بين المواطنين أمام القضاء والقانون.

 

وأما اللجنة الثالثة، فتختص بمناقشة إجراءات التقاضي، بهدف توحيدها واختصارها، والقضاء على جميع المعوقات التي تشوبها، حتى يصبح حق التقاضي سهلاً ميسورًا، في مقدور المواطن العادي وإدراكه، كما تختص بدراسة نظام تنفيذ الأحكام، تأكيدًا لفاعليتها، وضمانًا لوصول الحقوق إلى أصحابها.

 

وأما اللجنة الرابعة، فقد خصصت لمناقشة شئون القضاة، وشروط تعيينهم وتأهيلهم وقواعد نقلهم وندبهم، وتوفير جميع السبل الفنية والمادية، لتيسير أدائهم لرسالتهم على أكمل وجه.

 

وأما اللجنة الخامسة، فقد خصصت لدراسة كل ما يتعلق بأعوان القضاء، من الخبراء بجميع تخصصاتهم، وسائر موظفي المحاكم والنيابات، وضمانات حسن أدائهم لواجباتهم.

 

ومن المأمول بإذن الله، أن يسفر الحوار الجاد المخلص في هذه اللجان، عن الاقتراحات والتصريحات التي تضعنا على أول طريق النهضة التشريعية والقضائية المرتقبة بما تقتضيه من إنهاء كل ما بقي من أوضاع استثنائية وصولاً إلى الشرعية الكاملة إن شاء الله.

 

هذا بعض ما استهدفه المؤتمر لتحقيقه من آمال، أردت أن أعرض لها في عجالة، مؤكدًا مبلغ أهميتها وبعد أثرها في إزاحة ما يعترض ركب العدالة من عقبات.

 

ومن العدل في هذا المقام أن أقدم الشكر خالصًا لكل من أسهم في الإعداد لهذا المؤتمر، وقدم البحوث والدراسات والعون له من رجال القضاء والمحاماة، وأساتذة القانون والمعنيين بشئون العدالة.

 

وأخص بالذكر السيد المستشار وزير العدل الذي كان لتفهمه وتعاونه أكبر الأثر في انعقاد هذا المؤتمر ونجاحه بإذن الله.

 

السيد الرئيس محمد حسني مبارك، كنَّا نود ألا تمتد حالة الطوارئ فهي لم تمنع أحداث الشغب الأخيرة، وأنت لم تستعملها أبدًا في هذه الظروف والحمد لله، ولو استعملت المادة 74 من الدستور لكان استعمالها أول استعمال صحيح دستوريًّا لكنك لم تستعملها، ولم تجد مبررًا لذلك فتجاوب الشعب معك كنا نود ألا تمتد حالة الطوارئ أما وقد امتدت فقد بقى أن قرار إنهائها سيظل معقودًا إليك بكلمة منك.. نأمل أن تتاح الظروف في أسرع وقت لإنهائها بإذن الله.

 

السيد الرئيس

لقد آل قضاة مصر على أنفسهم، أن يحملوا الأمانة، وأن يرفعوا راية الحقيقة، وأن يمضوا في طريقها، غير مبالين بما يحف بها من مكاره، فذلك قدرهم، وتلك مهمتهم ونبض حياتهم، فهم في أداء رسالتهم، لا يتلمسون إلا الحقيقة وحدها، وهم في أحكامهم لا يقولون في الناس إلا كلمة الحق وحدها، لا تضعفهم رغبة، ولا تثنيهم رهبة.. لأنهم ينشدون العدل، وهو صفة من صفات الله العظمى.

 

السيد الرئيس

عذرًا إن كنت قد أطلت- أو أثقلت- ولكنه شرف الحديث باسم قضاة مصر، وأمانة التحدث إليكم.

 

واسمحوا لي أن أدعوكم للتفضل بافتتاح المؤتمر والتحدث بقلبكم المفتوح دائمًا، إلى قضاة مصر، حماة العدالة على أرضها، فالكل مشوق إلى حديثكم والاستماع إليكم.

 

وفقك الله وأعز بك الحق والعدل، وحقق لك ما تصبو إليه نفسك من عزة لمصر ولأبناء مصر.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

---------------

* مجلة نادي القضاة عدد ديسمبر 2007م - يناير 2008م- ذو القعدة 1428هـ