الصورة غير متاحة

 د. مصطفى هيكل

تراوحت الحياة السياسية في مصر بين الليبرالية في العهد الملكي إلى الاشتراكية والثورية في العهد الناصري إلى الاشتراكية الديمقراطية وتعدد المنابر أو قل إن شئت اصطناع نموذج تعددي على هوى السلطة، مصحوبًا بانفتاح استهلاكي في عهد الرئيس السادات إلى نموذج آخر في عهد الرئيس مبارك يدعي الديمقراطية، ويتسلح بآلة تزوير رهيبة لكل الانتخابات والاستفتاءات، مصحوبًا بسلطة قانون طوارئ لا تنتهي, وعلى الجانب الاقتصادي نجد هيمنة كاملة للقطاع الخاص، مصحوبًا بخصخصة معظم شركات القطاع العام, واجتماعيًّا نلاحظ ذوبان كامل للطبقة الوسطى التي كانت لسنوات طويلة تمثِّل عماد المجتمع لحساب طبقة من الأثرياء مع زيادة نسبة الفقر في المجتمع إلى 40% من بينهم 18% تحت خط الفقر.

 

وما بين أشواق التغيير والتطلع إلى مستقبل أفضل يحدث حراكًا سياسيًّا في العام 2005م ولكنه يفتقد إلى الرؤية الكاملة والإستراتيجية المستقبلية للتحرك المتدرج، كما يرى المستشار طارق البشري في إحدى مقالاته, فيتم إجهاضه من قبل الدولة التي تمتلك أدوات أمنية رهيبة سخَّرت لها كل الإمكانيات المادية والبشرية, ولكن سرعان ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، ويحدث حراكًا مجتمعيًّا آخر أكثر نضجًا وأكثر وعيًا يتمثل في حركات احتجاجية متعددة ومنظمه يقودها نخبة من الشرفاء في هذا المجتمع مثل حركة "لا للتوريث" و"لا لبيع مصر" "وحركات الدفاع عن أموال التأمينات والمعاشات" ويأتي قدوم الدكتور محمد البرادعي إلى مصر، وإنشاء الجمعية الوطينة للتغيير تتويجًا لهذا الحراك السياسي وإنضاجًا له؛ حيث إنها تبنَّت الكثير من المطالب التي طالما طالبت بها كل القوى الوطنية, بل إنها ضمَّت بين أعضائها فصائل هامة وحيوية في المجتمع المصري مثل جماعة الإخوان المسلمين، وحركة كفاية، وحركة الكرامة, كما أنها ضمَّت نخبًا من رموز المجتمع الشرفاء ومنهم علماء كانت لهم إسهامات ضخمة في مجالات العمل العلمي والاجتماعي، ولا يشك أحد في مدى إخلاصهم لوطنهم.

 

ومع أنهم يمثِّلون اتجاهات وتيارات سياسية مختلفة إلا أنهم اتفقوا على ضرورة إنقاذ البلاد من الحالة المتردية التي وصلت إليها سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا من خلال حزمةٍ من المطالب التي لا شك أنه لا يوجد مصري واحد يختلف عليها, إلا إذا كان صاحب مصلحة في بقاء الحال كما هو علية الآن, والكلُّ يعرف من هم هؤلاء المستفيدين من الأوضاع الحاليَّة سواء كان من رجال السلطة أو أصحاب النفوذ أو من التنفيذيين أو من بعض رجال الأمن الذين باعوا ضمائرهم إرضاءً لرؤسائهم أو لمغانم دنيوية يحصلون عليها لذواتهم.

 

نعود مرةً أخرى للرؤية التي اتفقت عليها القوى الوطنية جميعًا والمتمثلة في جماعة الإخوان المسلمين، والجمعية الوطنية للتغيير، وحركة كفاية، وحركة الكرامة، وغيرها من القوى الوطنية، وكذلك ائتلاف الأحزاب الأربعة التي اجتمعت في شهر مارس 2010م وهي:

- ضرورة إجراء تعديل دستوري خاصة للمواد 88.77.76.

- ضرورة وضع ضمانات خاصة بنزاهة الانتخابات العامة على كلِّ المستويات.

- إتاحة الفرصة لكلِّ المواطنين المصريين للإدلاء بأصواتهم وذلك:

* باستخدام بطاقة الرقم القومي.  * والسماح للمصريين بالخارج إلى الإدلاء بأصواتهم عبر السفارات والقنصليات المصرية بالخارج.

- إنهاء حالة الطوارئ, وإلغاء كلِّ القوانين المقيِّدة للحرِّيات والعفو عن سجناء الرأي.

- إطلاق الحرِّيات العامة، وحرِّية إصدار الصحف، وإنشاء الأحزاب مع ضرورة إلغاء لجنة الأحزاب.

 

وما بين الإيمان واليقين بعدالة هذه المطالب وبضرورتها للنهوض بهذا المجتمع الذي لا نبتغي له إلا كل الخير سنسير ويحدونا الأمل بأنه ما ضاع حق وراءه مطالب، ومع أخذنا بكلِّ الأسباب والوسائل السلمية للعمل مع نظام لا يتخذ إلا القهر وعصا الأمن الغليظة سنسير مع ثقتنا بأن النصر مع الصبر، وأن بعد العسر يسرًا، وأننا مع بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال عن مصر إنها: "كنانة الله في أرضه".

والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.