البدوي عبد العظيم البدوي

أحيا الصهاينة في الثاني عشر من هذا الشهر ذكرى مرور 65 عامًا على الهولوكوست المنسوب للنازية، بارتكابها جرائم حرب ومحارق ضد اليهود في الأراضي التي احتلها الألمان أثناء الحرب العالمية الثانية.

 

وبغضِّ النظر عن صحة تلك الهولوكوست من عدمه، والتي يوجد اختلاف كبير بين المؤرخين والمفكرين حول حقيقة وجود ووقوع تلك المجازر، وأنها جرائم من بين تلك الجرائم التي ارتكبت ضد غيرهم، ولم تكن بذات الحجم، وأن تضخيمها ناتج عن سيطرة الصهيونية العالمية على وسائل الإعلام وصناعة الأفلام والقرار السياسي، وبالتالي إنكارها، فإن الأمر المؤكد هو أن هناك جرائم اعترف الألمان بارتكاب النازي لها، كما ارتكب غيرها من الجرائم في حق غيرهم من الشعوب التي اجتاحتها القوات الألمانية أثناء الحرب العالمية الثانية، فاعتذروا وما زالوا يعتذرون، وسيظلون يعتذرون ويكفرون عن تلك الجرائم بكل ما يمكن أن تطلبه منهم الدولة الصهيونية (النازية الجديدة).

 

جرائم ثابتة وجرائم مشكوك فيها

وإذا كان من المعروف مدى ما يقوم به الكيان الصهيوني ومعه الصهيونية العالمية من مجهودات كبيرة للترويج لتلك الاتهامات بجرائم مشكوك في صحتها، ولا زالت محل اختلاف، وبالتالي فهي غير ثابتة؛ لابتزاز العالم بما تعرض له اليهود من مآسٍ على مدار تاريخهم، إلا أن أحدًا من عواصم التأثير في العالم أو المنظمات الدولية لا يجرؤ على إدانة المذابح والجرائم التي ارتكبها الكيان الصهيوني ومن قبله الصهيونية العالمية في حق شعوب ودول عربية.

 

وآخرها العدوان الغاشم على قطاع غزة، والذي مرَّ على ارتكابه أكثر من ألف يوم دون أن يصدر قرار واحد يدين العدوان والمعتدي يعبر عن نزاهة وشرف وإنسانية تلك المنظمات أو الدول التي صمت آذاننا بالحديث عن حقوق الإنسان والجرائم ضد الإنسانية التي لا يجوز ارتكابها ضد المدنيين، وغيرها من المواثيق الدولية التي لا يسمح لنا بالاستفادة منها، ولكن يسمح لنا فقط أن نُعَاقَب ونقَدَم للمحاكمات الدولية تحت بنودها في ازدواجية مقيتة، إن عبرت عن شيء فتعبر عن انهيار تلك المواثيق، وهذه المنظمات الدولية التي لا تتعامل مع الأمم والشعوب والدول على قدم وساق، وعلى رأس تلك المنظمات منظمة الأمم المتحدة نفسها، والتي قامت على أنقاض عصبة الأمم لتحقق السلم والأمن الدوليين؛ بعد أان فشلت عصبة الأمم في تحقيق ذلك فنشبت الحرب العالمية الثانية فما أشبه الليلة بالبارحة.

 

الهولوكوست الجديده

ومن آخر تلك الجرائم الصهيونية القرار الذى صدر عن الجيش الصهيوني بطرد كل من له أصول غزاوية من الضفة الغربية؛ وهو الأمر الذي سيؤدي- حال تنفيذه- إلى تهجير آلاف الفلسطينيين من الضفة المحتلة، وبداية التدشين لمشروعات الوطن البديل التي أعلن عنها عدد من مراكز الدراسات، وتناقلتها وسائل الإعلام والتي تقوم على تهجير وإخلاء الضفة المحتلة من عدد من سكانها، وإيجاد أرض بديلة لهم، ولمن يقرر العودة ممن يتمسكون بحقهم في العودة إلى أراضيهم في فلسطين، ولكن بتوطينهم في أراضي الدول المجاورة (الأردن- ومصر)، أو تصديرهم إلى قطاع غزة المحاصر؛ ليتم ذبحهم مع باقي إخوانهم في الاعتداء الصهيوني، والذي يتم الإعداد والترتيب له منذ فترة ضد القطاع؛ وهو الأمر الذي يعد جريمة كبرى في حق هؤلاء البشر، وليس مجرد "ترانسفير" جديد.

 

ناهيك عن أن التفكير في تلك التقسيمات والترتيبات للأراضي تتبع دولاً أخرى ذات سيادة وفقًا للمواثيق الدولية؛ يعد نذيرًا باندلاع حرب في المنطقة لو لم توافق عليه تلك الدول، ونذيرًا باندلاع ثورات ومشكلات داخلية لو أن أنظمة تلك الدول علمت بتلك المخططات ووافقت عليها؛ لتمرير مصالح ضيقة دون قبول من الشعب صاحب السلطة الحقيقية على الإقليم الذى يكوِّن دولته، وكلها جرائم فوق بعضها بنيت كلها على جريمة أولى وهي زرع الكيان الصهيوني في الأراضي العربية، وتوالت عليها الجرائم الواحدة تلو الأخرى، وتناسى الجميع أن ما بُني على باطل فهو باطل، ومن ثمَّ فإلى زوال محقق.

 

وإذا كان موقف الصهاينة غير مستغرب؛ فإن المستغرب حقيقة هو موقف العالم الحر- كما يطلق على نفسه- والذي يرفع عبارات التحرير والحرية والإخاء والديمقراطية، والذي اعترف- وهذا شأنه- بارتكاب الألمان لجرائم حرب ضد اليهود لم نكن العرب يومًا طرفًا فيها، ولم تجر تلك الجرائم على أراضٍ عربية، ولم يشارك فيها عربي واحد؛ بل كان ولا زال اليهود يعيشون بين ظهرانينا في أمان وسلام في حال يحسدهم عليه الفلسطينيون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فما الجريرة التي ارتكبناها نحن العرب والمسلمون؛ كي يتم زرع هذا الكيان الغاصب في أراضينا تكفيرًا عن جريمة لم نرتكبها؟!.

 

أما الأمر الذي لا يمكن فهمه أو تبريره هو هذا السكوت الرهيب على كل تلك الجرائم المتتالية التي يرتكبها الصهاينة ضد الأراضي العربية والشعوب العربية!!، وما جدوى كل المبادرات التي نطلقها ونتمسك بها كخيار إستراتيجي غير قابل للتفريط فيه، في حين أن الآخر لا يعترف بوجود طرف أمامه ليفاوضه أو يطلب منه السلام، فأي سلام وهو الآن ينعم بالسلام والأمن في ظل وجود سلطة فلسطينية تعمل بمقام الشرطة المرتزقة لدى الاحتلال، وتفعل ما لم تستطع سلطة الاحتلال أن تفعله في كل سنوات احتلالها وسيطرتها على الأراضي المحتلة في القطاع والضفة.

 

وهنا يبرز على السطح ضرورة بل وحتمية العوده لتبني خيارات أخرى في مواجهة هؤلاء النازيين الصهاينة، وعلى رأسها خيار المقاومة بكل أشكاله، وعلى رأسه الكفاح المسلح والذي أقرت به المواثيق الدولية والأديان والأعراف، ومارسته كل دول العالم لتحرير أراضيها.

 

وهنا يبرز السؤال المهم الذي يحتاج إلى مجيب، وهو لماذا نتنازل نحن عن الحق في المقاومة ولم تتحرر بعد أراضينا، بل لا زال العدو طامعًا في ما تحت أرجلنا من أراضٍ؟! فهل من مجيب؟!.