محمد رجب سالم
أصحيحٌ أن مصر الحبيبة تغلق حضنها دون إخوتها، وتصد عنهم، وتقيم جدارًا عازلاً بينها وبين الشقيقة الحبيبة فلسطين عند حدودها مع غزة؟!

لا أكاد أصدق ما أرى وما أسمع، فهي مصر التي لم تغلق حضنها من قبل، فأهلها أصهار الخليل أبي الأنبياء، وهم كذلك أصهار المحمود في الأرض وفي السماء.
- أليست هي التي احتضنت يوسف الصديق، ثم أباه يعقوب وقومه؟!
- أليست هي التي كلَّم الله نبيه موسى بن عمران على أرضها عند جبل الطور في سيناء الحبيبة الحبيسة؟
- أليست هي المذكورة في القرآن المجيد- دون بلاد الدنيا- مع مكة المكرمة، والمدينة المنورة؟!
- أليست هي التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا فتحتم مصر فاتخذوا منها جنداً كثيفًا، فهم خير أجناد الأرض، وإنهم لفي رباط إلى يوم القيامة"؟
ماذا دهاها؟.... ماذا أصابها؟
ما الذي حوَّل حنانها إلى جفاء، ورحمتها إلى قسوة، ووصالها إلى هجران، وعروبتها إلى نكران، وأُخوتها إلى بغض وشنآن؟ أذلك كله حفاظًا على معاهدة ما أنزل الله بها من سلطان، والعدو ينتهك بنودها صباح مساء، غير آسف ولا ندمان؟! تذكرت بأسى وأسف قول الشاعر نزار قباني:
مَن ذا يُصدِّق أن مصر تهوَّدت فمقام سيدنا الحسين يبابُ
ما هذه مصر فإن صلاتها عبرية وإمـامها كذاب
وقلتُ في نفسي: أهكذا تتقطع كل الروابط، وتنحل كل العرى والوشائج؟!
أين رباط القومية العربية، التي طالما حدثونا عنها، مؤكدين أنها رباط مقدس يربط بين الناطقين بالعربية من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر؟! ثم أين رباط الدين الذي يربط بين مصر وفلسطين؟
ثم أين رباط الأُخوة التي توجب النصرة، والتي قال الله تعالى فيها: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة: من الآية 71)، وقال بشأنها سيد الخلق وحبيب الحق صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، وقال كذلك: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه ولا يخذله".
فما بالنا لا نوالي أخًا، ولا ننصر مظلومًا، ولا ننهض بحقوق جوار؟!
إن الإخوة في غزة اليوم بين شقي رحى: أحد شقيها عدو لدود، والآخر شقيق في الأصل أنه ودود، ولكنه الآن يغلق الحدود، ويعلن الصدود.
يا إلهي.. إنه شيءٌ لا يصدقه عقل، ولا يقبله منطق، ولا يستقيم مع المبادئ التي تعارفت عليها الشرائع السماوية والقوانين الوضعية.
إن ما يصدر من مصر الحبيبة الآن لهو أشد من صنيع كفار مكة برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حينما حاصروهم في شِعب بني هاشم.. أجل: أشد؛ لأن الضمير العربي وقتها لم يقبل استمرارية الحصار الظالم، ولا ديمومة الأحبال الملفوفة حول الأعناق.
تقول كتب السيرة.. إن كفار مكة تعاقدوا وتعاهدوا على مقاطعة النبي وأصحابه، وحصارهم حصارًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا فلا ينكحون إليهم ولا ينكحونهم، ولا يبيعونهم شيئًا، ولا يبتاعون منهم، وأجمعوا أمرهم على هذا وكتبوه في صحيفة، ثم علقوها في جوف الكعبة، ولكن هذا الحصار لم ينل من النبي صلى اله عليه وسلم وأصحابه؛ حيث ثبتوا على دينهم، وتشبثوا بعقيدتهم، رغم ما عانوه من الجوع والمسغبة قرابة ثلاث سنين؛ حتى أكلوا ورق الشجر.
ولكن الضمير العربي استيقظ من غفوته، متمثلاً في بعض الأحرار، وأصحاب النخوة، الذين انبروا لإنهاء تلك المقاطعة الظالمة، وفك ذلكم الحصار الجائر.
وكأني أرى من خلف أستار الزمان، ومن وراء حجب الغيب ذلكم العربي الشهم: زهير بن أمية وهو يلج إلى ساحة البيت العتيق، فيطوف بالكعبة المشرفة، ثم يقبل على القوم، فيقول بصوت جهوري يرن في أذن الزمان، وتردد صداه الساحات والأركان: "يا أهل مكة.. أنأكل الطعام، ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يُباع لهم ولا يبتاع منهم؟ والله لا أقعد حتى وتشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة".
وانضمت إلى الصوت الحر أصوات أخرى كهشام بن عمر بن ربيعة، وزمعة بن الأسود، والمطعم بن عدى.
وقرن الأحرار بين القول والعمل، فاندفعوا إلى جوف الكعبة ليمزقوا الصحيفة، غير آبهين بقوى الشر، متمثلة في أبي جهل وأعوانه، فكانت المفاجأة المذهلة... لقد سبقتهم يد هي أشد بطشًا وأشد تنكيلاً... إنها يد جبار الأرض والسماء... لقد سلَّط القوي المتين الأرضةَ على الصحيفة فأكلتها ومحت بنودها الظالمة، ولم تدع فيها إلا اسم الله- تبارك اسمه، وجلَّ شأنه.
أرأيت أخي القارئ الكريم: كيف انحدرنا- نحن العرب والمسلمين- إلى هذا المستوى المتدني، حتى بتنا دون كفار مكة ومشركي العرب؟ لقد صنع الكفار مع نبيهم ما صنعوا، وهم له عدو، أما نحن فنصنع ما نصنع مع شقيقٍ يربطنا به رباط وثيق وحب عميق.
أخذتني الحيرة، واستولتْ عليَّ الدهشة، وتساءلتُ متعجبًا: أحذرًا ممن نقيم الجدار العازل؟ أمن أشقائنا، ونقول: إنها مسألة أمن قومي؟؟
إننا لم نُفكِّر في إقامة هذا الجدار في أعقاب الهزيمة القومية التي مُنيت بها الجيوش العربية في سنة 1948م، واحتل الصهاينة بعدها معظم فلسطين.
ولم نُفكِّر في إقامته عقيب الهزيمة النكراء في سنة 1967م، تلك الهزيمة المرة، التي جللتنا بالعار، وكست وجوه قادتنا بالقار، والتي قال فيها نزار قباني أيضًا:
قد خسـرنا الحـرب، ولا غـــرابـة
فقد دخلنـاها بمنطق الطبـلة والربابـة
وبالعنتريـات التي ما قتلت ذبـــابـة
أنبني الجدار العازل اليوم، فنشارك العدو في قتل أشقائنا في العروبة، وإخوتنا في العقيدة؟.. العدو يقتل بالرصاص، ونحن نغلق منافذ القوت عن الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله ذي البطش والبأس.
أهكذا أصبح العدو صديقًا وفيًّا، والشقيق عدوًا لدودًا؟!
أهكذا أصبح العدو مصدر أمن، وأصبح الشقيق مصدر خطر؟!
يا قادتنا: ما لكم كيف تحكمون؟ أفلا تعقلون!!
إن التنازلات لا تقود إلا إلى المزيد من التنازلات، فالعدو الصهيوني ماضٍ في تنفيذ مخططاته، وتحقيق مؤامراته، وأنتم أداته، فهل ترضون لأنفسكم ذلك؟ وأنتم بذلك تغضبون ربكم، وتعادون شعوبكم.
أجل.. تُغضبون ربكم حين أقمتم بينكم وبين رحمته سبحانه جدارًا، وتغضبون شعوبكم بإقامتكم بينكم وبينها حاجزًا وبنيانًا.
إنه جدار عازل، عليه سخط نازل، فهل يصمد؟
أقول بكل يقين: كلا، والتاريخ خيرُ شاهد، والزمان أصدق برهان، ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21).
وأردد مع الكواكبي، رحمه الله: "هذه صرخة في وادٍ، إن ذهبت اليوم مع الريح، فستذهب غدًا بالأوتاد".
وأُذكِّر بقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾ (الفجر).
إنها سنة الله في الظالمين، وصدق ربنا الجليل القائل في محكم التنزيل: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (26)﴾ (النحل).