دأب المنافقون المضللون على ترويجٍ وهم يوقنون كذبه, مؤداه أن حالة الطوارئ إنما ترسخت حمايةً لأمن مصر في الداخل والخارج, وفي اللغة فإن الطارئ هو الأمر العابر، ويُطلق على كل نازلة أو مصيبة لا تدوم إلا لأيام، وأخصها المآتم, ولقد حضرت ذات يوم نقاشًا بين مدير أحد مستشفيات الطوارئ وأهل مريض طلبوا إكمال علاجه بها، بينما رفض الرجل- مقررًا في حزم- أن اسم المستشفى مستمد من مهمته، وهي مجابهة الحالات العاجلة العابرة فقط.
في البلاد التي تحترم حكوماتها كرامة شعوبها؛ لأنها أتت بكلمة الشعب ولخدمته لا يكون هناك دجل مما نراه ولا باعة للوهم، ولا تستند المناصب إلا عن جدارة واستحقاق, أما في مصر المكنوبة بحكم الطوارئ المؤبدة عدوانًا على الناس واللغة معًا، فإن المؤهل الأهم لشغل بعض المناصب هو انعدام الضمير، وربما صاحبه انعدام الكرامة حتى بالمعنى الإنساني، وبعض هؤلاء عاطلون عن الموهبة، وقد ساقتهم أقدار الزمن الأسود ليتسنموا مقاعد جلس عليها من قبل سادة كرام أعزة, وإنما جيء بهم لأداء مهمة محددة؛ هي ممارسة كل صنوف الدجل والكذب والتضليل, من قبيل أن مصر تحيط بها الأخطار من كل صوب وحدب، وأن الطوارئ هي حصنها الحامي المنيع!
إن هؤلاء الكذابين يعرفون حق المعرفة أن الطوارئ هي الأب الشرعي لا لدفع الخراب، وإنما لجلبه, ونحن لا نحصي- في مقال- كل تداعيات نكبة الطوارئ، وإنما نمرُّ مرورًا عابرًا من باب التذكرة.
بموجب الطوارئ تحوَّلت مصر إلى معتقل كبير حقًّا وصدقًا لا مجازًا, وعطل القانون بل والدستور الذي يقرر حصانة الحرية الشخصية للمواطن، وأنها لا تمس إلا بحكم من قاضيه الطبيعي, وصار المتهم في القضايا السياسية لا يلقي بالاً إلى قرار القضاء الإفراج عنه، بل إنه حتى الشرطي الذي يقتاده لا يلقي بالاً للقرار, وسادت ثقافة العدوان على أحكام القضاء، وأضحت فلسفةً مستقرةً, فالأحكام تُنفذ بشكل انتقائي، فبعض الحكام تركب عند التنفيذ صاروخًا عابرًا، وبعضها يمتطي ظهر سلحفاة، وبعضها يموت كمدًا لطول إهماله, وقد شهدنا قرارات متتالية تصك وتنفذ في يوم أو بعض يوم بحق بعض المغضوب عليهم, بينما صدرت أحكام متتالية بالإفراج عن البعض، فلم يُفرج عنه، وصدرت أحكام بعودة إحدى الصحف للصدور فلم تعد, وكان من جرَّاء شيوع فلسفة البلطجة القانونية أن الدولة تتردى بكل سطوتها وقيمتها إلى مستوى محترفي إهدار القانون، فتقيم إشكالات في أحكام القضاء الإداري أمام محكمة عابدين الجزئية، بينما طلاب السنة الأولى بكليات الحقوق يعلمون أن هذه فضائح قانونية, ويتولى الإشراف على تعطيل القانون نفر من أساتذة القانون وبعض من أمضوا أكثر عمرهم في خدمة العدالة، ثم أبوا إلا أن يختموا حياتهم بإهدار العدالة والقانون وإضاعة هيبتهما.
وتختلف التقارير في أعداد مَن نالتهم بالأسر حالةُ الطوارئ، ولكنهم في الحد الأدنى يقتربون من المائة ألف أسير, وهم أسرى بغير حماية دولية، فأسرى الحرب أفضل منهم حالاً من حيث المعاملة ومن حيث الأمل في إطلاق سراحهم ضمن صفقة تبادل للأسرى, ثم إن من خلفهم دائمًا دولة لا تنام الليل، مطالبةً باستعادتهم وتكريمهم, على خلاف أسرى الطوارئ فإن الواحد منهم ربما أُفرج عنه اليوم وأُعيد غدًا، فقد صارت قرارات الاعتقال ترتبط بمناسبات تعرفها الشرطة، ويعرفها مقدمًا ضحاياها كقرب الترشح لانتخابات برلمانية أو وقوع عدوان على مقدساتنا في فلسطين وما على شاكلته, وبينما يعتبر الأسير في وطنه بطلاً قوميًّا فإن أسرى الطوارئ تطاردهم وأسرهم لعنة الغضب الأمني عليهم، فيُحال بينهم وبين ذويهم من الالتحاق بالوظائف العامة.
ولأن المصائب لا تأتي فرادى فإن عصرًا يُعلن أنه (أزهى عصور الديمقراطية) رأى أن الطوارئ وحدها لا تكفي لبث الذعر والهلع والإذلال للمواطن, فأنشأ قضاءً عسكريًّا موازيًا للقضاء المدني، تعميمًا للكبت وإهدارًا للدستور, والآن صار من الطبيعي أن تساق سيدة إلى حيث تقف أمام ضابط ليحاكمها محاكمة عسكرية، فالقانون لا يفرِّق في طلب بث الرعب بين رجل وامرأة!
ولو أنك سألت أحدًا من الأفاقين عديمي الموهبة والضمير أليس إنشاء قضاء عسكري موازٍ للقضاء المدني عدوانًا على الدستور؟! لأورد لك ألف حجة عن مصر المستهدفة والمحوطة بالمؤامرات, ولم يستح لو ذكرته بأن المواطن في دولة الصهاينة ليس محكومًا بالحديد والنار، وهي دولة قامت وتحيا في بحرٍ من العداء, ومع هذا لا تهدر كرامة الصهاينة ويطبق القانون على الكافة, ولا نسمع عن تبريرات ساقطة وحجج ممجوجة عن العداء العربي تبريرًا لإهانة المواطن وإهدار كرامته وترويعه، وإطلاق يد الأمن تخرب حياته, بل إن من المخزي أن صوت الناخب العربي من المحيط إلى الخليج لا يُحترم إلا بالكيان الصهيوني!
في ظل الطوارئ صار الأمن هو السيد والحكم, وأصبح الكبت والقهر عنوان المرحلة, بل لقد جاهر وزير الداخلية بأن المكالمات تُسجَّل، وأن من يخشى العواقب عليه أن يمسك لسانه, قال ذلك سعيدًا ضاحكًا.
وفي ظل حكم الطوارئ، وبقدر انكماش الحريات، وضياع الحقوق وإهدار القانون؛ فإن هناك فسادًا فاجرًا متوحشًا سافلاً قبيح الوجه, وصار الناس يسمعون كلامًا مما يقع في حكايات ألف ليلة وليلة عن ملايين تُهدر لإرضاء نزوة عابرة, وبعض ما أنفق على بعض امرأة مغامرة كان يكفي لتوفير مسكن لعشرة آلاف مشرد, ولكنه المال الحرام تعرف ساعة إنفاقه على الشر أنه ما أُوتي إلا من باب شر وسوء.
وفي ظل الطوارئ المؤبدة انهار التعليم, وصار الحرم الجامعي مستباحًا للأمن، وأصبحت تقاريره رعب الأساتذة, وأذكر أن أستاذًا جامعيًّا بإحدى كليات الطب علم بالصدفة خلال حديثي معه أنني أعرف عميد كليته, فراح يلح عليَّ أن أمكنه من لقائه، وخلال إلحاحه، قال جملة كانت غريبة على أذني، فلما استطلعت وجدتها معلومًا بالضرورة في نطاق الحرم الجامعي, قال لي إنه يذهب في انتظار لقاء العميد فلا يقابله بحجة كثرة شواغله، وأنه خلال بعض نوبات الانتظار دخل مساعد شرطة من أمن الدولة دون مرور على السكرتارية، وفي أثره زجاجة المياه الغازية تحيةً للضيف الكريم!
ومن المُسلَّم به أن للأمن القول الفصل في كل أمر ذي أهمية داخل الحرم الجامعي، فلا يُعيَّن لا المعيد ولا العميد إلا بعد الفحص الأمني!
وفي ظل الطوارئ الأبدية تردت الصحة، وصار ثلث مرضى الكبد في العالم مصريين, وراح يُضاف كل عام مائة ألف مريض بالسرطان, ذلك الذي صار بدوره مرضًا متوطنًا، ولعله القرين المرضي لحالة الطوارئ المتوطنة!
وفي ظل الطوارئ تشرد ملايين بغير عمل, وملايين بغير مأوى، وتنامى سكان القبور من الأحياء, وصار لدينا دولة صغيرة من أطفال الشوارع هائمين بلا أهل ولا مأوى, وهم وحدهم قنبلة لو وجدت في أمريكا لما نام رئيسها الليل فرقًا ورعبًا.
وفي ظل الطوارئ تم بيع القطاع العام وشُرِّد عماله, وليس لأحد الحق في أن يسأل بكم بيع هذا والي أين ذهب عائده؟, بينما تدوي في أذني وآذان الملايين صرخات صديقي الكريم المهندس يحيى حسين عن كوارث بيع القطاع العام بأبخس الأثمان، وعلى نحو يثير ألف علامة استفهام.
وفي ظل الطوارئ تبخَّر دور مصر على الصعيد الدولي، وصارت تابعةًَ للإملاءات الصهيونية والأمريكية، وبدت مستسلمةً تمامًا للابتزاز، فمع كل نظرة بعين حمراء أو لفتة إلى الكبت العام والاستبداد يجري دفع الثمن من مستقبل مصر حتى إنها تبيع للعدو الغاز مدعومًا, وصارت مصر لا تنتفض لقتل جنودها على الحدود، ولا لتهديد منابع نهر النيل شريان حياتها، ولا تقسيم السودان, بل مما نشر ولم يجر نفيه أن مصر ساعدت الانفصاليين في جنوب السودان تمامًا، كما نشر الجنرال الأمريكي شوارتسكوف أن مصر حرضت على ضرب العراق، ولم ينفِ أحد ما قاله, وصارت مصر لا تنتفض ولا تستأسد إلا لأمور تافهة وفي مواجهة الأشقاء؛ حيث رد الفعل مضمون لأخطر منه, مثلما تطوع بعض الشتامين بأقذع الألفاظ بحق إخواننا وأهلنا في أرض المليون شهيد, ولم تعد لمصر من أمجاد في ظل حالة الطوارئ إلا أن تفوز في لعبة لا تقدِّم ولا تؤخِّر، فتنطلق الأبواب لتعلن أن مصر اليوم في عيد!! بل راحت مصر بكل تاريخها العظيم تدخل في خصومات مع بعض القنوات الفضائية.
هل لنا أن نسأل أحد.. ماذا يفيد الوطن والمواطن من الطوارئ بعيدًا عن الدجل وتسويق الوهم؟ لا فائدة قطعًا للوطن والمواطن, ولو كانت مصر تحكم حكمًا ديمقراطيًّا ما كنا بحاجة لا إلى جيش من الأمن المركزي، ولا إلى قضاء عسكري، ولا إلى جيش من العسس في كل مكان؛ لأنه حيث يجيء الحاكم بإرادة مواطنيه فإن الثقة تسود بين الطرفين, إذ يكفي استطلاع للرأي العام لترك الحكام مقاعد السلطة, ولعلنا نذكر أن أحد أعظم رجالات القرن العشرين وهو شارل ديجول مضى بغير انتخابات، بل باستطلاع للرأي العام حول أمور طرحها، فلما اعترض أغلبية الناس ترك رئاسة فرنسا, ولم تخرج جيوش فاقدي الشرف والضمير لتقول له (بالروح بالدم سنكمل المشوار!)، ولا قدم له أحد مبايعات بالدم, ولا راح المنتفعون يذكرون الفرنسيين بأفضال ديجول على فرنسا، وقد قاوم الاحتلال الألماني يومًا وحده.
لقد ضاقت الصدور وبلغت القلوب الحناجر، ويخشى كل عاقل أن تندفع البلاد إلى حالةٍ من الفوضى، وساعتها لن تنفع جيوش الأمن ولا جيوش المضللين؛ فهل يفيق الواهمون؟!!
-------------
* رئيس محكمة الاستئناف