الصورة غير متاحة

 البدوي عبد العظيم البدوي

أعادت المشاهد التي تناقلتها وكالات الأنباء العالمية لما تعرَّض له المتظاهرون في الشارع المصري يوم السادس من أبريل فتح ملف الحريات العامة والموقف من حالة الطوارئ المفروضة على البلاد منذ ثلاثين عامًا.

 

ولعل أهم ما يلفت انتباهك وأنت تطالع تلك المشاهد هو أن هناك جيلاً كاملاً وُلد وتربَّى ونشأ في ظل حالة الطوارئ، وخاصةً من رجال الشرطة، والذين ظهروا وهم يجرون ويسحلون المتظاهرين الذين رغبوا في التعبير عن وجهة نظرهم بصورةٍ سلمية، فتجدهم يجرونهم كما يجر الجزار ذبيحته أو كما تجر الخراف أمام كاميرات الإعلام وممثلي منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان الداخلية والدولية دونما اكتراث، في مشهدٍ يعيد إلى الذاكرة حالات اعتداء أفراد الشرطة على رجال القضاء أثناء إشرافهم على سير العملية الانتخابية لمجلس الشعب عامي 2000، 2005م، ولا أدري إن كان أفراد الشرطة هؤلاء يعلمون أن تلك الأفعال تُشكِّل جرائم وانتهاكاتٍ لحقوق الإنسان المصري، وتعدُّ من قِبيل التعذيب وإن ذلك النوع من الجرائم لا يسقط بالتقادم، ومهما طال الزمن وفقًا لأحكام الدستور فإن كانوا لا يعلمون فتلك مصيبة، وإن كانوا يعلمون فالمصيبة أعظم، وفي كل الأحوال تلك مصيبة كبرى؛ نظرًا لأن هذا الجيل من أفراد الشرطة لا يعرف أو حتى يتصور كيفية الحياة في الشارع دون سيف حالة الطوارئ المصلت على أفراد الشعب البسيط.

 

ولا يمكن أن يدَّعي أحدٌ أن تلك الأفعال تتم في حالات التشنج البوليسي وليست سياسة متبعة أو ممنهجة يتبعها أفراد وعناصر الشرطة؛ إذ إن روايات انتهاك حقوق بل آدمية وكرامة المواطن المصري البسيط أكثر من أن تعد.

 

ولقد روى لي شخص ذات مرة أن رجلاً وزوجته وأفراد أسرته كانوا يستقلون سيارةً خاصة وقادهم حظهم العاثر إلى المرور بأحد الأكمنة التي تمتلئ بها القاهرة الكبرى، فما كان من الضابط المسئول عن الكمين إلا أن أمره بالوقوف والنزول من السيارة، فلما امتثل ووقف ونزل من سيارته تعمَّد الضابط أن يصفع الرجل بالقلم على وجهه أمام أعين زوجته وأولاده ليقتل في الرجل كرامته والرجولة أمام زوجته وأولاده والمارة، وحالات انتهاك حقوق المواطن المصري كثيرة وجميعها موثقة، ولا تنم عن أنها حالة فردية، فزملاء هذا الشرطي هم الذين ألقوا بأحد المواطنين من أعلى البناية التي يسكنها، وهم أبطال الفيلم الشهير لعماد الكبير و.. و.. وما خفي كان أعظم.

 

وأعود لأسأل: كيف ستكون نظرة هذا الرجل البسيط الذي أُهين أمام زوجته وأولاده لأفراد الشرطة؟ وكيف سيعلم أبناءه الانتماء؟ وما جدوى شعارات يرفها النظام مثل المواطنة؟ وهل نظرته للمواطنة هي عدم التفريق بين المصريين سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين من لهم انتماءات سياسية أم يمشون بجوار الجدار؟ وما المقصود بالمواطنة؟ والتي قد يفرزها جهاز بوليسي وصل إلى حدِّ كبت الحريات العامة وتزوير للانتخابات والإرادة الجماهير التي هي أعظم سرقةً من سرقة الأموال، والتي في المقابل غضوا الطرف عنها فانتشرت واستقرَّت وترعرعت، وتجارة المخدرات التي ازدهرت وتوسَّع نطاق التجارة فيها.

 

أخيرًا.. فإن تلك الظاهرة تحتاج إلى دراسة من علماء النفس وأساتذة القانون لتحليل تلك الظاهرة، وتحديد سبل العلاج اللازم لها، وليس فقط مجرد علاج ضحايا هذا العنف الممنهج الذي يدل على سياسة واضحة، بل في محاولةٍ لمعرفة العلاج الذي يجب أن يخضع له هؤلاء الجلادون.