ما زلنا ومنذ أكثر من 40 عامًا نسدِّد فاتورة استرداد سيناء وإزالة آثار عدوان 1967م:

* كانت الفاتورة الأولى بعد العدوان مباشرة، عندما قبلنا قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي كان بمثابة أول اعتراف رسمي عربي بحق الكيان الصهيوني في الوجود في حدود ما قبل 5 يونيو.

* وكانت الفاتورة الثانية في 18 يناير 1974م في مفاوضات فض الاشتباك الأول، عندما قبلنا سحب معظم قواتنا التي عبرت في 6 أكتوبر، وإعادتها مرة أخرى إلى غرب القناة مقابل انسحاب القوات الصهيونية التي قامت بثغرة "الدفرسوار" إلى شرق القناة.

* وكانت الفاتورة الثالثة هي قبولنا بدخول مراقبين أمريكيين لأول مرة إلى سيناء، بموجب اتفاقية فض الاشتباك الثاني الموقعة في أول سبتمبر 1975م.

* وكانت الفاتورة الرابعة هي قبولنا بنزع سلاح ثلثي سيناء، بموجب الترتيبات الأمنية الواردة في اتفاقية السلام المصرية "الإسرائيلية" الموقعة 1979م، وقبولنا بوجود قوات أجنبية لمراقبتنا في سيناء، تعرف باسم قوات متعددة الجنسية لا تخضع للأمم المتحدة، 40 % منها قوات أمريكية، وباقي القوات من حلفائها، وتخضع كلها لقيادة مدنية أمريكية.

* وكانت الفاتورة الخامسة هي تنازلنا للعدو الصهيوني عن 78% من فلسطين، بموجب اعترافنا بشرعية دولة "إسرائيل" وحقها في الوجود على أرض فلسطين المغتصبة منذ 1948م.

* وكانت الفاتورة السادسة هي انسحابنا من التحالف العربي المشترك ضد العدو الصهيوني؛ لنتركه يستفرد بباقي الأقطار العربية، ويعيد ترتيب المنطقة كما يريد.

* وكانت الفاتورة السابعة هي خضوعنا الكامل للولايات المتحدة، وإعطاءها 99% من أوراق إدارة الصراع، وإدخالها مصر من أوسع أبوابها، وإعادة صياغة النظام المصري عسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا على مقاس الأجندة الأمريكية.

* وكانت الفاتورة الثامنة هي الدور المصري في الضغط على منظمة التحرير الفلسطينية؛ لإجبارها على التنازل عن فلسطين والاعتراف بـ"إسرائيل"، وذلك بعد العدوان الصهيوني على لبنان عام 1982م، وما ترتب عليه من إخراج القوات الفلسطينية إلى المنفى، ثم استدراجها إلى توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993م.

* وكانت الفاتورة التاسعة هي قيادة مصر لعملية تعريب التسوية في المنطقة، والصلح مع "إسرائيل"، والاعتراف بها والتطبيع معها، والتنازل لها عن 78% من فلسطين، والذي تم تتويجه بمبادرة السلام العربية في عام 2002م.

* وكانت الفاتورة العاشرة هي إعطاء الشرعية للوجود الأمريكي العسكري في الخليج العربي عام 1991م، بمشاركتنا بقوات مصرية مع قوات ما سُمي حينذاك بـ"التحالف الدولي".

* وكانت الفاتورة الحادية عشرة هي تقديم تسهيلات لوجيستية للأمريكان في عدوانهم على العراق 2003/ 2010م بالسماح لسفنهم الحربية بعبور قناة السويس، وطائراتهم الحربية بالمرور في أجوائنا الجوية.

* وكانت الفاتورة الثانية عشرة هي الصمت المبين أثناء العدوان الصهيوني الأخير على غزة في يناير 2009م، بل والاستمرار في أحكام الحصار.

* وكانت الفاتورة الثالثة عشرة هي المشاركة في حصار غزة، بإغلاق معبر رفح، وبناء الجدار الفولاذي لإخضاع إرادة المقاومة، وإرغامها على الدخول في عملية التسوية والاعتراف بـ"إسرائيل" والتنازل عن فلسطين وإلقاء سلاحها.

* وكانت الفاتورة الرابعة عشرة هي العمل على امتداد 30 عامًا، على مطاردة وتصفية كل القوى الوطنية المصرية المعادية لـ"إسرائيل" وأمريكا، والداعمة لفلسطين، وحصار حركات الدعم وقوافل الإغاثة، وتحريم دخول سيناء على كل مصري يكره "إسرائيل" ويحب فلسطين.

* وكانت الفاتورة الخامسة عشرة هي الحماية الأمريكية والدولية للنظام المصري الحالي ضد الإجماع الشعبي والوطني؛ لأنه حامي "السلام والاستقرار في الشرق الأوسط"، وهو الاسم الحركي "لأمن إسرائيل".

* وبالطبع لم تكن مصر الرسمية وحدها في هذا الانحياز والالتزام الكامل بتعليمات الخواجة الأمريكي، بل كانت معها وبدرجات متفاوتة وكتف بكتف باقي الدول العربية الشقيقة.

* ولم تكن هذه هي كل الفواتير التي قمنا بسدادها ولا نزال، فالقائمة تطول.

*والإدارة المصرية نفسها لم تنكر أبدًا هذه التوجهات والسياسات، بل هي تمارسها في السر والعلن، مبررة مواقفها على الدوام بأنها أنما تقوم بذلك حماية للأمن القومي المصري، وأنها لا ترغب في التورط مرة أخرى في حروب لا تعنيها، ولا تخصها، قد تفقدها سيناء مرة أخرى، وتعرضها لعقوبات وغضب من المجتمع الدولي لا قبل لها به، وأنها لا تستطيع أن تواجه أمريكا كقوة عظمى، وليس أمامها إلا التحالف معها والانحياز لمشروعها.. وهو كلام باطل يُراد به باطل.

*****

فلقد كان بمقدورنا أن نسترد سيناء بمواصلة القتال بعد 1973م بلا فواتير وتنازلات، وكان بمقدورنا أن نقود ونطور وندعم خط المقاومة العربية إلى أن نحقِّق التحرير والاستقلال الكامل كما فعلت كل الأمم والشعوب المحترمة.

ولكن استردادنا لها عن طريق الصلح مع العدو الصهيوني وتحت رعاية العدو الأمريكي، كان له أثمان غالية وفواتير لا تنتهي.

ويا ليتنا استرددناها كاملة، بل عادت إلينا منزوعة السلاح، منزوعة السيادة.

وكما قال شيوخنا منذ 30 عامًا لقد أخذنا نحن سيناء، وأخذوا هم مصر كلها.

-----------

* Seif_eldawla@hotmail.com