الصورة غير متاحة

 أسامة جادو

هالني وأزعجني ما حدث بالجلسة المسائية يوم الإثنين الماضي 29/3/2010م، فبعد أن ألقى النائب المحترم/ ثروت عبد الفتاح كلمته ردًّا على التقرير العام للجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب بشأن حساب ختامي الموازنة العامة للدولة عن السنة المالية (2008/ 2009م)، وكانت كلمته رافضةً لسياسة الحكومة وفشلها الذي لا يُنكر.

 

وجاء بيان السيد المستشار جودت الملط رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات كاشفًا وفاضحًا لفشل هذه السياسة التي انتهجتها حكومة الحزب الوطني، وتفجرت ثورة الغضب من نواب الحزب الوطني، وطالب رئيس لجنة الخطة والموازنة إحالة نائب المنيا الأستاذ/ ثروت عبد الفتاح إلى لجنة القيم لمحاسبته عن الآراء التي أبداها تحت قبة البرلمان، وهذا سلوك من قِبل الأغلبية متكرر كما حدث مع الزميل الأستاذ/ سعد عبود؛ ما يكشف عن ضيق الأغلبية وقلة صبرها وضعف تحملها لآراء نواب المعارضة، دون اعتبار للمبادئ الدستورية التي تحكم الواقعة، وينبغي أن ينحني لها الجميع، حكومةً، ورئيسًا، وكافة سلطات الدولة بمن فيهم نواب الأغلبية والمعارضة.

 

فمن المقرر دستورًا وفقهًا وقضاءً أن النائب يتحصن بعدة ضمانات دستورية حماية له من أن ينتزع من مقعده، ويحال بينه وبين مباشرة مهامه الدستورية كنائب عن الأمة، أو أن يمنع من حضور الجلسات.

 

وهناك قاعدة دستورية في هذا الشأن:

(قاعدة عدم مسئولية النائب عن الأعمال البرلمانية)

نظم الدستور المصري في مادته (98) هذه القاعدة، وجاء النص الدستوري واضحًا بغير لبس أو غموض، وذلك كالتالي: 

 

 "لا يؤاخذ أعضاء مجلس الشعب عما يبدونه من الأفكار، والآراء في أداء أعمالهم في المجلس أو في لجانه".

 

ومفاد هذا النص الدستوري أن النائب لا يحاسب على رأيه، أو فكره حين يبديه، وهو يؤدي أعماله البرلمانية في المجلس، أو في لجان المجلس سواء أكان ذلك من خلال وسائل الرقابة البرلمانية كالأسئلة، أو طلبات الإحاطة، أو الاستجوابات التي يقدمها ضد الحكومة، أو أعضائها، أو الرد على بيانات الحكومة، أو تقارير لجان المجلس، أو طلبات المناقشة العامة، أو الاقتراحات برغبة أو بقرار، أو لجان تقصي الحقائق، أو لجان الاستطلاع، والمواجهة، أو العرائض، والشكاوى، أو خلال حديثه في أي مناقشة تُجرى في المجلس، أو لجانه.

 

وقد تقررت تلك القاعدة لتبث الطمأنينة في نفس النائب، وهو يؤدي مهامه الدستورية في مواجهة الحكومة كرقيب عليها، وهي تعني أن النائب حر لا قيود عليه، فهو نائب عن الأمة يمثل مصالحها، ويعبر عن احتياجاتها، وأزماتها، وتطلعاتها.

 

وأحب التأكيد أن الأصل التاريخي لهذه القاعدة نشأ في إنجلترا حين طالب النواب بها لحمايتهم من سلطان، وسطوة الملوك والأمراء في إنجلترا، وحرصت كافة الدساتير في دول العالم على احترام تلك القاعدة والنص عليها كحق دستوري يحظى به النائب.

 

** نطاق تطبيق هذه القاعدة المهمة:

إنها تغطي كافة أعمال الوظيفة البرلمانية والمهمة النيابية التي يؤديها النائب، أما الأعمال التي لا تتعلق بهذه الوظيفة حتى وإن تمت تحت قبة المجلس يُسأل عنها النائب كأي مواطن، ولا تنسحب عليها أحكام تلك القاعدة، كما لو اعتدى النائب على زميله، أو أي فرد بالضرب، أو القتل فإنه يحاسب على ذلك.

 

نعم، قد يُساء استخدام تلك القاعدة من البعض، ووقتها تصبح سيفًا مسلطًا، وينحرف بها لتحقيق أغراض شخصية، أو خدمة أهداف سياسية، أو تصفية حسابات للنفس، أو لصالح الغير، وهذه أسوأ ما في الممارسات النيابية.

 

هذه القاعدة ممتدة الأثر، ذات أثر مطلق، ولا تقتصر على فترة العضوية، أو دور الانعقاد، أو الفصل التشريعي، بل تمتد إلى الأبد فلا يُسأل النائب عما يبديه من آراء، وأفكار في المجلس، أو في لجانه حتى بعد انتهاء العضوية، أو الفصل التشريعي، حتى لو حُلَّ المجلس، أو فقد النائب مقعده بالإبطال أو الإسقاط.

 

كما أن هذه القاعدة من النظام العام فلا يستطيع النائب التنازل عنها بل تقضي المحاكم بها، وتطبق أحكامها حتى ولو لم يتمسك بها النائب فيطبقها القاضي من تلقاء نفسه.

 

وأرى كذلك أن مقتضى إعمال تلك القاعدة "عدم مسئولية النائب" أنها تمتد لتشمل غير النائب، فوسائل الإعلام من صحافة، وتليفزيون، وكافة وسائل الإعلام، وهي تمارس مهامها المهنية، وتقوم بتغطية أعمال البرلمان تنقل للرأي العام ما يدور بداخل المجلس ولجانه وتنشر آراء النائب، وأفكاره منسوبة إليه فإذا كان النائب لا يُسأل عن آرائه وأفكاره التي يطرحها فمن باب أولى لا يحاسب الإعلامي الذي قام بنشرها كتغطية إعلامية لأعمال البرلمان ونوابه.

 

 إن قرار الأغلبية بإحالة النائب إلى لجنة القيم لمحاسبته عن آرائه التي أبداها تحت القبة، وهو يمارس مهامه كنائب؛ لهو نذير خطر يوجب على كافة الغيورين على الدستور، ومصالح البلاد أن ينتبهوا لهذا المنحنى الخطير الذي يعصف بالممارسة البرلمانية، وينتهك قواعد الدستور، ومبادئه العامة، ويجعل الأغلبية تحكم بالصلف، وغرور القوة، وبطش السلطة.

 

ما حدث يحمل رسالةً سلبيةً للغاية موجهة للحياة السياسية المصرية، ويهدد الحريات العامة، والحقوق الأساسية للمواطن المصري، فإذا كان نواب الشعب يحالون إلى لجنة القيم للمحاسبة على أفكارهم وآرائهم؛ فكيف الحال بغير النواب؟

 

أرجو للجميع أن يراجع الموقف، ولا يجرمنكم شنآن كتلة الإخوان المسلمين على العصف بالدستور والحريات العامة، دعوا الحرية تملأ أرجاء مصر حتى تبدد اليأس الذي يخنق الشعب، ويدفعه للانفجار، الحرية كافية أن تصوب المسيرة، وتصحح المسار ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ (الرعد: من الآية 17).

-----------------------

عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين