أوقفتني إشارة المرور قبالة المتحف المصري، حينما كنت أسير بسيارتي المتواضعة "جدًّا" في شارع القصر العيني؛ ليفاجئني عسكري المرور الذي يوشك أن يكون على المعاش في غضون سنوات، لا تتخطى أصابع اليد الواحدة، واقفًا بجوار شباك السيارة، وهو يقول: "رخصك يا أستاذ"، فسألته عن السبب: فأجاب "صاحبك مش شادد الحزام"، وحينما هممت بإخراج رخصة القيادة من جيبي، فإذا به يقول "خلص نفسك وامشي"، فوجدتني أحول يدي إلى جيبي الآخر لأخرج له خمسة جنيهات، فردها لي، وقال: "مينفعش يا أستاذ"، فأخرجت له خمسة جنيهات أخرى، فأخذها على مضض، وقال في ثوب المتفضل "أحسن ما تدفع 150 جنيه"، فشكرت له ذلك، وانطلقت وأنا في غاية الارتباك، أشعر وكأن الدنيا كلها رأتني وأنا أفعل ذلك.
حاولت أن أخرج من حالة الارتباك وأنهي الموقف، فقلت لصاحبي: "دي أول مرة في حياتي أعمل كدا"، فرد عليا "وأنت هتعمل إيه يعني؟"، فسألته: كيف تصنّف هذا الصنيع؟! فقال: "دي إتاوة"، حينها بدأت أشعر بالارتياح قليلاً.. فقلت في محاولة للحصول على مزيد من الارتياح: "أنا قرأت أكثر من فتوى تتحدث عن مثل هذه الأمور"، حاولت أن أتذكر هذه الفتاوى ونصوصها ومن أفتى بها، فأغلق حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عليّ باب التذكر، فلم أجد سواه في رأسي "الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس"، خرجت من الأمر "مؤقتًا" باستكمال ما كنت أتحدث فيه مع صاحبي من أمور قبل هذا الموقف.
وما أن نزل صاحبي من السيارة، وجدتني في صراع نفسي تتنازعني فيه اتجاهات متعددة، فهاتف يطرح داخلي جملة تساؤلات "كيف فعلت ذلك؟!، وكيف استجبت بهذه البساطة لتكون جزءًا من هذا الفساد الإداري الذي لطالما تمنيت القضاء عليه؟!، لماذا تلوم على الكثيرين استجابتهم لطالبي الرشوة لقضاء مصالحهم؟! لماذا لم تكن على مستوى المسئولية لتحمل تبعات خطأك؟!، تعلم يقينًا أن الإصلاح يستحق التضحية والعنت وتحمل التبعات!!.
- فيرد عليه هاتف آخر "وانت هتعمل إيه يعني؟!، كدا كدا هتدفع هتدفع، لو الرخصة اتسحبت هتدفع دم قلبك وتدوخ السبع دوخات، ولو نزلت ورحت للضابط هتشيل كوم مخالفات، وهي يعني الفلوس اللي هتدفعها رسميًّا البلد بتستفيد منها؟، يعني هي جات على دي، عشرة جنيهات إيه يا أبو عشرة جنيهات بص شوف الملايين والمليارات؟!، طب روح خلص أي خدمة كدا في أي مصلحة ووريني شطارتك.
- وهاتف يقول "أنت غير مسئول عن هذا، النظام هو من يتحمل كامل المسئولية، هو من أوصل هذا الرجل الذي قارب الستين على تلقي رشوة أو فرض إتاوات على المارة؛ لأن دخله لا يكفيه، ورأى من يكفيه دخله ويفيض ينهب ويسرق، ولا حسيب أو رقيب.
هو من أوجد هذا الجو الفاسد الذي لا يصلح للحياة، وجعل منه جوًّا طبيعيًّا يعتاده الناس، فالإشارات والجمل المختصرة "خلص نفسك" ودلالاتها معروفة مستساغة، وتستعمل يوميًّا في كل مكان، هو من جعل المواطن يتمنى ألا يذهب يومًا لأي مصلحة حكومية.
هو من جعل أي محامٍ تستفتيه في أمر قانوني، فيرد عليك "خلص نفسك بعيدًا عن المحاكم وأقسام الشرطة مهما كانت الطريقة والتكاليف فهي أهون"؛ لتصبح هذه الجملة أعظم الفتاوى القانونية.
ومن جعل المريض لا يستطيع أن يفكر في الذهاب لمستشفى حكومي إلا إذا دفع مسبقًا للطبيب في عيادته حتى يجد سريرًا ودواءً، ومن قبلهم دورًا متقدمًا في طابور المنتظرين... قل في ذلك ما تستطيع، فلن تفي الكلمات للتعبير ولا الأوراق للكتابة ولا الأوقات للاطلاع.
- لكني ورغم كل المبررات وقفت أمام الحقيقة التي لا جدال فيها، وهي أن حزام أمان هذا المجتمع هو ترك هذه السلبية، والإصرار على الإصلاح، والوقوف خلف المصلحين مهما كانت تكلفة ذلك وضريبته، وعدم إلقاء كل منا باللائمة على غيره، والأخذ على يد المفسد، وقيام كل منا بدوره لوقف هذا الانحدار لأجل مستقبل أولادنا وبلدنا وأمتنا، فضلاً عن القيام بدورنا الذي سوف نُسأل عنه أمام الله تعالى، كما علَّمنا نبينا الكريم في حديث السفينة ".. فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا".