ترفع الإدارة المصرية شعار "مصر أولاً" في مواجهة المطالب الوطنية المستمرة بالانسحاب من كامب ديفيد، والعودة إلى نصرة مصر وفلسطين وباقي الأمة في مواجهة العدو الصهيوني، وهي ليست المرة الأولى التي يرفعون فيها هذا الشعار، وإنما هو شعار قديم ونهج أصيل منذ عام 1974م.
وكان أول من طرحه علانية بجرأة وتبجح هو توفيق الحكيم عام 1978م، عندما كتب مقالاً بجريدة (الأهرام) بعنوان "حياد مصر"، طالب فيه أن تقف مصر على الحياد بين العرب والكيان الصهيوني، وأن تتخذ ذات السياسة التي انتهجتها سويسرا في أوروبا؛ حيث وقفت دائمًا على الحياد بين الدول المتحاربة في الحربين العالميتين الأولى والثانية.
ومن وقتها دأبت مصر الرسمية ورجالها على استدعاء هذا الشعار في مواجهة القوى الوطنية المصرية الغاضبة، بعد كل عدوان جديد على فلسطين أو لبنان أو العراق.
وآخرها العدوان الصهيوني على المسجد الأقصى ومدينة القدس، وقبلها الجدار الفولاذي، وقبلها إغلاق المعبر والحصار والحرب الصهيونية على غزة.. وهكذا.
*****
والحقيقة أن قضية أولويات السياسة والأمن القومي ليست مسائل هلامية، متروكة للاجتهاد لمن يشاء، فهي مسائل محددة تاريخيًّا وموضوعيًّا منذ قرون طويلة، فنظريات ومحددات الأمن القومي للأمم المختلفة تتبلور مع نشأة هذه الأمم وميلادها؛ فهي ليست وجهة نظر أيديولوجية أو نقاطًا برنامجية لهذا الحزب أو ذاك، إنها مسائل ثابتة وقديمة قِدم الأمم ذاتها.
*****
ولقد تبلورت فلسفة أمننا القومي منذ الفتح الإسلامي، فلقد تعربنا جميعًا منذ ذلك الحين، وتحولنا من أجزاء وأقوام وشعوب وقبائل متعددة متفرقة مهزومة محتلة، إلى أمة عربية إسلامية واحدة.
فقبل ذلك، كانت مصر قابعة تحت الاحتلال الأجنبي الغربي ما يقرب من 1000 عام متصلة، منذ الاحتلال المقدوني على يد الإسكندر الأكبر عام 332 قبل الميلاد حتى عام 640 ميلاديًّا، ولم ينجح سكان مصر أو أي من جيرانها في التحرر والاستقلال أبدًا طوال عشرة قرون ويزيد.
وهو ما بلور حقيقة موضوعية؛ وهي أنه من المستحيل على أي قُطر في المنطقة أن يتحرر من الاحتلال الأجنبي ويحافظ على استقلاله، ويتطور وينمو ويتقدم ويتنافس مع الآخرين بصفته وحدة قومية وسياسية قائمة بذاتها.
وهو ما أثبتته الأحداث بعد ذلك، فبالفعل بعد الفتح الإسلامي والتعريب والوحدة، ظلت الأمة- وفي القلب منها مصر- محررة ومستقلة على امتداد أكثر من 12 قرنًا.
وحتى حين حاولت الغزوات الغربية العودة إلى احتلالنا مرة أخرى عام 1096م، فيما عُرف بالحروب الصليبية، نجحنا بعد طول عناء وقتال في إعادة تحرير أراضينا المحتلة، وفي طرد الخواجات وإعادتهم من حيث أتوا، وكانت آخر إمارة صليبية حررناها هي عكا عام 1291م.
أما داخليًّا، فعلى مدار هذا التاريخ العربي الإسلامي الطويل، حكمت الأمة أحزاب متعددة متتالية متنافسة ومتصارعة، بدءًا بالأمويين ثم العباسيين والفاطميين والأيوبيين والمماليك والعثمانيين.. إلخ.
وقد نختلف أو نتفق على تقييم هذا العصر أو ذاك، ولكنهم كانوا جميعًا يتميزون بأنهم من داخل الأمة وليسوا من خارجها، من هذا البر وليسوا من البر الثاني، أو كما يقول المثل الشعبي "منا فينا، ليس بيننا غريب".
*****
وعندما أراد الاستعمار الغربي الجديد منذ 1798م وما بعدها أن يضمن عدم توحد الأمة مرة أخرى، بغرض إضعاف مناعتها ومقاومتها وإبقائها محتلة طول الوقت، قام بضرب الحزب العربي الجديد المتمثل في دولة محمد على الوليدة التي كانت على وشك وراثة الدولة العثمانية وتجديد شباب الأمة.
ثم استكمل احتلال باقي الأقطار وتجزئتها بعد الحرب العالمية الأولى، وقام باقتسامها وتوزيعها على المنتصرين كغنائم حرب.
ومنذئذ لم تقم لنا قائمة حقيقية، اللهم إلا بضعة سنوات من التحرر بعد الحرب العالمية الثانية، والتي سرعان ما وئدت بالاغتصاب الصهيوني لفلسطين 1948/2010م، ثم بالاحتلال الأمريكي للخليج 1991م، وللعراق 2003/2010م.
*****
إذن الأمن القومي هو بالضرورة أمن عربي، ولا مكان لما يسمى بالأمن القطري، فلا يمكن تاريخيًّا وعلميًّا الحديث عن الأمن القومي المصري، إلا إذا كان يمكننا الحديث عن أمن قومي للقاهرة وحدها، وكلاهما مستحيل.
ومن ثم فاختراع نظريات "مصر أولاً" و"أمن مصر القومي" وغيرها، يتناقض مع حقائق الجغرافيا والتاريخ، وهي نظريات سقطت منذ 2400 عام، كما أنها في النهاية إعادة رجعية للوضع الفاشل المهزوم المندثر الذي كان قائمًا قبل الفتح العربي الإسلامي.
ومثل هذه التوجهات قد أدت بالفعل إلى نتائج وخيمة متوقعة وحتمية، لم يكن أولها هو العجز عن تحرير فلسطين، ونمو "إسرائيل" وترعرعها تحت عين وبصر كل الدول العربية، وإنما الأخطر كان هو عودة الأمة كلها إلى براثن الاحتلال أو التبعية الأجنبية، عاد الوضع إلى ما كان عليه قبل الميلاد.
*****
وهذه التبعية تتجلى آثارها في مصر في أمور كثيرة، يأتي على رأسها قيام الإدارة المصرية بتنفيذ كل توجيهات الولايات المتحدة في كل ما يخص أمن "إسرائيل".
وهي تنفذ هذه التوجيهات، رغم أن خبراءها يعلمون ويدركون جيدًا أنها ضد المصلحة الوطنية لمصر، وهو ما قد يفسر ما يظهر في البداية من الاعتراض والتباطؤ والتلكؤ المصري في التنفيذ، ولكنه اعتراض لا يدوم، فسرعان ما تنكسر الإرادة تحت الضغوط الأمريكية.
*****
وبدءًا بتجريد سيناء من السلاح المصري 1974/ 1979م، والانسحاب من الحرب ضد العدو، ومرورًا بالضغط على منظمة التحرير الفلسطينية 1982/ 1993م للاعتراف بـ"إسرائيل"، واستقطاب كل الدول العربية إلى قبول السلام مع "إسرائيل"، والتنازل عن فلسطين فيما عرف بمبادرة السلام العربية 1982/ 2003م، وانتهاءً بالمشاركة المصرية في الحصار الصهيوني على غزة بإغلاق المعبر والقضاء على الأنفاق 2007/ 2010م، والضغط على المقاومة وإكراهها؛ لإرغامها على المصالحة والقبول باتفاقيات أوسلو والاعتراف "بإسرائيل"، وإنهاء المقاومة وإلقاء السلاح... إلخ؛ كل ذلك وغيره لم تكن إلا خطوات لصالح وخدمة أمن الصهاينة وليس أمن المصريين.*****
فإن كنتم تبحثون عن شعار، فالشعار الأصدق هو "إسرائيل أولاً".. لا مصر ولا يحزنون.
-----------------