د. إيهاب فؤاد

هل سقط العراق من ذاكرة الأحداث؟ هل تحوَّلت دماء الآلاف إلى ماء؟

 

لقد مرت ذكرى الغزو المقيت لعراق الرافدين منذ أيام، وبعد أيام قليلة ذكرى سقوط حاضرة الخلافة، ولم نسمع للإعلام صوتًا، وكأن عراق الحضارة والتاريخ والمجد التليد، وفي القلب منها بغداد العروبة والإسلام، قد أضحت خارج السرب، وحيدة تئن، وحيدة تتألم، وحيدة بين مطرقة الاحتلال وسندان العملاء، القذائف التي تحصد الأرواح كل يوم، عجيب أمر أمتنا!، سرعان ما تنسى، وسرعان ما تتجاهل، وسرعان ما تعود بعد الجراح كأن شيئًا لم يكن، لقد تألقت بغداد التي بناها العباسيون لتصبح عاصمة العلم والترجمة عن مختلف الحضارات السابقة التي كانت تتم في بيت الحكمة الذي أسسه المأمون سنة 830م، وتعرَّضت العراق في عهد العباسيين إلى العديد من الثورات والحروب الداخلية إلى أن سقطت على يد القائد المغولي هولاكو خان سنة 1258م/656هـ.

 

دخل المغول بغداد في فبراير 1258م بعد أن استسلم الخليفة العباسي المستعصم الذي لقي حتفه بعد 5 أيام من دخول المغول، وتعرضت بغداد للهدم والسلب وتعرَّض أهلها للقتل، تغير لون النهر بفعل أحبار أمهات الكتب وبطون العلم، وهذا ديدن المحتل، تاريخ ذاب في النهر، وحضارة تُسلَب لتغير المعالم كما فعل الأمريكان، فقد سُرقت المتاحف، وقتل العلماء والأمر شبيه بمحنة الأمس.

 

احتلت بريطانيا البصرة عند اندلاع الحرب العالمية الأولى في نوفمبر سنة 1914م، ومدينة العمارة في يونيو 1915م، ومدينة الناصرية في يوليو 1915م، وهُزِمَ الجيش البريطاني بالقرب من بغداد سنة 1916م، وأعادوا الهجوم على بغداد في أوائل سنة 1917م ودخلوها في 11 مارس 1917، وسقطت الموصل بالشمال العراقي بأيدي الإنجليز في نوفمبر 1918م، وهو نفس المكان الذي تمركزت فيه القوات البريطانية حين دخل المحتل أرض العراق وتمركزت القوات البريطانية في البصرة، المسلسل متكرر، لكننا لا نعي الدرس، وقسَّم المغول العراق إلى منطقتين جنوبية وعاصمتها بغداد وشمالية وعاصمتها الموصل، ويدير المنطقتين حاكمان مغوليان ومساعدان من التركمان أو الأهالي الموالين.

 

وفي الفترة ما بين 1393- 1401م هجم المغول التيموريون بقيادة تيمورلنك على العراق، ونهب بغداد التي كانت عاصمة له، ثم سلَّم أمرها إلى المجموعات التركمانية التي عاشت متصارعة إلى أن سيطرت الأسرة الصفوية (من التركمان) إلى مقاليد الأمور في العراق سنة 1508م، واستمروا يحكمون بغداد حتى أخرجهم العثمانيون الأتراك سنة 1534م.

 

محن متوالية ودماء لم تجف، دعوني أُذكِّرُ من نسي، وأذكر من تجاهل، ومن تشاغل بديمقراطية عرجاء على أطلال حكم بائد بإحصائية بسيطة هي غيض من فيض حسنات الغزو المرير والاحتلال المنبوذ، ومن جاءوا على الدبابات ليتصدروا سدة الحكم في العراق، تشير الإحصاءات الأمريكية، بعد سبع سنوات من العدوان الغاشم على دولة العراق، إلى أن العراق اليوم يضم أكثر من مليون أرملة، ونحو 5 ملايين يتيم، وأكثر من مليون وربع المليون قتيل، بالإضافة إلى أكثر من ربع مليون عراقي يرزحون في المعتقلات، ناهيك عن أضعاف هذه الأعداد والذين حلوا بدورهم ضيوفًا على معتقلات زبانية الاحتلال، وقد بلغ عدد اللاجئين قرابة 4.8 ملايين عراقي، لقد أضحى العراق ينزح تحت خط الفقر، وقد كانت  يومًا قبلة للدول الفقيرة تنشد خيراتها، وتبحث عن الخير في أرجائها وجنباتها.

 

رأيت رجال العراق الأشاوس في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي كيف كانوا أقرب إلى العمالقة منهم إلى الرجال، رأيت كيف كان العراقي عزيزًا يعيش في ثراء ونعمة، ورأيت من حولي كيف كان العراق قبلة يؤمها المصريون وغيرهم طلبًا للرزق الحلال، وأسمع اليوم عن دولة تسبح فوق بركة من النفط وصل حد الفقر فيها إلى أرقام مخيفة، ورأيت بأم عيني كيف كانت قوة الأمن قابضة ومسيطرة على أرجاء العراق، وشاهد العالم كيف غاب الأمن، وأصبحت فزاعة الموت تطارد أي أحد في أي وقت، غاب الأمن، وضُرِبَت البنية التحتية، وتشرد الملايين، وهجر الكثيرون منازلهم، بكينا على بغداد يوم سقطت، وتغنينا بأمجاد مضى عهدها، وانصرم تاريخها، وسرعان ما نسينا أو تناسينا، مرت الذكرى وكأن شيئًا لم يكن.

 

مصيبتنا أن سيوفنا أطول من قاماتنا، وضجيجنا أعلى صوتًا من أعمالنا، نقاتل بمنطق الربابة، وننفخ الأوداج بالطنين، ونتسلق الأسوار بالنعيق والتصفيق، لا نكاد نفيق حتى تتوه عقولنا، ولا نكاد نفكر حتى نفقد مسارنا، ولا تكاد شموعنا تضيء حتى تخبو أنوارنا، نتقدم للوراء، إنها مأساتنا التي أطاحت بطموحاتنا، وخلفتنا أطلالاً وتركتنا أثرًا بعد عين، صارت مشاعرنا أكبر من أن تحتويها أوراق دفاتر، أو أن تسطرها أحبار أقلام قد جف مدادها، وقلاع تهاوت على رءوس من شيدوها من كثبان ورمال، ونُصّر على أن نعيب زماننا، ونلوم أدواتنا مع أن الأولى باللوم نفوس خانعة، وعزائم خائرة، وقوى مبعثرة، وضمائر توارت خجلاً حتى لا يفضحها ويهتك سترها إصرارنا على تغييب كل خير في دنيا الناس، تعجرفنا وانتفش ريشنا، وانتفخت بالوناتنا، مدافعنا لا توجه إلا في صدورنا، هاماتنا لا تعلو إلا على بعضنا، كرامتنا أثر بعد عين، مقدساتنا آخر ما نفكر فيه.. إنها صرخات في فضاء وصيحات في جزيرة منعزلة، متى نفيق من غفلتنا، وننهض من كبوتنا، ونقيل عثرتنا، متى يلتئم شمل الأمة ونشعر بصرخات إخواننا، متى يتوقف نزيف الدم، وشلال الذل والخنوع؟

 

بغداد لا تتنهدي، يا قدس لا تتألمي، إن ماتت ضمائرنا وخارت عزائمنا، وخلعنا ثوب العزة وارتدينا ثوب الخنوع؛ فإن الأمة لم تمت بعد، فلترقصي طربًا بمقدم جيل ما بعد الغثاء، ولتنصبي الأعراس حيث يزف الشهداء، فدماؤهم تأريخ جديد لأمتنا، ووصمة عار على من خذلوا القضية، وباعوا على مائدة المفاوضات ثرى بغداد، وثرى القدس، وثرى الأمة بأسرها.

 

إن المؤامرة مفضوحة، وإن أثواب المتآمرين ينضح عليها دم كذب، كذلك الذي أتى به إخوة يوسف ليوهموا أباهم أن الذئب قد أكله، لقد أكل الذئب بغداد يوم تركناها في وجه آلة الحرب وحيدة، واليوم ينخر السوس في عظام مسجدنا المقدس، وتعبث يد اليهود بمقدساتنا وما زلنا نتسول السلام على موائد لئام، بالأمس تبجح نتنياهو وأعلنها من بيت الحكم في واشنطن، لا تراجع عن القدس عاصمة لـ"إسرائيل"، ولا وقف للاستيطان، فالمسلسل مستمر دون أن يتوقف، أما نحن فأقصى ما نفعله أن يُعتَقل المنادون بإيقاظ ضمير الأمة، البيوت تقتحم على قاطنيها لاعتقال الواقفين من أجل فلسطين، وقد كانت من قبلها بغداد، متى تتغير هذه العقلية الأمنية، ما فعل المنادون بالتئام الصف، والمعبرون عن تضامنهم مع إخوانهم كي يغيبوا خلف الأسوار، ما جريمتهم التي يستحقون أن تفبرك التهم من أجل تغييبهم عن الساحة؟ لعل في الأمر شيئًا لا نعلمه والتاريخ كفيل بأن يسفر عن وجه الحقيقة يومًا.