يدور الحديث هذه الأيام حول ما يسمونه "صفقات سياسية"، وهو مصطلح ما دام نسمع طنينه في كلِّ موسم انتخابي.

 

والواضح بالطبع أن الطرف الأول (المانح أو العاطي "اليد العليا") هو الحزب الحاكم المسيطر على مقدرات الوطن بصلاحيات مطلقة، ودون حساب أو رقيب، سواء مؤسسيًّا أو شعبيًّا، وكل ذلك من أجل البقاء في الحكم إلى ما لا نهاية لأسباب عدة، لا وقت للوقوف عندها الآن.

 

أما الطرف الثاني (الممنوح) فهم جميع المنافسين له في الحكم، وهنا تتعدد الأطراف (المستفيدون) كالأحزاب "سواء العتيقة منها أو الوليدة"، والقوى السياسية مثل: "الإخوان المسلمون"، و"حركة كفاية"، والمستقلون، و مجموعة د. البرادعي.

 

وبتطبيق منطقي للدوافع السياسية للطرف الأول المذكور سابقًا، والمعلوم عنه استبداده وطغيانه واستخدامه أبشع الأساليب، كالتعذيب والاعتقال وعشقه الأبدى لقانون الطوارئ، وعدم احترام أحكام القضاء، وعدم الفصل بين السلطات الثلاثة، وتفوقه الفج في انتهاج التزوير والكذب الإعلامي.. إلخ، كلُّ ذلك بلا حدود وبلا ضابط أو رادع في التعامل مع المنافسين تحت شعار لا أخلاقي "الغاية تبرر الوسيلة" من خلال نظريات اختزلت في جمل قصيرة مثل "فرِّقْ تَسُد" أو "أطعم الفم تستحي العين" أو "الباب اللي يجيلك منه ريح سدُّه واستريح" أو "الزنّ على الودان أمرّ من السحر" أو "اللي تعرف ديته اقتله" أو "اللي تغلب به العب به" أو "العصا والجزرة".. إلخ .

 

أما المنافسون.. فدوافعهم السياسية ترتبط بضوابط حاكمة متباينة، نذكر منها ثلاثة يمكن أن تكشف لنا حقيقة الأمر..

 

الأول: أن تحكمهم مبادئهم على حساب سقف مصالحهم أو يوازنوا بين المبادئ والمصالح؛ وهو ما يُعرف بالبراجماتية أو أن يغلبوا المصالح على حساب المبادئ.

 

الثاني: هو اختلاف أسقف المنافسين أنفسهم حسب نقاط القوة والضعف الخاصة بهم؛ كتاريخهم السياسي، ونسبة مؤيديهم أو ثقلهم السياسي، وطبيعة الأهداف.

 

الثالث: فهو مدى تأثير ما يجنيه المنافس من الصفقة على حساب مستقبله الإستراتيجي أو بتعبير آخر مدى تحقيق أهدافه بعيدة المدى.

 

وأستأذن القارئ في تناول كلِّ منافس على حدة حتى تتضح الصورة..

 

وأبدأ بالأحزاب العتيقة أو إن شئت قلت التي لها كان لها تاريخٌ في الشارع السياسي، ويسمع عنها الجمهور وعلى رأسهم الوفد، والعمل، والتجمع، والأحرار، والأمة، ثم يليهم العربي الناصري، فالغد، والجبهة الديمقراطية.

 

بدون دخول في التفاصيل.. حزب العمل خرج من دائرة السيطرة للطرف الأول، ولم يقبل أسلوب الصفقات أو أنها افتراضًا كانت دون طموحاته، ولم يرضخ للضغوط بل حالف قوة سياسية لها تاريخ وتواجد شعبي، بجانب أنها خصم النظام اللدود أو هكذا أرادها الطرف الأول لحاجة في نفسه، ويعلمها الداخل والخارج، فلم يفلح معه سوى أسلوب الحظر والتجميد، وصار في خبر كان إلى حين.

 

يتشابه معه حزب الغد بمحاولة خروجه عن دائرة مصالح الحزب الحاكم، وممكن القول إنه استُخدِم في الانتخابات الرئاسية السابقة لزوم الديكور مع باقي الأحزاب.. إلا أنه تجاوز الخط الأحمر في القبول الشعبي، وشكّل عبئًا على النظام، فمارس معه ما تعرفونه من أساليب الاغتيال السياسي وتفجير الحزب من الداخل، ومثله مع حزب الأحرار.

 

طبعًا حزب الأمة ارتضى لنفسه سقفًا بدون أعمدة، يعني سقفًا منبطحًا على الأرض.

 

تبقى الأحزاب الأربعة (الوفد، والتجمع، والعربي الناصري، والجبهة الديمقراطية).. وبتفكير منطقي لها مجتمعة أو منفردة، مع النظر في الضوابط الحاكمة المذكورة آنفًا، وكذلك تعاطيهم السياسي السابق مع النظام الحاكم خلال العقود الثلاثة الماضية تتضح الصورة جيدًا، ويمكن اعتبار الصفقة بمثابة قارب نجاة لهم في الشارع السياسي، وخصوصًا أن انتخابات 2005م كانت فرصة متاحة للجميع كشفت الثقل السياسي لكل الأطراف، وتحديدًا المرحلة الأولى وبعضًا من الثانية، ورغم الإشراف القضائي وخلافه إلا أنّ سقوط الرموز التاريخية بما فيهم رموز الحزب الوطني كان مُدويًا وصادمًا وفاضحًا، والكل يعلم أنهم لم يفوزوا ولو بخفّي حُنين.

 

ويجب التنويه أنّ هذه الأحزاب فكّرت مليًّا، وكانت بين فكي رحى الإخوان المسلمين والنظام إما أن يشكلوا جبهة معارضة موحدة مع الإخوان ضد النظام، تحفظ لهم مصداقيتهم وتاريخهم وتواجدهم في الشارع السياسي، أو إبرام صفقة مع النظام، والتغاضي عمَّا سبق لحين ميسرة، وهو الأسهل والمضمون حسب سقف مطالب كلٍّ منهم، وممكن تحقيقه وبدون كلفة عالية للمرشحين أو مع الناخبين الذين لا تنتهي مشاكلهم، خصوصًا أن هذه المرة مضمونة؛ لأنه سيقبض أولاً في مجلس الشعب، وبعد ذلك يدفع مؤخرًا في انتخابات الرئاسة، "واللي يقدم السبت يلاقي الأحد".

 

أم الأحزاب الوليدة فهي أيسر من عقد صفقة معها، وما زالت تحبو، وكل أملها معقود في الحفاظ على الدعم المالي المقرر لها، ويكفيها استمراره، ولا يعرفها الشارع السياسي.

 

هنا يبرز السؤال أيهما أفضل للنظام.. إبرام الصفقة مع الاخوان ومجموعة البرادعي أم مع الأحزاب؟!

 

تعال نقرأ الفوائد المرجوة من الصفقة مع الأحزاب..

 

* الأحزاب تحقق له شرعيةً دستوريةً كأحزاب معارضة في السلطة التشريعية، تعطي له وضعًا دوليًّا مقبولاً.

 

* الأحزاب يمكن السيطرة عليها "دفنينه سوا" وكلفتها سهلة ومضمونة وترضى بقليله.

 

* الأحزاب يمكن أن تغض الطرف عن الضوابط الحاكمة الثلاث.

 

* الأحزاب يعقد معها مقاولة واحدة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية "عصفوران بحجر واحد".

 

أما الإخوان المسلمون.. فالتزامهم بالضوابط الحاكمة الثلاثة السابقة يحقق لهم مشروعهم الذين يتبنونه؛ سواء أهدافهم قصيرة المدى أو طويلة المدى، والتي أعلنها الشهيد المؤسس للجماعة، وتحقيق أي مكسب من الصفقات لا يرضى سقفهم الذي ارتضوه لأنفسهم، فضلاً عن الضرر الذي يلحق بهم، فهم يعتبرون الحكم الذي هو منتهى سقف المنافسين الآخرين ليس إلا وسيلة لغاية كبيرة عندهم، وبالتالي حصولهم على عدد ما في مجلس الشعب يستوي مع عدم حصولهم على أي مقعد، كما أن الانتخابات الرئاسية ليست على أولوياتهم أو ليست من الأهداف قصيرة المدى، وهذا يحول دون إبرام صفقات مع النظام الذي يريد تحجيمهم إن لم يستطع إقصاءهم، ولا يعطي لهم شرعية سياسية؛ بحيث تكون حركتهم رهن الإشارة الحمراء أو يقفون في الممنوع.

 

يتبقى لنا من المنافسين مجموعة البرادعي، والنظام أدرك صعوبة الصفقة معه بعد رسائله المتتالية؛ كالتي تم التصريح بها مثل: "يدخل الحزب الوطني أولاً.. ممكن يرشح نفسه من خلال الأحزاب،.. لا تعديل للدستور،.. لا مانع من أن يطاله قانون الطوارئ.. إلخ"، والتي أعطت في مجملها إشارات سلبية لعدم استجابة البرادعي لها من قريب أو بعيد، هذا بجانب صعوبة التعامل معه على طريقة الإخوان؛ سواء في الإقصاء أو التحجيم أو اعتباره فزاعة في الداخل والخارج.

 

هنا نصل لما يدور في ذهن صنَّاع القرار في الحزب الوطني وهو إبرام صفعات متعددة الأطراف والمكاسب ضدَّ الجميع "الأحزاب الأربعة، وباقي المنافسين، وعلى رأسهم الإخوان المسلمون ومجموعة د. البرادعي"؛ من أجل البقاء جاثمًا على أنفاس المصريين ما دام في النظام قلب ينبض.

 

ولا عزاء لمصر شعبًا ودستورًا.

-----------

* Us_soliman@yahoo.com