![]() |
|
د. حسن الحيوان |
إصرار نظام الحكم على الاحتفاظ بالسلطة، وتفكيك المجتمع مع دفن فرصة ظهور رموز وطنية؛ أدَّى إلى فراغ سياسي، بحيث أصبح المجتمع تحت التأثير الكاسح للإعلام الموجه من خلال نخبة إعلامية متسلقة، تتطلع فقط للتقرب من السلطة، وبالتالي ينعدم التوجيه المخلص للرأي العام، وتتحول القضايا إلى أزمات في صورة إنفلونزا سياسية؛ لإلهاء المجتمع عن قضية العدل الاجتماعي.. تناولنا سابقًا إنفلونزا كرة القدم والخنازير والتوريث، ونستكمل بقضايا المرأة.
- المرأة مرفوضة: قرَّر قضاة مجلس الدولة بأغلبية 88% رفض تعيين المرأة قاضية بالمجلس, قامت النخبة المتسلقة بحملة إعلامية، بدعوى تمكين المرأة والدفاع عن الدولة المدنية، وكأننا بصدد كارثة تهدد الدولة, وكانت هناك وقفات نسائية هزيلة، بالرغم من دعم لجنة السياسات بالوطني والمجلس القومي للمرأة, الواضح أن كل هؤلاء لا ينتمون لمجلس الدولة، ويتجاهلون أولويات المرأة المصرية مثل محو أمية المرأة التي تزيد بكثير من نسبتها عن الرجل ثم التعليم، وحقها في اختيار الزي من حجاب أو نقاب بالمساواة مع من تختار، العري وخلافه.
كما أننا لم نلاحظ اهتمام هذه النخبة بالأزمات الحقيقية، بداية من رغيف الخبز ومياه الشرب وعبارة السلام إلى السيول وأنابيب البوتاجاز والسولار، وكلها أزمات وصلت إلى حالات القتل, كما أنهم لم يطالبوا بمساواة المرأة بالرجل بالتجنيد بالجيش، والعمل كشرطي مرور بالشوارع وبالمناطق النائية وكمعاون مباحث ووكيل نيابة وخلافه، لقد توافق المجتمع دون أي تدخل من أحد على تجنيب المرأة هذه المهام لأسباب طبيعية.
- إن قرار القضاة بهذه النسبة المرتفعة يصعب أن يكون خطأً؛ لأنهم أهل المعرفة والمصلحة، ويستحيل أن يكون الدافع هو سلب حقوق المرأة, قد يكون من ضمن الأسباب تجنب خضوع المجلس لقرارات سيادية من لجنة السياسات أو المجلس القومي للمرأة بتعيين قاضيات بغض النظر عن الكفاءة لمجرد الهوس المعروف بتمكين المرأة, ولقد كان من أعراض الإنفلونزا السياسية تدخل رئيس الوزراء لتصعيد الأمر للمحكمة الدستورية لخلق مواجهة بين جهتين قضائيتين، لا بد أن يكون الصالح العام هو الخاسر منها, وبعد حكم الدستورية لمصلحة المرأة؛ كيف ستكون المصلحة العامة بتعيينها وسط مناخ رافض لها تقريبًا بالإجماع؟!!
- الزوجة مضروبة: كانت نتيجة استقصاء أجراه هذا العام مجلس السكان التابع للأمم المتحدة على 50 ألفًا من الشباب أن 75% يوافقون على ضرب الرجل لزوجته, تم نشر الخبر بـ(الأهرام)، ولم نلاحظ أي اهتمام إعلامي بمفاهيم كارثية تهدد كيان الأسرة، وليس فقط مجلس الدولة كما يدعون.
- إن تعيين المرأة بأي منصب ليس هدفًا في حد ذاته، كما تدعي حفنة قليلة من منعدمي الشعبية، وهو أمر لا يهم 99% من سيدات مصر, بل إنه منهجيًّا حق ثابت أقرته الشريعة والدستور بالمساواة بين الجنسين؛ لكنه تطبيقيًا وسيلة متغيرة لتحقيق المصلحة باختيار الأصلح، وبذلك ولذلك توافق المجتمع بدون أي تدخلات على خصوصية بعض المهام للرجل ومثلها للمرأة، وإلا انقلب مبدأ المساواة إلى التساوي الذي يتنافى مع الفطرة والمنطق والمصلحة.
- الخلاصة: إن التدهور في شتى المجالات بمصر ليس له أي علاقة بأي اختلاف بين الرجل والمرأة بشأن الموقف من أي أمر أو قضية, فنحن نحتاج لتمكين الرجل مثل تمكين المرأة, بل تمكين الفرد المصري من الوصول لأدنى حقوقه السياسية والاجتماعية, وإذا كان هناك مصلحة لإنشاء المجلس القومي للمرأة، فلا بد منه للرجل أيضًا, ولا أعتقد أنه يوجد مثيل عالمي لهذا المجلس المخترع من ضمن اختراعات الإنفلونزا السياسية المصرية.
- إن التوجيه الخاطئ والتضليل الفكري المتعمد للرأي العام يعد من أكبر أنواع الخيانة الوطنية والكبائر الدينية.. لذلك ستستمر الإنفلونزا السياسية في تصعيد القضايا لأزمات مجتمعية إلى أن تتحول هذه الأزمات متشابكة لكارثة قومية ما دام وصل الأمر لفساد عقول العباد؛ فانتظروا الحصاد مثل الجراد.
--------------
* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار
