حسن القباني

يجب ألا تمر قصة انتهاك الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء لاستقلال السلطة القضائية وانتزاعه حق مجلس الدولة في تحديد مصيره واستعداء قضاء على قضاء بعد أن تقدَّم بطلب لتفسير بعض مواد قانون مجلس الدولة بغير حق، وهو ما ردَّ عليه قضاة المحكمة الدستورية الدستورية أمس بصفعة مدوية للتدخلات الحكومية بأن ردت الأمر إلى أهله.

 

والغريب أن تصدر الصحف الحكومية اليوم لتلوي عنق الحقيقة وتفسر بنفسها هي تفسيرًا بعيدًا عن تفسير المحكمة الدستورية التي أعلنتها مساء أمس برفض البند الأول في طلب نظيف وترك الأمر في الطلب الثاني للمجلس الخاص بمجلس الدولة.

 

إن مجرد تفكير الدكتور نظيف في هذه الخطوة خطيئة كبرى توجب المحاسبة البرلمانية وتفتح ملف موقف النظام من مبدأ استقلال القضاء في الأساس، وتعيد التذكير بأهمية مساندة المحكمة الدستورية خلال الفترة المقبلة بعدما ظنت الحكومة أنها قادرة عليها.

 

وكانت فعاليات مؤتمر "تقييم دور المحكمة الدستورية العليا في مصر" الذي استمرت على مدار يومي 9 و10 فبراير 2010م الماضي في القاهرة، والتي شرفت بحضورها بمثابة صرخة غريق أو جرس إنذار؛ حيث كشفت الخطر المحدق بالمحكمة الدستورية في مصر، فهذه المحكمة التي تعد في دول العالم المحترمة أداة ردع لأي مسئول تسول له نفسه النيل من الدستور والقانون، واجهت ظروف صعبة في مصر طوال العهد الحالي وحصار حكومي بشهادة القضاة أنفسهم؛ مما قلَّص من دورها وحجَّم من صلاحياتها.

 

ولقد لمستُ بنفسي حجم التأثر الذي بدا على القضاة أثناء فعاليات المؤتمر وخوفهم العارم على مستقبل المحكمة في ظلِّ إصرار النظام المصري على تعيين رئيس المحكمة بالمخالفة للقواعد القضائية وتوريطه في رئاسة اللجنة القضائية المشرفة على الانتخابات، واعتبار قراراته قضائية نهائية لا طعن عليها، وهو ما رفضه القضاة، واعتبروه انحرافًا بالسلطة وعبثًا بالدستور.

 

ولم يقف الأمر عند ذلك، فالمحكمة تعرَّضت لهجومٍ من النظام الحاكم في بدايةِ عهده، وتصاعد تحديدًا في عام 1996م حين قاد رموز النظام حملةً شعواء على المحكمة انتهت بإعداد مشروع قانون بتعديل اختصاص المحكمة؛ مما أدَّى إلى الاعتداء على استقلالها.

 

هذا الهجوم تواصل حتى تم الاعتداء على الأحكام التي أصدرتها المحكمة بعدم دستورية بعض القوانين مثل قوانين الضرائب على العاملين بالخارج وأراضي الفضاء؛ حيث قامت الحكومة عن طريق وزير العدل باستغلال وفاة الدكتور عوض المر رئيس المحكمة في 30 يونيو 1996، وأصدرت قانونًا بقرار جمهوري في غيبة البرلمان بتعديل اختصاصاتها ووقف الأثر الرجعي المترتب على أحكامها من أجل عدم دفع 7 مليارات لهؤلاء العاملين رغم أنها تتكبد المليارات لمساندة رجال الأعمال الفاسدين.

 

أزمة المحكمة تصاعدت بعد إنشاء ما يُسمَّى "غرفة المشورة" بأمرٍ من رئيس المحكمة لنظر بعض الدعاوى، قبل عرضها على هيئة المحكمة بدعوى عدم اختصاص المحكمة في نظرها؛ مما أجهض أي دعاوى تحت تأثير رأي رئيس المحكمة فقط، والذي يعينه رئيس الجمهورية.

 

المحكمة إذن تحتاج نظرة من القوى الوطنية والسياسية ومن نوادي القضاة، ومن كل مَن يهمه أمر إصلاح هذا الوطن؛ لأن إصلاحها بحق وصدق بداية إصلاح للوطن؛ لأنها سترسخ دولة القانون وتضرب بيد الدستور على ترزية القوانين والمتطاولين على الحريات العامة وحقوق المواطنين.

 

ولا أكون مغاليًا حين أقول إن إعادة المحكمة لدورها المنوط به سيصب في صالح المواطن البسيط، وفي صالح شل يد الاستبداد في مصر وملاحقة الفاسدين، وهو ما يحتاج إلى نظرة سريعة من نواب البرلمان الأحرار لتلبية رغبة قضاة مصر في تعديل قانون المحاماة الدستورية الحالي من أجل استعادة صلاحياتها الطبيعية.

 

إنني عرضت على المؤتمر مبادرة شخصية بأن يكون هذا العام هو عام مساندة المحكمة الدستورية وهو ما حياه المستشار زكريا عبد العزيز رئيس نادي القضاة وعدد كبير من القضاة الحضور.

 

فليكن هذا العام هو بداية النهاية لتعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا لاختياره من بين قضاة المحكمة، ومن خلال ترشيح تقدمه الجمعية العمومية للمحكمة، وألا يتم تعيين رئيس المحكمة من خارج قضاة المحكمة.

 

وليكن هذا العام هو عام عدم إقحام المحكمة الدستورية ورئيسها في مهام ذات صلة برئاسة اللجان الانتخابية، حتى يمكن اللجوء للمحكمة للفصل في دستورية النصوص المتعلقة بالانتخابات وإجراءاتها وتشريعاتها.

 

وليكن هذا العام هو عام تعديل قانون المحكمة الدستورية بما مؤداه جواز إقامة الدعوى المباشرة أمام المحكمة مع إيجاد ما ينسب من آليات تحول دون إساءة استخدام هذا الحق وعدم جواز إجراء أي تعديل على النظام القانوني للمحكمة إلا بعد العرض على الجمعية العمومية للمحكمة وموافقتها على التعديلات على النظام القانوني للمحكمة وإصدار تشريع بزيادة وتثبيت عدد أعضاء المحكمة من القضاة، وأخذ الاعتبار لرأي المحكمة الدستورية العليا في نصوص الدستور المراد تعديلها واختصاص المحكمة الدستورية بالرقابة على نصوص الدستور ذاته حال تعديلها، وأن تفصل المحكمة في مدى اتفاق تعديلات هذه النصوص مع مبادئ العدالة ومضمون الدستور وإنشاء إليه بين المحكمة الدستورية والبرلمان للتأكد من تعديل التشريعات التي حكم بعدم دستوريتها.

 

ليكن هذا العام هو بداية تحديد آلية لإرسال الأحكام الصادرة بعدم دستورية التشريعات إلى جهات القضاء على تنوعها وإلى نقابات المحامين، وعدم الاكتفاء بالنشر في الجريدة الرسمية لهذه الأحكام.

 

ليكن هذا العام هو عام تفعيل الرقابة القضائية السابقة على القوانين من خلال ضرورة النص على بطلان أي قانون لم يتم عرضه قسم التشريع بمجلس الدولة، وأخذ الاعتبار لرأي قسم التشريع في هذا الصدد.

 

ليكن هذا العام هو عام تفعيل دور قضاة مجلس الدولة وقضاة القضاء العادي في الإحالة إلى المحكمة الدستورية العليا، وضرورة تسبُّب الأحكام الصادرة من محكمة الموضوع في عدم جدية الدفع بعدم الدستورية وخضوعها في ذلك لرقابة محكمة النقض أو الإدارية العليا حسب الأحوال.

 

إن هذه الأحلام قد يصعب تحقيقها ما لم تتضافر الجهود في ظل الواقع الأليم الذي نحياه في مصر، ولكنها "كلمات حق في صيحة واد.. إن ذهبت اليوم مع الريح.. لقد تذهب غدًا بالأوتاد".