د. جابر قميحة

جاء في كتب اللغة:
الوَزِيرُ: حَبَأُ المَلِكِ الذي يحمل ثِقْلَه ويعينه برأْيه، وقد اسْتَوْزَرَه، وحالَتُه الوَزارةُ والوِزارَةُ، والكسر أَعلـى. (والحبأ هو جليس الملك وخاصته). ووَازَرَه على الأَمر: أَعانه وقوّاه، والأَصل آزره.
قال ابن سيده: ومن ههنا ذهب بعضهم إِلى أَن الواو في وزير بدل من الهمزة.
وفي التنزيل العزيز: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29)﴾ (طه).
قال: الوزير في اللغة اشْتقاقه من الوَزَرِ، والوَزَرُ الجبلُ الذي يعتصم به ليُنْجى من الهلاك، وكذلك وَزِيرُ الخليفة معناه الذي يعتمد على رأْيه في أُموره ويلتجئ إِليه، وقيل: قيل لوزير السلطان وَزِيرٌ لأَنه يَزِرُ عن السلطان أَثْقال ما أُسند إِليه من تدبير المملكة أَي يحمل ذلك.
قال الجوهري: الوَزِيرُ المُوازِرُ كالأَكِيلِ المواكِلِ لأَنه يحمل عنه وِزْرَه أَي ثقله، وقد اسْتُوزِرَ فلان، فهو يُوازِرُ الأَمير ويَتَوَزَّرُ له.
وفي حديث السَّقِيفة: نحن الأُمراء وأَنتم الوزراء، جمع وزير وهو الذي يُوازِرُه فيحمل عنه ما حُمِّلَه من الأَثقال، والذي يلتجئ الأَمير إِلى رأْيه وتدبيره، فهو ملجأٌ له ومَفْزَعٌ.
وَوَزَرْتُ الشيء أَزِرُه وَزْرًا أَي حملته؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (فاطر: من الآية 18)، وذكر أَبو عمرو: أَوْزَرْتُ الشيء أَحرزته، ووَزَرْتُ فلانًا أَي غلبته.
****
وشكرًا للشيخ الدكتور زقزوق وزير الأوقاف إذ دفعنا ببعض تصرفاته العجيبة الغريبة أن نبحث عن سلوكياته وزيرًا، ومن ينظر إلى هذه التصرفات يؤمن بأن نتيجتها الإخفاق الذريع كما حدث في تصرُفَيْه الإلكترونيين، ولا يهمه أن تنفق العشرات من الملايين على مشروعات مضروبة، والسبب الجوهري لذلك هو أن الشيخ الدكتور زقزوق لا يسلك خطة مبنية على أساس علمي، وعقدي سليم، ولكنه يعتمد اعتمادًا كليًّا على محاولة إثبات الوجود الذاتي، وإرضاء الكبار جدًّا، على أي حساب. ومن مظاهر سقوطه ما يأتي:
1- سقوط مشروعية الأذان الإلكتروني، والكاميرات الخفية.
2- القيام بإهدار الملايين من أموال الجوعى، والعطاشى في طبع 200 ألف نسخة من كتاب سماه "النقاب عادة، وليس عبادة"، يا سيدي يا زقزوق كنت أتمنى أن يكون كتابك بعنوان "جريمة التعري في قنوات التلفاز المصري"؛ حيث تظهر الممثلات، وكثيرات من المذيعات بالزي الفاضح، دون حياء، كنت أتمنى أن تقود حملة على هذه الإباحية المنكرة التي تفسد أخلاق الشباب مما يعف لساني عن ذكره.
ولكني أسوق إليك الخبر الآتي الذي نقلته وكالات الأنباء عن دولة غير مسلمة هي الصين، ونص الخبر: الصين تغلق 44 ألف موقع إباحي على الإنترنت: "أغلقت السلطات الصينية 44 ألف موقع إباحي على الإنترنت، وأوقفت 1868 في إطار حملة على الإباحية، ونقلت وكالة الأنباء الصينية (شينخوا) عن اجتماع شارك فيه مسئولون بوزارة الأمن العام، وقسم الدعاية في الحزب الشيوعي الصيني أنه من المقرر أن تستمر هذه الحملة حتى أيلول المقبل....".
3- التحقيق مع خمسين خطيبًا هاجموا الجدار الفولاذي: وزير الأوقاف أصدر أوامر مشددة لإدارة الشئون القانونية بمعاقبة خطباء المساجد بخصم راتب شهرين وإحالة 35 خطيبًا منهم إلى وظيفة إدارية بمديريات الأوقاف التابعة لمحافظاتهم، وعدم السماح للمعاقَبِين بإلقاء خطب الجمعة بمساجد الأوقاف نهائيًّا.
4- جعل السلطة العليا في التعيينات، والترقيات للأمن، وكأن وزارة الأوقاف شعبة من شعب وزارة الداخلية، ولم يعد سرًّا أن خطباء المساجد يجب أن تجيزهم مباحث أمن الدولة، وأن بعضهم من "المتعاونين" مع الأجهزة الأمنية العاملين لحسابها، بل قيل ذات مرة إن وزارة الأوقاف أرادت أن توظف عددًا كبيرًا من الخطباء للمساجد التي أصبحت تحت إشرافها وبالفعل تم ترشيح ألف شخص، وحين عرضت أسماؤهم على مباحث أمن الدولة اعترضت على 500 منهم، وأبلغت الأوقاف بأن لديها عددًا من "الخطباء" الذين يمكن أن يحلوا محلهم، واشترطت ألا تعقد لهم الوزارة امتحان القبول الذي يجب اجتيازه لشغل الوظيفة!!.
5- تجريح العلماء والصالحين من أبناء هذه الأمة.. ولا ننسى للشيخ الدكتور زقزوق أنه ذات يوم جمع الخطباء والأئمة وطالبهم- بحماسة وحرارة وصرامة- ألا يقلدوا في خطبهم الشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله، وتلقيت على بريدي الإلكتروني عددًا كبيرًا من رسائل الخطباء، والأئمة اجتمعت كلها على سؤال واحد خلاصته: "وهل منا من يستطيع أن يقلد هذا الشيخ العظيم في أسلوبه، وأفكاره، ونبراته الآسرة؟!!"؛ فالرجل كما شهد له علماء أفاضل من المصريين، والأجانب يمثل مدرسة تعتمد على حفظ القرآن، والعلم الموسوعي، والإلقاء الأخاذ المؤثر.
6- ولا ننسى للشيخ الدكتور زقزوق أنه شن هجومًا حادًّا على المرشحين لانتخابات رئاسة الجمهورية الذين قاموا بزيارة مكتب المرشد العام لـ"الإخوان المسلمين"، ومرشدهم محمد مهدي عاكف من أجل الحصول على "البركة" منه- على حد تعبيره-، وقال إن هذا الأمر حدث من نقيب الصحفيين، وعشرة من أعضاء مجلس النقابة.
7- وأكد زقزوق في هجومه على "الإخوان" أمام مجلس الشورى أن الإسلام لا يعرف الدولة الدينية، ولا السلطة الدينية، واصفًا أعضاء الجماعة بأنهم "فئة ذات أفكار هدامة يريدون أن يبهروا العالم بأنهم هنا لهم السطوة والقوة".
كما حمل كلام الوزير تحريضًا للأمن على مواجهة أعضاء الجماعة، وملاحقتهم، بعد أن طالب بحماية الشعب المصري مما دعاه بـ"الوباء المعروف بجماعة الإخوان المسلمين"- على حد وصفه- وقال "إن تحركاتهم الحالية ستؤدي إلى ضرب الاستثمار، والسياحة، وانتشار الفوضى بعد قفزهم على الحكم في مصر"، فالمهم عنده هو تحقيق الدخل السياحي، ولا قيمة بعد ذلك للأعراض، والقيم وكرامة الآخرين.
8- واتهم استجواب برلماني، الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف بالسماح لجهاز مباحث أمن الدولة بالسيطرة على المساجد، وقطاع الأئمة والدعاة، وتعطيل رسالتهم السامية، في اتهام هو الأحدث من نوعه ضد الوزير الذي لم ينف في تصريحاته وجود علاقة للأمن بأمور المساجد.
وتساءل النائب محسن راضي في استجوابه: "كيف تصل الأمور إلى موافقة وزير الأوقاف على قيام مباحث أمن الدولة بالسيطرة على بيوت الله التي تعد أخطر، وأكبر مؤسسة لها رسالتها التربوية، والتثقيفية، والتوعوية في مجال نشر تعاليم الإسلام، وأحكامه وآدابه"؟؟!!.
وقال: للأسف في الوقت الذي حرصت فيه وزارة الأوقاف على ضم المساجد، والزوايا للإشراف عليها حتى وصل عددها حاليًا إلى 94 ألفًا، و749 مسجدًا وزاويةً، إلا أن تدخل الأمن، وإحكام سيطرته وقبضته على المساجد، وتضييقه على الأئمة بتصرف من الوزير، والوزارة قد أدى إلى ضعف رسالة المسجد، والانحراف بها عن رسالتها التوعوية الصحيحة، وهو ما أفقد الأئمة استقلاليتهم كعلماء، ودعاة خير، ومعروف، فضاعت هيبتهم، وضعفت منزلتهم.
وأكد النائب أن الأمور وصلت في ظل سيطرة الأمن عن قيام جهاز مباحث أمن الدولة باستبعاد 800 داعية من أصل 3400 نجحوا في مسابقة الأئمة، والدعاة، التي أعلنت عنها وزارة الأوقاف في عام 2005م وتقدم لها أكثر من 18 ألف خريج بحجة الدواعي الأمنية.
9- وفي العهد الزقزوقي لا مكان لفلسطين، والمسجد الأقصى: كان خطباء الجمعة في كل المساجد يدعون الله من قبل لإنقاذ فلسطين، والمسجد الأقصى، ولكن الخطباء حاليًّا- دون استثناء- لا ينطقون كلمة واحدة عنهما، سألت بعضهم عن هذا السلوك الشاذ الغريب، فكانت الإجابة: إنها أوامر... أكل عيش يا بيه، وتأكدت أن وزير الأوقاف منع كل الخطباء من ذلك بحجة "منع الفتنة، وإثارة الجماهير".
10- وكشف النائب محسن راضي في طلب إحاطة عاجل إلى وزير الأوقاف عن قيام الوزارة بتوزيع منشور يحمل توجيهاتٍ، وأوامر مباشرة للدعاة، وأئمة المساجد؛ باستبعاد أي كتاب للإمام حسن البنا، والشيخ يوسف القرضاوي من مكتبات المساجد؛ باعتبارها كتبًا غير مرغوب فيها من قِبل وزير الأوقاف.
اتهم النائب في طلب الإحاطة وزير الأوقاف بارتكاب جريمة علمية بتوزيعه هذا المنشور؛ لمخالفته التقريرَ الصادر من مجمع البحوث الإسلامية، الذي يُوصي فيه بأهمية طباعة، ونشر كتب البنا، والقرضاوي، ومشهور؛ لما تحمله من إثراءٍ للفكر ونفعٍ للمسلمين، مؤكدًا أنه كان الأَوْلى لوزارة الأوقاف بعد تقرير اللجنة العلمية التابعة لمجمع البحوث الإسلامية أن تغرق المجتمع بمثل هذه الكتب، وتداولها بين الناس لمواجهة شتى أنواع الفساد الفكري المنتشر، سواءٌ من خلال وسائل الإعلام المرئية، أو المسموعة، أو المقروءة.
وأشار النائب في طلب الإحاطة إلى أن هناك فرقًا بين الاحتقان الدائر بين النظام، والإخوان المسلمين، وحاجة البشر إلى الفكر، والثقافة، فضلاً عن وجود إجماع بين علماء المسلمين أن الدكتور القرضاوي هو فقيه العصر، وأن واحدًا لم يختلف على شخصية الإمام حسن البنا باعتباره مجدِّدَ الإسلام في القرن العشرين.
وأكد النائب محسن راضي أن ما قام به وزير الأوقاف يؤكد أنه يتلقَّى توجيهاته من مباحث أمن الدولة، ضاربًا عرض الحائط بتوصيات مجمع البحوث الإسلامية.
****
يا سيدي يا وزير الأوقاف، ليس بيننا وبينك خصومة، ولكنك تخاصم الحق، والعدل، ومنطق العقل، وتخاصم قيمنا، ومثلنا الموروثة التي صنعت الإنسان المسلم المتكامل الذي نشر النور، والمعرفة في شتى أنحاء الأرض ابتداءً من عهد النبوة، فلما طال علينا الأمد، وتحكم فينا أناس غير جديرين بالحكم، وقيادة المسيرة الإسلامية بدأت مراحل الهبوط، والانحدار، والتبعية والضياع.
أتذكر يا سيدي يا زقزوق بيتًا لبشار بن برد نصه:
أعمى يقود بصيرًا لا أبا لكمو = قد ضل من كانت العميان تهديه
ونقول للسيد الشيخ زقزوق هلا عدت لتعريف الوزير عند اللغويين، وأن اشتقاقه جاء من كلمة الوزر؛ أي الجبل العالي، الذي يحمي الناس، ويدفع عنهم كل سوء، فالوزارة ليست مظهرية، ولكن جوهر رسالة الوزير هي حماية الناس، والعمل على تحقيق مصالحهم، ورعاية الله في المنشط والمكره، والسراء والضراء؟
هلا ذكر السيد الشيخ الدكتور زقزوق مهمة الوزير من إيحاء كتاب الله الحكيم: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34)﴾ (طه)؟.
فهذه الآيات تبرز مهمة الوزير، وهي المساعدة، وشد الأزر، والمساهمة في الشورى، والحرص على أخذ النفس بالقيم الإنسانية والدينية والخلقية.
ومن حديث يوسف عليه السلام للملك ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)﴾ (يوسف)، فعاش وزيرًا للملك يعمل على حماية الشعب من الأزمات والمجاعة، وبين أن الوزير الذي يتولى المسئولية يجب أن يتوافر فيه شرطان هما:
أ- حفظ أموال الشعب، والحرص على حمايته.
ب- الحرص على دراسة أنجع الوسائل، وأكثرها تناسبًا مع الأوضاع، والأزمات التي تجابه الشعب، والوزير، وأخذ النفس بالمعايير العلمية المنتجة.
ونقول للشيخ الدكتور زقزوق هلا كنت عادلاً مع الناس، حكيمًا في كل تصرفاتك حتى لا تظل الأوقاف بلا وزير؟!!!.
------------------
* gkomeha@gmail. com