لا خلاف على أن حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا نموذجٌ في الدولة الحديثة التي طبَّقت مبادئ الأخلاق الإسلامية دون أن تتمسك بقشوره، بل إنها التزمت بمبدأ الفعالية، مثلما فعل مهاتير محمد في ماليزيا مع فوارق مهمة؛ أبرزها ما يفرضه التاريخ، والموقع الجغرافي، وعلاقات الجوار المتشابكة مع تحالفات غربية، عسكرية وسياسية، وطموحات بعضوية النادي الأوروبي، وطموحات بدور إقليمي يتميز عن كل الأدوار الإقليمية الأخرى، التي تضيق بها المنطقة، فيما يشار إليه عادةً بالمشروع التركي، أكثر المشروعات قبولاً وترحيبًا من دول المنطقة وأكثرها نزوعًا نحو السلام والتنمية.

 

وقد تمكنت الحكومة من مواجهة ملفات حسَّاسة كانت تعوق حركتها الداخلية، مع الجيش والعلمانيين والمحكمة العليا على أساس سيادة القانون لكل مظاهر الحياة، كما تعوق حركتها الخارجية وأخطرها التحالف الإستراتيجي مع "إسرائيل" وواشنطن، وتدهور العلاقات التركية العربية، وخاصةً مع سوريا، فكانت تركيا جزءًا من التحالف الغربي الموالى لـ"إسرائيل" ضد العالم العربي، خاصةً أن تركيا هي أول دولة إسلامية اعترفت بـ"إسرائيل" منذ قيامها استنادًا إلى علمانية تركيا واندماجها حينذاك في حلف الناتو والتحالفات السياسية الغربية ضد المعسكر الشرقي.

 

وقد نجحت حكومة حزب العدالة والتنمية في السنوات الخمس الأخيرة في أن تقتحم بشجاعة كافة الملفات الساخنة والحساسة، خاصةً ملف الأرمن وملف الأكراد، وكادت تنجح نجاحًا نهائيًّا فيهما لولا تدخل المحكمة العليا في ملف الأكراد.

 

أما الملف الأرمن، فقد أقدمت الحكومة التركية على تقارب تاريخي مع جمهورية أرمينيا التي كانت جزءًا من الاتحاد السوفيتي، وناقشت بصراحة مسألة إبادة الدولة العثمانية للأرمن خلال الحرب العالمية الأولى، وهي قضية قومية عند الأرمن، بصرف النظر عن المواقف السياسية فيها، كما أنها بالغة الحساسية عند الأتراك، واتفقت الدولتان على إقامة العلاقات الدبلوماسية وتطوير العلاقات الثنائية في جميع المجالات، وبالنسبة لمأساة الأرمن تاريخيًّا فقد اتفق على أن تبحث لجنة علمية تاريخية وقائع التاريخ بالنسبة لهذه المسألة وإعادة عرضها على المستوى السياسي.

 

صحيح أن بعض أرمن المهجر لم يقنعوا بهذا الحل، وطالبوا تركيا بالاعتذار، إلا أن الحلَّ المقترَح تمَّ مع الطرف المعني، وهو جمهورية أرمينيا، وبطريقة تنسجم مع موقف تركيا التي ترى أنه قتل عددًا من الأرمن، ولكن بضع مئات وليس مليونًا ونصف المليون، حسبما تروِّج أوساط أخرى، كما أن القتل لم يكن منهجيًّا وفق خطة معنية؛ أي لم تكن النية الإجرامية متوفرةً، فجريمة الإبادة الجماعية لها ركنان؛ أولهما معنويٌّ حيث تتوفر النية في إبادة جماعية عرقية أو دينية أو سياسية معنية، وثانيهما الركن المادي، وهو إتيان أفعال تؤدي إلى حرمان أعضاء هذه الجماعة من الحياة كلها أو من مقوماتها الأساسية، أو تجعل حياتها كالعدم، سواء مثلما يحدث الآن للفلسطينيين خاصةً في غزة والقدس من جانب "إسرائيل".

 

المشكلة التي تواجه تركيا وتؤثر بالفعل في حركتها الدولية هي قيام أطراف لا علاقة لها بالقضية بإثارتها من حين لآخر، وتأكيد أن ما حدث للأرمن في الحرب العالمية الأولى كان إبادة لهم، وأن على أنقرة أن تعتذر بما يترتب على ذلك الاعتذار من تعويض عن الأضرار.

 

حدث ذلك في البرلمان الفرنسي ثم في البرلمان الكندي 2007م، وفي لجنة الشئون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، وأخيرًا في البرلمان السويدي بأغلبية صوت واحد، وانضمَّ إلى المؤيِّدين اليسار المعارض وثلاثة من أعضاء الحزب الحاكم (تكتل يمين الوسط)، في كل هذه المناسبات سحبت تركيا سفيرها احتجاجًا، وكان القرار يصدر دائمًا بالمخالفة لموقف الحكومات المعنية في كل هذه الأحوال، وكان السفير يعود إلى عمله بعد فترة قصيرة.

 

أما في حالة مجلس النواب الأمريكي فقد طلبت تركيا من واشنطن ألا يعرض القرار على المجلس بكامل هيئته، ولكن في حالة السويد سحب السفير، وألغيت زيارة أردوغان إلى إستوكهولم وأعلن وزير خارجية السويد أن القرار كان خطأً.

 

في حالة كندا والولايات المتحدة وفرنسا يمكن أن نربط التحرك بقوة اللوبي الصهيوني الغاضب على تركيا خاصةً بعد إذلال تركيا لـ"إسرائيل" المتكرر خلال العام الحالي عقب محرقة غزة، وتقاربها من إيران وسوريا وحماس ووصولها بالعلاقات مع "إسرائيل" إلى الحواف الخارجية دبلوماسيًّا وعسكريًّا وأمنيًّا وسياسيًّا.

 

معنى ذلك أن إثارة موضوع الأرمن هو رسالة من "إسرائيل" إلى تركيا بأنها تستطيع أن تجعل شعور تركيا بالأرمن كشعور الألمان والأوروبيين بالهولوكوست اليهودي في ألمانيا أثناء الحرب العالمية الثانية، خاصةً أن "إسرائيل" لها موقفٌ معلنٌ من مسألة الأرمن، تبنيه على أساس التماثل في المأساة والاضطهاد على أساس العرق؛ حيث يعتبر اليهود أنفسهم عرقًا (وليسوا أتباع دين) تمامًا كالأرمن.

 

ومعلوم أن موضوع الأرمن كان أحد أسباب إصدار الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون حينذاك نقاطه الأربع عشرة من بينها حقوق الأقليات، وأن الدفاع عن حقوق الأقليات كان المدخل الغربي للتدخل ضد الدولة العثمانية الإسلامية لصالح الأرمن، الأقلية المسيحية فيها. فهي مسألة سياسية تخفت وراء الإنسانية، ودينية لبست ثوبًا أخلاقيًّا، كما أنها جزءٌ من تاريخ انقضى لا علاقة لتركيا الحديثة به، بعد تبنِّيها العلمانية وانسلاخها عن ماضيها الإمبراطوري.