مع بروز التيار الإسلامي بوصفه تيارًا مؤثرًا على المشهد العام في البلاد العربية والإسلامية، بدأت المعارك تظهر من داخل التيار الإسلامي نفسه؛ ما ساعد على تباعد مكوناته، وبالتالي حد ذلك من قدرته على التحول إلى تيار جامع له مساره المشترك، ولكن تلك المعارك الداخلية لم تكن كلها ذات طبيعة واحدة، فبعض المعارك والاختلافات التي تحدث داخل التيار الإسلامي تمثل مرحلة تشكل الفكرة الإسلامية، وتشكل مدارسها المعاصرة، وهي تأخذ مسارها حتى تتشكل الملامح الأساسية، والمكونات المركزية للتيار الإسلامي.
وبعض المعارك والاختلافات التي حدثت داخل التيار الإسلامي ارتبطت بمواقفه واتجاهاته المختلفة من الواقع الراهن، وحيث إن الأوضاع الراهنة تمثلت في استبداد الأنظمة الحاكمة، وهيمنة القوى الغربية؛ لذا أصبح الموقف من الواقع معقدًا، واختلفت التصورات حوله بصورة كبيرة، لدرجة أن الكثير من التباين داخل التيار الإسلامي نتج من الاختلاف حول الموقف من الواقع الراهن، وكيفية التعامل معه.
ومع اختلاف الموقف من الواقع، ظهر منهج التغيير بالقوة، واضطرت الكثير من التيارات الإسلامية إلى نفي علاقتها بهذا الاتجاه، حتى لا تدفع ثمن المواجهة المسلحة، وكما اضطرت تيارات أخرى إلى بناء فاصل بينها، وبين منهج التغيير بالقوة، حتى لا يتسرب بداخلها، واضطرت تيارات أخرى إلى الدخول في معركة مع هذا التيار؛ لمنع انتشار استخدام القوة بين مختلف الفصائل الإسلامية، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج سلبية على موضع التيار الإسلامي داخل مجتمعه.
موقف الخصوم
أضيف لذلك موقف النخب الحاكمة، ثم موقف القوى الغربية، والتي حاولت تمييز مواقفها من مكونات التيار الإسلامي بما يحقق مصالحها، وبما يحدث التباعد بين مكونات التيار الإسلامي؛ حتى لا يتحول إلى تيار أغلبية سائد، وأصبح موقف القوى المهيمنة والأنظمة الحاكمة سببًا في صنع حوائط بين مكونات التيار الإسلامي، حتى تمنع تعامل تلك المكونات معًا، وهو ما ينتج عنه تعطيل عملية تطور التيار الإسلامي وتطور تصوراته وأفكاره، كما يمنع عملية التفاعل الإيجابي بين مختلف مدارس التيار الإسلامي، وبسبب تمييز الأنظمة الحاكمة بين الاتجاهات التي تعمل في المجال السياسي، وتلك التي لا تعمل في المجال السياسي، يتم وضع عراقيل تحول دون تفاعل أفكار الاتجاهات المختلفة داخل التيار الإسلامي، كما يفرض على بعض الاتجاهات التمسك بأفكار معينة، حتى لا يتغير موقف الأنظمة الحاكمة منها.
وأصبحت العلاقة بين التيارات الإسلامية تتوقف على الوضع السياسي القائم، فكلما كان النظام السياسي أكثر انفتاحًا، حدث تواصل بين التيارات الإسلامية، بما يساعد على تقريب وجهات نظرها، مع احتفاظ كل منها بتميزه، ولكن كلما كانت الأوضاع السياسية أقرب إلى الاستبداد الشامل، تعطلت عملية التفاعل الحر بين التيارات الإسلامية.
وتدخل الدول الغربية على خط العلاقة بين التيارات الإسلامية؛ حيث تبحث عن المعتدل طبقًا للمعايير الغربية؛ ما يساعد على تباين المواقف أكثر، كما يمهد للفصل بين من يصنف بوصفه معتدلاً عن غيره؛ حيث تجبر تلك التصنيفات الاتجاهات التي توصف غربيًّا بالاعتدال، على تمييز نفسها عن مجمل التيار الإسلامي، حتى تقييم الفواصل اللازمة للحفاظ على تصنيفها الغربي في خانة الاعتدال. وبالطبع فإن الاعتدال في المفهوم الغربي غير الاعتدال في المفهوم الإسلامي، فالأول يعني قبول العلمانية ولو جزئيًّا، والثاني يعني التوسط والعدل والتوازن.
عرقلة التطور
تساهم تلك العوامل معًا، في تعطيل التطور التاريخي للتيار الإسلامي، وتعطيل تبلور مدارسه الأساسية، وبالتالي تعطيل أو عرقلة تحوله إلى تيار سائد، له حركة منتظمة، رغم التباين بين فصائله؛ فقوة التيار الإسلامي تتمثل في تحوله إلى مشروع له أسس مشتركة، يتفق عليها كل المنتمين له، ثم يظهر تنوعه داخل إطار تلك الأسس، بما يشكل بداخله مدارسه وفصائله المتنوعة، والتي يحظى بعضها بأغلبية، ويمثل بعضها أقليةً، ولكن كل العوامل الخارجية تساهم في بقاء التيار الإسلامي، وكأنه جذر منعزلة؛ وشدة التحديات التي يواجهها التيار الإسلامي، تدفعه للتفرق، فينتج عن هذا تيارات إسلامية، تعمل بصورة منفردة، وهذه ليست كل المشكلة. فالمشكلة تظهر إذا عملت الفصائل الإسلامية بصورة تجعل عمل كل فصيل يعرقل من عمل الفصيل الآخر؛ بحيث تكون الحصيلة النهائية لعمل الفصائل الإسلامية، أقل من مجموع قدراتها وقواها.
فسياسات الأنظمة الحاكمة وكذلك سياسات الدول الغربية، وأيضًا الظروف المعاصرة، تجعل جزءًا من معركة التيار الإسلامي مع الواقع يتحول إلى معركة داخل التيار الإسلامي نفسه؛ ما يستنزف قواه وقدراته، ويحد من تأثيره العام، فالتيار الإسلامي يواجه أوضاعًا تحاول تقسيمه إلى تيارات متصارعة، حتى إذا تصارع المعتدل مع المتطرف، يمكن التخلص من كليهما في نهاية الأمر، وهذا أحد أهم التحديات التي تواجه التيار الإسلامي، وتشكل مسار مستقبله.
والحرب عليه توحده
وإذا كان الغرب يحاول وضع فاصل بين من يعتبره معتدلاً ومن يعتبره متطرفًا؛ فإن الأنظمة الحاكمة تحاول وضع فاصل بين من تعتبره تيارًا سياسيًّا، ومن تعتبره تيارًا غير سياسي، وهنا يظهر التعارض بين موقف الأنظمة الحاكمة، وموقف الغرب، فالغرب يقبل الاتجاه الإسلامي الذي يقبل العلمانية، ولكن الأنظمة الحاكمة ترفض تلك الاتجاهات لأنها مدعومة غربيًّا، ويمكن أن تكون بديلاً عنها، والأنظمة الحاكمة تقبل عمل التيار المتشدد ما دام لا يعمل في السياسة، ولكن الدول الغربية تعتبر الفكر المتشدد خطرًا عليها، وتعتبر انتشاره تهديدًا لمصالحها؛ من هنا يحدث التعارض بين مواقف الدول الغربية ومواقف الأنظمة الحاكمة، وهو ما ينتج عنه تحول مواقف الدول الغربية والأنظمة الحاكمة في عمومها، إلى حرب على التيار الإسلامي ككل؛ لأن الغرب لا يقبل إلا الإسلامي الذي يلتزم بالعلمانية والليبرالية، أي يقبل الإسلامي السابق، والأنظمة الحاكمة لا تقبل تأثير التيار الإسلامي على المجال العام والسياسة، لذا نجدها تواجه التيارات السياسية الإسلامية، ثم تواجه بقية التيارات غير السياسية إذا زاد تأثيرها وحضورها في المجتمع.
وهنا يصبح التيار الإسلامي كله في خندق واحد؛ حيث يعاني من عداء الأنظمة الحاكمة، وعداء الغرب له، وبهذا يتوحد الموقف الذي يواجه الحركة الإسلامية في عمومها في نهاية الأمر، ومنه تظهر العوامل المشتركة، وتتأكد المسارات المتزامنة للتيار الإسلامي، وتبرز المميزات التي تميز كل تياراته عن غيره من التيارات السياسية، ولكن هذا الوضع لا يكفي لتبلور التيار الإسلامي السائد، ولكن يمهد له.
بين التشدد والاعتدال
وفي داخل التيار الإسلامي، تظهر قضية التشدد والاعتدال داخل الفكرة الإسلامية، ويتأكد أهمية حسم العديد من القضايا الخاصة بكيفية التعامل مع الواقع، ولأن الاعتدال في مفهوم الدول الغربية يخرج عن الفكرة الإسلامية بالكامل؛ لذا يصبح التيار الإسلامي الوسطي بالنسبة للغرب وأيضًا بالنسبة للأنظمة الحاكمة عدوًا؛ لأن اعتداله هو منهج وموقف من قضايا الحياة المعاصرة؛ لتحقيق التمييز بين الثوابت والمتغيرات، وحتى يتبلور الموقف المعتدل تحتاج الحالة الإسلامية للتعامل مع الواقع بحرية، حتى تختبر مقولاتها وأفكارها تجاه الحياة العملية، ولكن الحصار المضروب حول الحركات الإسلامية يمنع لحد كبير التفاعل الحر مع المجتمع، وبالتالي يؤخر مرحلة الوصول إلى توافق داخل التيار الإسلامي حول الأسس المتفق عليها، وحول قواعد الاعتدال والوسطية.
ولكن التيار المتشدد يقوم بوظيفة أخرى، فهو أولاً يحمي أسس الفكرة الإسلامية ويمنعها من الذوبان في سياق الضغوط التي تفرض على الأمة، وهو يؤدي دورًا في عزل الأفكار المتحررة التي تخرج عن نطاق الفكرة الإسلامية؛ ما يجعل التيار المتشدد قادرًا على إقامة فواصل مضادة لتلك الفواصل التي تقيمها الدول الغربية، حيث تحاول الدول الغربية عزل من تعتبره معتدلاً عن من تعتبره متطرفًا، ولكن التيار المتشدد يقوم بوضع فواصل مضادة لذلك، حتى يفصل من يعتبره الغرب معتدلاً عن الفكرة الإسلامية برمتها.
أما التيار الوسطي المعتدل، فإنه يطرح تحديات التطبيق والتعامل مع الواقع أمام التيار المتشدد؛ ما يجعل التيار المتشدد يميل تدريجيًّا إلى الإجابة على أسئلة الواقع والتطبيق وتحديات التنفيذ، مع استمراره في التركيز على الثوابت، ولكن تلك العملية تفتح المجال أمام اكتشاف المشترك بين التيارات، وتزداد مساحة المشترك بين تلك التيارات، بسبب موقف الأنظمة الحاكمة، والتي توحد التيار الإسلامي في مواجهتها، ليس على مستوى الفعل، بل على مستوى المبدأ، وهنا يقوم التيار الوسطي بدوره في نشر مبدأ التوازن والتكامل في الفكرة الإسلامية، مؤكدًا الثوابت العامة، ومحددًا مجال الاجتهاد في المتغيرات.
ومع استمرار التيار الوسطي في الجهاد السياسي، يفتح الباب أمام توسيع منهج الإصلاح السلمي المتدرج؛ ما يجعله نهجًا منتشرًا داخل التيار الإسلامي، وبسبب موقف الأنظمة الحاكمة من الجهاد السياسي تتأكد صلابة مواقف التيار الوسطي المعتدل، ويتأكد أن اعتداله ليس عن لين، ولكن بحثًا عن الموقف المعتدل والعادل، وإصرارًا على إتباع المنهج الإصلاحي.
تقسيم العمل
ومع قيام كل مكون من مكونات التيار الإسلامي بدور مختلف عن الآخر، يظهر تقسيم العمل الضمني، والذي لا ينتج عن تخطيط، بل ينتج تلقائيًّا نتيجة التجربة المعاشة لفصائل التيار الإسلامي. فنجد من يركِّز على العمل الدعوي، ومن يركِّز على العمل العام، ومن يركِّز على الرؤية الإصلاحية الشاملة، ونجد من يدخل المجال السياسي ومن يعتبر أن ترك السياسة هو من السياسة، ورغم أن تلك التباينات تنعكس في حالة من الصراع أو المواجهة بين فصائل التيار الإسلامي أحيانًا، إلا أنها في النهاية تؤدي عمليًّا إلى نوع من تقسيم العمل، حيث يقوم كل فصيل بدور مختلف عن الآخر؛ ما يجعل التيار الإسلامي أكثر انتشارًا، كما يجعله أكثر تعبيرًا عن التباين داخل المجتمعات العربية والإسلامية، وهو ما يحول الخلاف بين فصائل التيار الإسلامي إلى تنوع داخل الحالة الإسلامية، تعكس التنوع داخل إطار الفكرة الإسلامية، والتنوع المناظر لها داخل المجتمعات العربية والإسلامية، ومع تحقيق التنوع داخل التيار الإسلامي، يصبح أكثر قربًا من تمثيل الأغلبية داخل المجتمعات.
ولكن تحدي استخدام السلاح يبقى حاضرًا، فمن الصعب التوفيق بين من يرفض استخدام السلاح في عملية الإصلاح، ومن يعتبر السلاح هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق التغيير، فمنهج التغيير بالقوة يختلف كثيرًا عن منهج الإصلاح، فالأول هو تغيير من أعلى وبالقوة، والثاني هو تغيير من أسفل وبالدعوة، ويبقى هذا التحدي مؤثرًا على التيار الإسلامي، ولكن كثرة المواجهات العسكرية التي تتعرض لها أوطان الأمة الإسلامية، وما تتعرض له من احتلال عسكري مباشر؛ تؤدي إلى صرف طاقة التغيير بالقوة نحو مواجهة الاحتلال العسكري، وهو موقف تتفق عليه كل فصائل التيار الإسلامي، ومع تزايد المواجهات المسلحة مع العدو الخارجي تقل تدريجيًّا المواجهات المسلحة مع الأنظمة الحاكمة؛ ما يقلص احتمال وقوع الفصائل المسلحة في مشكلة المواجهة المسلحة مع المجتمع أو جزء منه، بسبب تمدد مواجهتها المسلحة مع الأنظمة الحاكمة؛ ما قد يؤدي في النهاية إلى التمييز بين الجهاد المسلح في مواجهة الاحتلال العسكري، والجهاد السياسي في مواجهة الاستبداد المحلي.
ولكن هذه المرحلة لن تتحقق بسهولة، فالأنظمة المستبدة أصبحت تمثل نوعًا من الاستعمار المحلي، وهي تمثل حليفًا قويًّا للاستعمار الخارجي؛ ما يجعلها تقف في خندق العدو، وهو ما يجعل الوقوف أمامها بالسلاح من قبل الفصائل الإسلامية المسلحة أمرًا محتملاً.
ومنهج التغيير بالقوة يمكن أن يتراجع بقدر ما تنجزه مناهج الإصلاح المختلفة، فكلما أصبح الجهاد السياسي والجهاد الدعوي أداة فاعلة في حماية المجتمعات وتقويتها أمام النظم الحاكمة الخارجة عن مرجعية الأمة، تراجعت فرص استخدام السلاح في قضية الإصلاح الداخلي.
بين الصراع والتكامل
تؤدي الحالة الراهنة في مجملها إلى تحول التنوع داخل فصائل التيار الإسلامي إلى خلافات، وصراعات، ثم تحولها إلى عناصر تزيد من قوة التيار الإسلامي، ثم تحولها إلى حالة من حالات تقسيم العمل بين تيار واسع الانتشار؛ ولكن دورات تلك التحولات تتكرر، فيزداد الخلاف أحيانًا، ويقل أحيانًا، نتيجة تعقد الواقع الذي يواجهه التيار الإسلامي، فكلما حقق الجهاد المسلح انتصارًا على العدو الخارجي، زاد التقارب يبن فصائل التيار الإسلامي، وكلما حقق الجهاد السياسي نجاحًا داخليًّا، زاد التقارب بينهم، وكلما حاول الغرب والنخب التابعة له استمالة فصيل لهم حدث تقارب بين الفصائل الأخرى؛ وفي المقابل كلما تراجعت الحالة الإسلامية تحت الضغوط والحصار، زاد التباعد بين فصائل التيار الإسلامي.
وهكذا تدور دورة حياة الفصائل الإسلامية، في معركة متصلة من أجل الإصلاح والتغيير، وتتشكل حالتها تبعًا لما يحدث في المواجهة مع خصومها وأعدائها الذين يعملون على تعميق الفجوة داخل التيار الإسلامي، فتزداد خلافاته الداخلية، ثم تتحول إلى تنوع وثراء.
وتتشكل ملامح التيار الإسلامي تبعًا لما يحققه على أرض الواقع، وكأن تبلور هذا التيار وتعبيره عن الأمة وانسجام مكوناته رهن بما يحققه على أرض الواقع من إنجاز.