تفضَّلت "صوت الأمة" وأجرت حديثًا معي بمناسبة الإعلان عن رغبتي في الترشح لرئاسة الجمهورية؛ لتعزيز حركة البرادعي، وزيادة الضغوط على النظام؛ لعله يدرك تنوُّع الرسائل وتعدُّدها؛ فيتجاوب بما ينسجم مع رغبات الشعب المصري، ولكن الحديث الذي نُشر في عدد الجمعة 5 مارس الجاري كان انتقائيًّا وبهدف واحد؛ هو تحقيق الصدام مع د. البرادعي، وتحقيق الإثارة في قضية بالغة الدقة والخطورة، فبدا اللقاء وكأنه خُصِّص لمهاجمة د. البرادعي، وقد خلط الصحفي بين الدردشة غير الرسمية وما يصلح للقول، خاصةً في تقديمي للرأي العام، وإيضاح مواقفي، فكان محزنًا أن يقدمني كمناوئ للبرادعي؛ ما قد يُضعِف أملنا جميعًا في استمرار الزخم وزيادته، وهو الهدف الأساسي من إعلان الترشح والمقابلة.
ونظرًا لما أثارته هذه المقابلة من لبس وقالت ما لا أقصده، بل وأطَّلع الصحفي بعض اتباع البرادعي ممن نعتز بهم على العناوين المثيرة التي اختارها عنوانًا للمقابلة التي صدمتني قبل أن تصدم أنصار البرادعي، وأنصار حركة التغيير عمومًا.

 

لكلِّ ذلك رأيت أن أُحدد في هذه السطور موقفي القاطع من د. البرادعي، الذي أعتذر له بلا حدود، وأشجِّعه إلى أقصى حدٍّ.

 

أولاً: الدكتور البرادعي من أعلام مصر الذين نعتزُّ بهم، وقد ساقته الأقدار إلى مصر في ظروف بالغة الدقة، ولذلك كتبتُ من قبل عدة مقالات حول ظاهرة البرادعي، وقلت: إن الظاهرة لها سببان:

الأول: جمود النظام، وتوظيفه للدستور لتأييد وجوده مع انتشار فساده.

والثاني: ضيق الشعب بنظامه وفساده وحزبه، وعدم رغبته في التغيير أو السماح بتداول السلطة، مع تردي الأوضاع، فتمنَّى الشعب أيَّ قادم.

 

وبقطع النظر عمن يقف وراء موقف البرادعي فإن الحقيقة هي أنه أكبر إضافة للحركة الوطنية، بل إنه تمكَّن باتصالاته الإعلامية الدولية من نقل الأوضاع في مصر؛ لكي تصبح المسألة المصرية قضيةً دوليةً لعل تدويلها يفلح في إقناع النظام أو الضغط عليه من أجل التغيير.

 

ثانيًا: أن البرادعي وجد تجاوبًا فائقًا لهذه الأسباب؛ ليس لأنه بذاته بطلٌ، بل لأن من يدفع نحو التغيير وينجح فيه هو المستحق للبطولة، ولذلك قلت: إنه يكفيه هذا القدر من الحراك.

 

ثالثًا: إنني عندما أعلنت استعدادي للترشح لرئاسة الجمهورية، فإنني أدرك سلفًا أنه لا منافسة معه أو مع غيره؛ لأننا جميعًا خارج دائرة الفعل، ما دام النظام رافضًا خلق الظروف المناسبة، ونصب الحلقة التي يتنافس عليها المرشحون، وقد رأيت أن تتنوَّع المنابر لعل في ذلك زيادةً في قوة الرسائل لنظامنا بأن الكل يجمع على التغيير وقد يختلفون فيما وراء ذلك.

 

ولذلك فإن من تسرَّعوا في إطلاق الحكم- بأن كل من يهاجم البرادعي عميلٌ للنظام- يدركون أيضًا أن المجال لا يسمح بأي هجوم، فكلنا في مركب واحد، وأرجو ألا تَترك العبارات التي نسبت إليَّ شيئًا في نفس د. البرادعي، بل إنني من أشدِّ مشجِّعيه على دقِّ أبواب التغيير، وبغير هذا التغيير لن يكون بوسع أحدٍ أن يدخل إلى أي ساحة عامة، ولو كان البرادعي بوسعه أن يغيِّر وحده لما كنت بحاجة إلى عناء النزول إلى هذه الساحة.

 

أمَّا ما يتعلق بالطابع الديني أو العلماني للمرشحين فموقفي معروفٌ وواردٌ بوضوح في المقابلة، وهو أن الدين والإيمان والكفر علاقة خاصة بين الإنسان وخالقه، ولا يهمُّني منه سوى الإحسان إلى وطنه، ولذلك يتفاضل الناس بقدر ما يقدمونه لشعوبهم وأوطانهم.

 

وأخيرًا، فإذا كان الإعلان عن رغبتي في الترشح هو الدعوة إلى المناظرة بين النظام والمرشحين، وبين المرشحين أنفسهم؛ فإنَّ الهدف الأساسي هو تثقيف المجتمع ورفع وعيه؛ حتى يكون قادرًا على الاختيار في صناديق شفافة وحرَّة، لا يحول بينه وبين مرشحه حائل، ولذلك أؤكد مرةً أخرى أنني أطالب بكل ما يطالب به البرادعي، ودعم الحركة الوطنية، وأُدِين كلَّ إساءة إلى أيِّ مواطن، أيًّا كان موقعه، فنحن بحاجة إلى الجميع، وليس إلى التنابذ فنفشل وتذهب ريحنا جميعًا، ويبقي الوضع والمعاناة والضغوط.