الصورة غير متاحة

 د. إيهاب فؤاد

 

هل بدأت الحرب على الإخوان مبكرًا؟!

سؤال يلحُّ على الكثير من المفكرين، والكتاب في وقت تتناثر فيه الأوهام، وتتشدق فيه بعض الأقلام الخبيثة بالهدنة مع النظام حينًا، وبمحاولة إشعال فتيل الأزمة حينًا آخر، أم أنَّ أوان تصفية الحساب قد بدأ؟ لقد ضرب الإخوان مثلاً راقيًا في الديمقراطية حين تخلى فضيلة المرشد السابق الأستاذ محمد المهدي عاكف عن منصبه طواعية، وهو في كامل لياقته السياسية والبدنية ليفسح المجال لمن يحملون الراية من بعده، رافضًا كل محاولات إثنائه عن قراره، ولعل ذلك أغاظ إلى حد كبير القابعين على كرسي السلطة منذ تفتحت أعيننا على الحياة، ولعل ذلك أحرج النظام أيضًا، فمثل هذه الممارسات غريبة على النظام فنحن لا نرى ولا نسمع سوى وجهًا واحدًا، لم نعرف للحوار لغة بل لغة العصا الغليظة، ولعلَّ الغريب في الأمر التبجح باسم الديمقراطية والحرية، والمشهد متكرر، والسيناريو محفوظ، تلفيق القضايا الواهية، وفبركة المحاضر، ويقول القضاء النزيه كلمته ثم يخرج الأحرار كعادتهم، وما زلتُ أتساءل: لمصلحة من تلك الهجمة على رموز، وقادة الأمة؟ من المستفيد؟ هل يعد ذلك من قبيل الاستعداد للانتخابات البرلمانية النزيهة كعهدنا بها على مر العصور؟

 

إن كل بيت غُيِّبَ ربه بسبب الاعتقال به أطفال يرفعون أكفة الضراعة إلى الله، دعوات مظلومين أقسم الله جل وعلا لينصرنها ولو بعد حين، وآباء وأمهات مكلومون في أبنائهم الذين لم يقدموا سوى الخير للناس، ينبذون العنف، يلتحفون بالسنة، ويتدثرون بجميل آي الرحمن، ويفترشون العطاء، وهم لا ينتظرون ثناء من أحد من الناس، القيادة في عرفهم مغرم لا مغنم، ومع هذا يحتسبون عند الله فتلك ضريبة الدعوات الصادقة التي تؤرق الطغاة، وتزلزل عروش المتشدقين بالديمقراطية العرجاء، الوزراء فوق القانون، أعضاء الحزب الحاكم فوق المساءلة، أسود على أبناء الحركة الراشدة، ونعام على اللصوص والمتاجرين في أقوات الشعب، ودماء الشعب، يخرج اللصوص في أمان ويبيت الشرفاء قيد السجن، وغياهبه ولا نعرف سببًا منطقيًّا أو رؤيا حكيمة لذلك، ألم يكن أولى بكم أن توحدوا الصف، وتجمعوا الكلمة في وقت مصر أحوج فيه ما تكون إلى جهد أبنائها المخلصين؟

 

لماذا تهابون الحوار وتحتمون بالسلطان الزائل؟

إنَّ التاريخ لن يرحم أحدًا، وإن الشرفاء من أبناء هذه الأمة سيكشفون العوار، ويهتكون ستر الخطة التي ترمي إلى تكميم الأفواه، وقصف الأقلام حتى يتم سيناريو التوريث المرتقب لكن هيهات!

 

ستطاردكم دعوات المظلومين في جوف الليل، وصرخات الأطفال، وسيقض مضاجعكم كوابيس الظلم مهما علا صوتكم وانتفش، لن يبقى في الأرض إلا ما ينفع الناس، قال تعالى في محكم كتابه ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ﴾ (الرعد: من الآية 17).

 

فصبرًا يا دعاة الخير، ويا قادة الأمة فقد قرب الفجر ولاح نور التمكين، فالصبر يعقبه فرج قريب، ودعوني أهمس في أذن كل متحمس مكلوم لما آل إليه حال الأمة، ولكل من يطالب بتغيير النهج والسياسة، وأذكركم بهذه القواعد الثابتة:

السنن الكونية

إن سنة الله الجارية، والتي لا تتغير واضحة في محكم كتابه حيث يقول سبحانه:

﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: من الآية 40)، ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ﴾ (الرعد: من الآية 17).

 

إنَّ الطريق واضح المعالم، وإنَّ السبيل لا يختلف اثنان على أنه مليء بالأشواك التي تدمي، ليست الورود ولا الرياحين، فالابتلاء سنة كونية يمحص الله تعالى بها الصف، إنها كالنار التي تنفي عن الحديد خبثه، فليكن توطين النفس على ذلك دون أن نتمناه، هذا هو الطريق، على السالك أن يدرك موضع قدمه فهو يرتقي إلى مرتبة عالية، في الحديث عَنْ سَعْدِ بْنِ أّبِي وّقَّاصٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: "الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ" صححه الألباني (المشكاة، رقم 1562). قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي": "بَلاءً (أَيْ مِحْنَةً وَمُصِيبَةً) قَالَ الأَنْبِيَاءُ) أَيْ هُمْ أَشَدُّ فِي الِابْتِلاءِ لأَنَّهُمْ يَتَلَذَّذُونَ بِالْبَلاءِ كَمَا يَتَلَذَّذُ غَيْرُهُمْ بِالنَّعْمَاءِ, وَلأَنَّ مَنْ كَانَ أَشَدَّ بَلاءً كَانَ أَشَدَّ تَضَرُّعًا وَالْتِجَاءً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ )قَالَ اِبْنُ الْمَلَكِ: أَيْ الأَشْرَفُ فَالأَشْرَفُ وَالأَعْلَى فَالأَعْلَى رُتْبَةً وَمَنْزِلَةً. يَعْنِي مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى اللَّهِ بَلاؤُهُ أَشَدُّ لِيَكُونَ ثَوَابُهُ أَكْثَرَ، قَوْلُهُ: يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ) أَيْ مِقْدَارِهِ ضَعْفًا وَقُوَّةً وَنَقْصًا وَكَمَالاً).

 

الثبات طريق النصر والتمكين

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ (27)﴾ (إبراهيم). ولأمر ما يريد الله أن يوجه الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل المؤمنين الصادقين من بعده ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (43)وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44)﴾ (الزخرف).

 

الأمل

إن الضربات المتلاحقة ترمي إلى بث روح اليأس في قلوب أصحاب هذه الدعوة والعمل المناسب والطريق الأمثل لمواجهة هذه الهجمات هو التذرع بالأمل الذي هو أصل في عقيدة المسلم، يقول الأستاذ البنا- رحمه الله- في رسالته نحو النور: "تحتاج الأمة الناهضة إلى الأمل الواسع الفسيح، وقد أمدَّ القرآن أممه بهذا الشعور بأسلوب يُخرج من الأمة الميتة أمةً، كلها حياة وهمة وأمل وعزْم، وحسبك أنه يجعل اليأس سبيلاً إلى الكفر، والقنوط من مظاهر الضلال، يقول تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)﴾ (القصص)، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2)﴾ (الحشر)، وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ (9)﴾ (البقرة).

 

وحدة الصف

حين تنزل المحن تكون وحدة الصف سبيلاً قويًّا لرد المحن ودفعها ومرورها فالصف أحوج ما يكون إلى تقوية أركانه والتمسك بحبل الله المتين، والاعتصام بكتابه حتى تمر بسلام.

 

يقول الأستاذ البنا رحمه الله تعالى: أريد بالأخوة أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة والعقيدة أوثق الروابط وأعلاها والأخوة أخوة الإيمان والتفرق أخو الكفر، وأول القوة قوة الوحدة، ولا وحدة بغير حب، وأول الحب سلامة الصدر، وأعلاه مرتبة الإيثار ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: من الآية 9).

 

تجديد الثقة

إن الثقة من العوامل اللازمة للأفراد لتجتمع كلمتهم، ولا تختلف قلوبهم، وللقيادة ليقوى ركنها، وللمنهج الرباني ليثبت في القلوب، وللمجتمع بأسره ليدحض محاولات الهدم، ولعلَّ أوضح مثال في الثقة في القائد، والمنهج والطريق يوم حاول المشركون أن يستميلوا الصديق رضي الله عنه في أمر الإسراء فكان الجواب الذي لا يحتمل تأويلاً، والرد الذي لا يحتمل غير تفسير واحد ألا وهو الثقة، (إن كان قال فقد صدق)، لأنه يثق في قائده ويثق في منهجه، فلتكن الثقة رسولاً لأصحاب الطريق تحبط بها كل محاولات التشكيك.