كنت في نوبتجية بالمستشفى، وقد أخذ التعب مني مأخذه، فالعمل بالرعاية المركزة لجراحة قلب الأطفال عمل مضنٍ، وأخذت دقائق لراحة الذهن، وقد قارب الوقت على الثلث الأخير من الليل، وكالعادة فتحت الإنترنت وتصفحت رسائلي، وإذا بردٍ من الدكتور عبد الرحمن البر أستاذ الحديث، وعضو مكتب الإرشاد على رسالة أرسلتها لأحبائي حول القصيدة الأخيرة لي، والمفاجأة أن الرجل ينقد نقد العالم الأديب، وكلماته تحمل كل الفقه، والخير، والعلم، توقفت قليلاً مع نفسي، هذا الرجل عالم، وأديب، وداعية من طراز فريد فهو قامة سامقة، وقامة شامخة- هكذا أصحاب العلم- وأعلم كم هو منشغل بأعباء الدعوة، والتي زادت لا محالة بانتخابه عضو بمكتب إرشاد الجماعة المباركة.
جاءتني تلك الخواطر فقلت جزاه الله كل الخير، واستكملت ليلتي بالعمل، وانصرفت صباحًا، وعند وصولي للمنزل أخبرتني زوجتي بخبر اعتقال الدكتور عبد الرحمن البر، ومجموعة من أفاضل الإخوان على رأسهم الدكتور محمود عزت، والدكتور عصام العريان، وفتحت الإنترنت لأجد أحد الشباب المتحمس يتحادث معي قائلاً: لماذا نحن صامتون والاعتقال مستمر؟ فكتبت له: أنا متعب جدًّا، وسأنام، وأستيقظ لأمارس دعوتي كعادتي يوميًّا، وهذا أفضل رد على القابضين على عنق هذه الأمة، فقال لي كيف؟ بكل هذه البساطة؟، فقلت نعم هذا فهمي لدعوتي.
مقدمة طويلة، ولكن أحتاج أن أوضح نقطتين مهمتين جدًّا- حسب اعتقادي-، النقطة الأولى من ناحية شباب الجماعة المباركة. علينا أيها الإخوان أن نعي حقيقة دعوتنا، أليست هي دعوة الله وهي دعوة الحق؟ أليست هي هي ما سار عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟، أليست هي مَن تمسك بها، ودافع عنها، وتحمَّل من أجلها الصحابة الكرام أشد أنواع العذاب، وآلام ابتلاءات متعددة الأشكال؟، أليست هي هي؟؟؟، أقول فلِمَ الجزع؟!!!، نحن نسير في طريق نعرف أنه طريق النبي صلى الله عليه وسلم، نفس الأهداف والمستهدفات ولا تغيير في الإستراتيجيات والوسائل، وسنواجه ما واجهه أصحاب الدعوات، والسؤال هل نحن مستعدون لمواجهة التحديات؟ هل حققنا الربانية في أنفسنا؟ هل نحن قوم نبتكر لنصرة دعوة الله بما يقلل من الآثار السلبية للهجمة البوليسية على دعوتنا، فلنعمل ولا ننظر لعوائق، وتحديات نعلم أن الله معنا وسنتخطاها.
أما النقطة الثانية: من ناحية النظام الحاكم فأقول: مهلاً يا من تدّعي أنك تحب الوطن، وتصرخ أنك تحافظ على أمن البلد، يا مَن تنهال على معارضيك سجنًا وقذفًا واتهامًا بالعمالة حينًا، وعدم الوطنية أحيانًا أخرى، مهلاً، توقف قليلاً، وأسأل نفسك سؤالاً: إلى متى ستصمد في مواجهة معارضيك؟ عام أم عشرة أعوام؟، أنت إلى زوال وأنت تعرف ذلك، وأن كنت تحاول إيهام نفسك بغير ذلك، فلك في التاريخ عبر توقف قليلاً، واقرأ التاريخ، وإلى متى ستستمر بقوتك، وبطشك تذيق أصحاب الرأي السجن والاعتقال والمصادرة؟ هل تستمر القوة؟، هيهات انظر لنفسك، لقد هرمت وضعفت وترهلت منك العضلات، وإن كانت قواتك تمنحك شعورًا زائفًا بالقوة، فاعلم أن أفرادها من أبناء الشعب فكلما تقسو على الشعب، فأنت تقسو على آبائهم وأمهاتهم فمن أين يأتيك الأمان؟.
وإن كان من حولك من أصحاب المصالح والأهواء يمنحون إحساسًا بالمنعة فلك أن تعرف أنهم متلونون، اليوم معك وغدًا مع من يقود، وإذا كانت هذه الأسئلة الموجهة إليك أيها النظام لا تكفي فدعني أسألك سؤالاً: ماذا نطلق على مَن يعتقل العلماء والأطباء وأساتذة الجامعات وإذا كانوا ينتمون إلى جماعة هكذا أفرادها؟ هل نطلق عليك صفة "محارب العلم والعلماء"؟ أم أن إحساسًا بالدونية يستدعي هذا الفعل المشين؟
أيها النظام، استحلفك بالله، استحلفك بالوطن، استحلفك بكل ما هو عظيم في عينيك، أن تحافظ على الوطن، وأن ترتقي في تعاملك مع أبنائه، فأنت بدونهم لا تساوي، وبهم أنت كل شيء، حاورهم، كرّم علماءهم، استمع لمن يعارضك الرأي، اقترب من رؤاهم، لا تترك لعنتك على ألسنتهم، ولا تبتعد عنهم فيبتعدون عنك، لا تفضل جانب الأعداء فهم أعداء، ولن تتغير صفتهم، ولن تأمن مكرهم. انظر قليلاً للوراء، أنت أنت من حاربهم ألا تذكر؟ أنت من تعرف ما فعلوا بجنود الوطن في حرب 67؟
إذا قدمت لهم الإخوان قربانًا فلن ينفعوك، وإذا تقربت للقوى العظمى بفتكك واعتقالاتك لرموز الإخوان فأي مصير تتوقع، كم من أنظمة باعت نفسها لهم فباعوها بأبخس الأثمان. أذكرك أن العلماء والأطباء وأساتذة الجامعات الذين اعتقلتهم راضون بابتلاء الله لهم فلا تكن في صف مَن يمهلهم الله، فكلنا سنلتقيه ويحاسبنا على كل شيء.
وإذا اعتقلتم جميع الإخوان فهل ستتوقف دعوة الله؟، ستعيش دعوة الله وسيحكم الحق، ويزول الباطل لا محالة، واعتقال قادتنا اليوم هو في ميزان حسناتهم، وأيضًا في ميزان سيئاتكم.. كل يعمل على شاكلته.