فسدت المقدمات فاعتلّت النتائج.. قد تكون هذه هي الخلاصة الدقيقة لما أقدم عليه الأستاذ صلاح عيسى، رئيس تحرير جريدة "القاهرة"، التي تصدرها وزارة الثقافة، في تقديمه وتفسيره نصًا منسوبًا إلى المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمد بديع، ينصب على تحقيق أُجري معه بمبنى السجن الحربي على خلفية اتهامه في القضية رقم ١٢ أمن دولة عليا لسنة ١٩٦٥م والمعروفة باسم "قضية سيد قطب".

 

ولا يستقر في يقين أي باحث منصف أن تقديم مثل هذه "الوثيقة" وشرحها، عمل منزه عن الهوى، لا يروم إلا للحقيقة العلمية الخالصة؛ إذ إن تزامن النشر مع الحملة الأمنية الجديدة لملاحقة الإخوان، التي انطلقت في ركابها أبواق إعلامية لتشويه صورتهم، وإحالة قيادتهم الجديدة ورجال الصف الذي يليها إلى القطبية في التفكير، وإلى التنظيم الخاص في التدبير، يفتح بابًا واسعًا للتشكيك في متن الوثيقة، فإن ثبتت صحتها، سينسحب الشك، لا محالة، على الشرح الذي رافقها، والذي عانى من خلل نسبي على مستوى الشكل والمضمون.

 

فشكلاً، يقول صلاح عيسى: "عثرت على هذه الوثيقة النادرة" من دون أن يوضح لنا أين عثر عليها، وهو الرجل المعروف باحتفائه الشديد بالوثائق، وحرصه على أن يسرد على قرائه كل ما يتعلق بها، حسبما جاء، مثلاً، في مقدمة كتابه "دستور في القمامة"، الذي حقق فيه مسودة دستور ١٩٥٤ الذي لم ير النور.

 

ووفق ما ورد في الكتاب فإن عيسى ادَّعى أنه عثر على تلك المسودة مهملة في أضابير يكسوها غبار كثيف بأرشيف "معهد البحوث والدراسات العربية"، بينما الحقيقة أنه سمع عن وجودها في المعهد فطلبها من مديره أستاذنا الدكتور أحمد يوسف أحمد، فأرسل صورة منها إلى مكتب عيسى في جريدة "القاهرة".

 

وتلك الواقعة قد تفيد- بالتبعية- كل من يريد أن يتعقب الطريقة التي حصل بها عيسى على وثيقة التحقيق مع بديع، أو أي وثائق أخرى لكاتب لم يزل قادرًا على الاستفادة من المنهج الذي تعلمه وألفه، حين كان يعمل في مطلع حياته إخصائيًّا اجتماعيًّا بقرية ترسا، محافظة القليوبية، ثم أصبح مؤرخًا مشهودًا له، قبل أن يصل إلى محطته الحالية.

 

وبالطبع، لا يمكنني وأنا في هذا المقام أن أقطع بأن جهةً ما أمدت عيسى بالوثيقة؛ فالرجل معروف بميزة نسبية ومهارة ملموسة في جمع الوثائق وتحليلها، كما لا يمكنني أن أقطع بأن المادة التي نُشرت في صحيفة "المصري اليوم" أُعدت عقب اختيار بديع مرشدًا للإخوان، لكن هذا لا يمنع من مسئولية الكاتب عن اختيار التوقيت، ولا يفي ما ساقه من تبريرات وشروح من أن يتم تأويله على محامل غير علمية، أو يُفسر في إطار موقع عيسى الآن من النظام السياسي الحاكم، وهي مسألة يقترب هو منها حين يقول: "كان الاهتمام المبالغ فيه بقطبية المرشد العام الجديد، هو الذي دفعني للعودة إلى ملفات القضية..".

 

فإن تركنا طريقة الحصول على الوثيقة، ودخلنا مباشرة إلى أسلوب التحليل ومسارات الاستدلال؛ سنجد عوارًا غير خافٍ على من يمتثل للمنهج العلمي في التفكير؛ فشرح الوثيقة لم يراع السياق الذي تم إنتاجها في ظله، ولم يشر إلى الوطأة الثقيلة التي تركها هذا السياق على طريقة عمل القضاء، وهي مسألة يدركها عيسى بقدر كافٍ؛ إذ إنه واحد من الذين دفعوا ثمن تغول السلطة التنفيذية على القضائية، وأفاعيل "القضاء الاستثنائي" أيام حكم الرئيس عبد الناصر، وهي آفة مستمرة إلى الآن بطريقة مختلفة، وإن كانت قد تفادت اليسار بعد تراجعه، وإلحاق بعض رموزه وتنظيماته بالسلطة، فإن قصدها التنكيل بالإخوان لم يتراخ يومًا في عهد الرئيس حسني مبارك.

 

ولم ينطو تحقيق الوثيقة على توازن، فعيسى حرص على سرد سير ذاتية مختصرة لكل الشخصيات الإخوانية التي ورد ذكرها، وهو أمر يُحمد له، لكن كان من الضروري أن يعرفنا- بالقدر ذاته- سير آخرين وردت بالوثيقة، ومنهم محمد وجيه قناوي، وكيل نيابة أمن الدولة العليا المنتدب، ومحمد حسين عثمان، سكرتير التحقيق.

 

وهذا قد يبدو في نظر البعض مسألة هامشية، لكنه في الحقيقة جزء من جوهر الموضوع، وإلا ما كان المثقفون قد اعتنوا بشرح الخلفية الثقافية لمحمد نور، وكيل النيابة، الذي حقق في قضية كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين.

 

وكان من اللازم أيضًا أن يورد عيسى في بنود تحقيق الوثيقة أو في تفسيره لها معلومات عن "مباحث أمن الدولة" و"المباحث الجنائية العسكرية" و"الشرطة العسكرية" و"السجن الحربي" أيام قضية "سيد قطب"؛ لنعرف على وجه اليقين كيف تم انتزاع هذا الاعتراف من بديع، وهي مسألة وصفها عيسى نفسه بأنها "استنطاق"، لكنه لم يعن برصد ما حدث قبل هذا الاستنطاق، وما إذا كان قد تم تحت وطأة التعذيب الوحشي أم لا، واكتفى بطرح الموضوع وكأنه غير قابل للتشكيك، وهي مسألة تحتاج إلى مراجعة، إن عرفنا أن السلطة وقتها كانت تلفق الاتهامات، وأن الأمر قد وصل بها إلى حد قتل بعض المعتقلين داخل السجون، ثم تسجيلهم "هروب" في "دفتر الأحوال".

 

وكانت الشرطة، إمعانًا في حبك التمثيلية، تهاجم قرى أو بيوت منْ قضوا نحبهم من فرط التعذيب، وتقبض على ذويهم؛ بتهمة التستر على مجرمين هاربين، وفي الوقت نفسه كانت بعض التحقيقات يتم تسويدها بمعرفة رجال السلطة، وتُمهر بتوقيع المعتقل، وهي مسألة ذكرتها عشرات الشهادات والسير الذاتية والروايات التي فضحت ممارسات هذه المرحلة، وسنجد ظلالاً لذلك في كتب صلاح عيسى نفسه ومقالاته أيام زمان.

 

أما المضمون فقد عمد عيسى إلى رسم صورتين لمحمد بديع، الأولى: أنه قطبي التفكير، والثانية: أنه رجل منقاد وخائر الإرادة، فأما الأولى فهي صحيحة من حيث المنشأ، ولا مجال للتنطع بأن أفكار سيد قطب لم تؤثر على فريق من الإخوان، وأنها قد مُحيت بمجرد ظهور كتاب "دعاة لا قضاة" للمرشد الثاني المستشار حسن الهضيبي، لكن ليس من الإنصاف أن تلصق صورة بالرجل بقية حياته، وهي مسألة لم ينكرها الكاتب نفسه حين قال: "ربما لا يكون منصفًا للرجل أن نفترض أن شخصيته وأفكاره لم يلحقهما تغيير خلال الأعوام الخمسة والأربعين، التي تفصل بين إجراء هذا التحقيق وتوليه منصب المرشد العام"، لكنه يعود فيقول: "من غير المنصف للتاريخ أن نفترض أن أفكار وخبرة محمد بديع الشاب قد مضت دون أن تترك أثرًا على شخصيته وأفكاره.. وكان ذلك ما دفعنا إلى نشر هذه الوثيقة من ذلك الزمن"!، وفي هذا مصادرة على حق أي إنسان في مراجعة نفسه، أو بناء قطيعة معرفية مع أفكاره السابقة إن ثبت له خطؤها، ومن ثم لا يمكن النظر إلى بديع بأنه رجل له ماض يطارده.

 

ويأتي نص التحقيق نفسه ليبين أن تفاعل بديع بأفكار سيد قطب ظل منذ البداية عند المستوى النظرى؛ إذ يمكن أن يكون قد خلب لُبه سحر لغة قطب وبيانه ووثوقية ودوجمائية الخطاب الذي يطرحه، لكن الرجل حين طلب منه أن يترجم هذه الأفكار إلى عمل عنيف في الواقع رفض، ولم يذهب إلى موعد لتلقي تعليمات حول تنفيذ عملية ضد الحكومة ردًّا على حركة الاعتقالات في صفوف الإخوان، وها هو يقول: "بدأت أفكر أن هذا العمل طائش، ويتنافى مع ما كانوا يقولون من قبل من أن الطريق لتحكيم القرآن هو إنشاء جيل مسلم".

 

أما الصورة الجديدة التي ظهر عليها بديع عقب اختياره، فدلت على انفتاحه وتعقله وإيمانه بالعمل السياسي السلمي والمدني، اللهم إن كان من حق الباحثين أن يحكموا على النوايا والطوايا فيقولوا إن الرجل "إرهابي متخفٍ" كما تحاول أن تسوق بعض الصحف والمجلات الحكومية.

 

أما تصويره على أنه رجل ضعيف، فهذا حكم ساقه عيسى نفسه حين وصف بديع بأنه "نموذج للكادر السياسي الأشبه بالروبوت، فهو يتلقى الأفكار ويؤمن بها من دون مناقشة.. ويتلقى التعليمات وينفذها دون سؤال عن احتمالات النجاح والفشل، وصواب التعليمات، أو حتى موافقتها لأحكام الشريعة"، والكلام المنسوب إلى بديع سابقًا ينفي عنه هذا الوصف.

 

كما يُستَفاد من التحقيق نفسه، في جملته وتفاصيله، أن بديع كان يجيد المناورة والمرواغة، ويستخدم فطنته وثقافته في صنع ردود محكمة على الأسئلة الموجهة إليه. وهذا بالطبع إن افترضنا أن الوثيقة صحيحة تمامًا.

 

إن نقد الإخوان فكرًا ومسلكًا، فرض عين على كل من يروم إصلاحًا سياسيًّا لمصر، لكن الكتابة الساخرة والمتهكمة أو تلك التي تعرض بهم وتسوقها تعليمات الأمن لا مقتضيات الضمائر، وتجنح عما يفرضه المنهج العلمي على صاحبه من استقامة، تصب في صالح الإخوان في نهاية المطاف؛ لأنها تمنحهم تعاطفًا لا يستحقونه، وتكسبهم أرضًا ليست لهم، وفي الوقت نفسه تفيد السلطة في محاولتها خلق وتضخيم "فزاعة" الإخوان؛ لتجد تبريرًا لاستمرار العمل بالقوانين الاستثنائية وتقييد الحركة المدنية وتمويت الحياة السياسية، وإعلاء الفساد والاستبداد، وإبقاء مصر محشورة بين الحزب الوطني والإخوان، وكلاهما لا يملك حلاً ناجزًا يخرج البلاد مما انحدرت إليه من تدهور وتخلف.

---------------

* (المصري اليوم) بتاريخ 27/2/2010م