الصورة غير متاحة

 د. حلمي محمد القاعود

تقوم فلسفة الموساد على الاستباحة لكل من يخالف اليهود أو يقاومهم أو يواجههم أو يقف في طريق تحقيق أهدافهم، وكانت هذه الاستباحة- ولم تزل- منهجًا عامًّا يعمل به اليهود الغزاة في فلسطين المحتلة منذ بدءوا في سفك الدماء الفلسطينية والعربية لاحتلال فلسطين وتهويدها، والاستباحة ليست منهجًا جديدًا على اليهود، بل هو منهج قديم ارتبط بالوجود التاريخي لليهود القدامى، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)﴾ (آل عمران).

 

وفي العصور المتأخرة أطلقوا على غير اليهود مسمَّى "الجوييم" أي: الأغيار الذين يجوز استباحتهم في كل شيء، انطلاقًا من مقولات وردت في التوراة تحض على القتل وسفك الدماء مع المدن المعادية أو التي يرونها كذلك.. انظر مثلاً السفر السادس من التوراة، وهو سفر "يشوع"؛ لترى فيه كيف استعان نبي الله يشوع بن نون- من وجهة نظرهم- بامرأة عاهرة تدعى رحاب لدخول مدينة، وقتل كل من فيها من الرجال والنساء والأطفال، وشق بطون الحوامل وإهلاك الحيوانات والنباتات؛ حتى لم يبقَ فيها أثرٌ لحيٍّ، باستثناء العاهرة التي قادت جيش "يشوع" إلى أبواب المدينة وأسرارها؛ حتى استطاع فتحها!.

 

هذا إذًا هو التراث الفكري في منهج الاستباحة اليهودي الذي يرتكز عليه الموساد الصهيوني منذ نشأته رسميًّا في جيش اليهود القتلة، وإن كان تأسيسه الحقيقي قبل ذلك قد بدأ مع العصابات اليهودية الدموية المجرمة، وهي تقتل الفلسطينيين وتطردهم من بيوتهم وقراهم ومدنهم، وتشرِّدهم في أرجاء الأرض، ومذكرات قادتهم القتلة حافلة بحوادث وقصص لا حصر لها في التجسس والرشوة والغدر.. تأمل مثلاً مذكرات "مناحيم بيجين"، وتوقف عند تخطيطه لنسف فندق الملك داود بالقدس وتفجيره على من فيه، وغير هذا من الأحداث!!.

 

إن العمل في الظلام لسفك الدماء لن يتوقف في الكيان الصهيوني إلا بوقفة حقيقية ضد جهاز الموساد الدموي، الذي غطَّت يداه دماء أبناء الأمة الطاهرة، وأبناء الأجانب البريئة، وأعتقد أن المعاملة بالمثل في هذا السياق عمل مشروع، فهم الذين يرددون دائمًا: العين بالعين، والسن بالسن، مع أنهم غزاة ومعتدون، ولم يجلبهم العرب أو الفلسطينيون من أرجاء الأرض لمقاتلتهم في فلسطين.. لقد جاءوا من كلِّ بلاد الأرض، واعتدوا على أصحاب الأرض الفلسطينية، وذبحوا أهلها بلا رحمة، وشرَّدوهم، ومع هذا إذا قاومهم أهل فلسطين- والمقاومة حق مشروع بقوانين الشرع والأخلاق والقانون الدولي- زأروا وقالوا: العين بالعين، والسن بالسن!.

 

لقد فجَّر اغتيال الشهيد محمود عبد الرءوف المبحوح من منظمة حماس الإسلامية ضرورة مقاومة جهاز الموساد الدموي، بأساليبه ومنهجه ومنطقه، وأعتقد أنه آن الأوان ليقوم المخلصون في كل مكان عربي، وهم يملكون كثيرًا من الخبرات والإمكانات والتقنيات التي توقف هذا الجهاز الإرهابي الشرير، وتَصُدّه عن جرائمه ضد العلماء والمقاومين والزعماء، وأذهب إلى أبعد من ذلك حين أقول: إن المخلصين من مجاهدي الأمة قادرون على تصفيته، وبثّ الرعب في قلوب أعضائه وأذرعته، وهذا أول الطريق لقهر الكيان الصهيوني.

 

وإذا كان الموساد استطاع أن يغتال الشهيد المبحوح، فإنه لأول مرة لم يستطِع أن يطهر آثار جريمته؛ لأن إمارة دبي الصغيرة استطاعت بالتقنية الحديثة أن تكشف آثار القتلة، والجوازات المزورة التي دخلوا بها، وأيضًا العناصر الفلسطينية الخائنة التي أفادت المجرمين في عملية الاغتيال.

 

ولأول مرة نجد الاتحاد الأوروبي يستدعي وزير خارجية القتلة، ويستجوبه في لقاء مطول، ويصدر بيانًا يستهجن فيه استخدام جوازات أوروبية في مثل هذه المهمات القذرة.. صحيح أننا لا نأمل في أوروبا والغرب خيرًا، أو القيام بوقفة حازمة ضد الكيان الصهيوني وأجهزة القتل فيه، بل نوقن أن الغرب بقيادة الولايات المتحدة يتواطأ مع العدو الصهيوني لأسباب إستراتيجية، ولكننا نلمح لأول مرة اهتمامًا غير عادي بالجريمة؛ وخاصةً بعد أن هدَّدت دبي بوقف التعاملات الاقتصادية مع الدول الأوروبية المعنية باستخدام جوازاتها بأيدي القتلة الصهاينة.

 

لقد برز عنصران فاعلان في كشف آثار الجريمة وتحريك أوربا، كما رأينا: الأول اليقظة الأمنية الجيدة في دبي، والمتابعة الدقيقة عبر التقنية للتسجيل والرصد، والآخر التهديد بوقف التعاملات الاقتصادية؛ مما يمسّ المصالح الأوروبية في مقتل؛ مما يعني أن الأمة قادرة- لو أرادت- على التعامل مع الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة بالمنطق الذي يفهمه، وهو منطق المصالح والمنافع المتبادلة.

 

الغرب لا قلب له، ولا يعطي للأخلاق أو القوانين اعتبارًا ما لم تفرض عليه مصالحه أن يتحرك.

 

إنَّ صمت الأمة وعدم تحركها يشجِّع القتلة على الاستمرار في ارتكاب جرائمهم واغتيالاتهم، وقد صرَّح الجنرال اليهودي السفاح المهزوم في عدوان صيف 2006م على لبنان بأن منهج الاغتيالات سيستمر، وذكر في تصريحاته المنشورة يوم 23/2/2010م أن أيَّ شخص مثل القيادي في حركة حماس محمود المبحوح- الذي اغتيل في دبي- سيفكر عشرات المرات في شراء تذكرة سفر، وحجز فندق عبر الإنترنت، في أية دولة.

 

وقال حالوتس في كلمة ألقاها في جامعة تل أبيب: "إن اغتيال المبحوح سيردع كلَّ من على شاكلته"، موضحًا: "أن الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله يعيش تحت الأرض منذ ثلاث سنوات وحتى الآن، ويدرك جيدًا أنه عندما تسنح لنا الفرصة سنغتاله".

 

إذًا هي الاستباحة التي يؤكدها قائد الجيش اليهودي السابق، ويعلن بكل وضوح أن عصاباته ستغتال كل من يقاوم الإرادة الصهيونية الدموية، وأنها لا تبالي بالقانون الدولي، ولا الأخلاق ولا القيم الإنسانية.

 

وأظن أن العرب والمسلمين يُفترض أن يأخذوا العبرة والعظة من مقولات القادة الدمويين الصهاينة، ويدركوا أن الحديث عن لغة السلام والتفاوض عبثٌ لا طائل من ورائه، انظر عدد الحروب والغارات التي شنوها منذ أن وقَّع السادات معهم كامب ديفيد، ووقَّع عرب آخرون اتفاقيات أخرى، وفتح آخرون أبواب عواصمهم ومدنهم العربية أمام القتلة؛ ليدخلوا آمنين مطمئنين، ولكن القتلة لم يسالموا ولم يقبلوا بالأمان، بل ازدادوا علوًّا في الأرض وفسادًا، ولن يكون عدوانهم على غزة الذي توقف مؤقتًا في يناير 2009م آخر الحروب الإجرامية ضد الشعب المسلم الأعزل أو الشعوب العربية والإسلامية، لذا لا بد من بناءٍ داخلي عربي إسلامي قوي وخاصةً في الحركات المقاومة، يصفي العناصر غير الأمينة أو التي يدور حولها الشك والريب، وهذا لا يقدح في توجه هذه الحركات، ولا ينقص من قدرها، بل يزيدها قوةً وتماسكًا، بعد أن تبعد المشتبه بهم، وضعاف النفوس.

 

لقد كان مؤسفًا حقًا أن تشير الأنباء إلى اثنين من الفلسطينيين شاركا في جريمة الموساد لاغتيال المبحوح، ومشاركة ما يسمى بسفارة السلطة الفلسطينية في القاهرة لتسفيرهما إلى دبي، ومتابعة القائد الشهيد؛ حتى طالته يد العدوان والاغتيال.

 

وقد نقلت وكالات الأنباء في 23/2/2010م أن شرطة دبي طلبت قبل ثلاثة أسابيع من السلطات الأردنية اعتقال اثنين من ضباط الأمن الفلسطينيين التابعين لسلطة رام الله وهما: أنور جمال شحيبر (38 عامًا) وهو رائد في جهاز ما كان يسمى بـ"الأمن الوقائي" وأحمد على حسنين (28 عامًا) وهو ضابط في جهاز المخابرات الفلسطيني الهارب من غزة، وذلك بعد تقديمهما مساعدات لوجستية لفريق الموساد الذي اغتيال المبحوح في دبي في التاسع عشر من كانون ثاني (يناير) الماضي، وهربهما إلى الأردن بعد تنفيذ عملية الاغتيال مباشرة.

 

إن الخيانة موجودة في كل مكان وزمان، ولكن السكوت عليها هو الخطأ الأكبر، ولذا يجب تصفية هؤلاء الخونة، واستنكار ما تقوم بعض الجهات التي تتعامل مع العدو رسميًّا من تقديم خدمات مجانية له، فهو يبقى دائمًا وأبدًا عدوًّا لا خلاق له، ولا عهد، ولا ذمة!.

 

ثقوا أن الغرب لن ينصفكم، والعدو لن يرحمكم، والخونة لن يتذكروا أن أوطانهم مستباحة، ولذا لا بد من وقفة حازمة عازمة لصنع المستقبل بالصبر، والإيمان والعمل الذي لا يتوقف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)﴾ (آل عمران).

-------

* drhelmyalqaud@yahoo.com