د. حسن الحيوان
لم أستطع أن أستوعب كارثة الجدار العازل لحصار غزة، والذي يمثل عملاً شاذًّا بجميع المقاييس الإنسانية، بل الفطرية لكل الكائنات الحية, لا أحدَ في أي زمن يقبل بحصار أي من الحيوانات أو الطيور وصولاً للهلاك الجماعي, ما الدوافع التي دفعت مصر إلى هذا المستوى من التفرقة العنصرية بالتعامل مع البشر في غزة، بأقل من مستوى التعامل مع بقية الكائنات الحية؟ وهل هي نفس الدوافع للتعامل معنا كمصريين بنفس المستوى من التفرقة العنصرية؟ لا بد أن تؤدي كل هذه الدوافع، وما يرتبط بها من تحالفات إلى تصعيد مباشر إلى حافة الهاوية.

- لا توجد دولة دون تحالفات داخلية وخارجية؛ لتحقيق أهداف في إطار مشروع قومي، ولا يوجد في مصر أي مشروع، بل يوجد هدف وحيد لنظام الحكم؛ وهو الاحتفاظ بالسلطة, بالتمديد أو التوريث, والواضح عدم قبول الشعب بذلك، بل انصراف الشعب تمامًا عن النظام وعن كل ما هو حكومي أو رسمي، فالجميع يبحث عن أي شخصية, مجرد شخصية كارزمية؛ ليتم الحشد حولها للترشح للرئاسة، ومن هنا نصل إلى التضاد التام بين النظام والمجتمع، ونفهم الأوضاع والتحالفات لتحقيق الهدف الوحيد.
- داخليًّا: تحالف إستراتيجي بين الاستبداد السياسي والفساد الاقتصادي:
في ظل القمع، وكبت الحريات، وتزوير كل الانتخابات؛ لا يمكن الاحتفاظ بالسلطة إلا بالاستبداد وإضعاف المجتمع، حتى لا يظهر أي تجمعات منافسة، ولا يظهر أي شخصيات ورموز إلا التابعة للحاكم، والتي تقوم من خلال الإعلام بتوجيه المجتمع ضد مصلحة المجتمع؛ فمثلاً داخليًّا يتم تصوير الأزمة الاقتصادية والاجتماعية على أنها إجبارية بسبب الزيادة السكانية، وخارجيًّا يتم تصوير حماس والفلسطينيين على أنهم مصدر رئيسي للإرهاب بدلاً من "إسرائيل"، والمؤسف هو اقتناع البعض من المثقفين بذلك؛ ما يعمل على الضبابية التامة، ويعمق تفكيك المجتمع وكأننا مختلفون في البديهيات, كما أصبح المعيار في الوصول للمناصب هو المعيار الأمني والولاء المطلق للحاكم، بغض النظر عن الكفاءة، وبذلك ينعدم الفكر والطموح والإبداع، وصولاً للانهيار في كل المجالات.
- وبالتالي لا بد أن يتفشى ويتفنن الفساد في إدارة الثروة العامة، ولقد بدأ يفتضح هذا التحالف لرجل الشارع منذ حادثة العبارة، وموت أكثر من ألف مصري، دون أدنى اعتبار لا سياسي ولا إنساني ولا فطري (العدد كان تقريبًا مأسويًّا لعدد القتلى في حرب غزه الأخيرة)، كما ظهر الفساد في عملية الخصخصة، ويكفي توجيه جزء من حصيلة بيع أصول الدولة إلى الأمن؛ أي إنفاق مال الشعب على الاستبداد بالشعب، ويمكن اختزال مصر داخليًّا في وسيلة وحيدة، وهي تحالف الاستبداد والفساد؛ لتحقيق هدف وحيد وهو الاحتفاظ بالسلطة.. والنتيجة واضحة في الأوضاع الحالية.
- خارجيًّا: التحالف الإستراتيجي مع العدو الإستراتيجي:
التحالف مع الصهاينة لإرضاء أمريكا حتى توافق على عملية الاحتفاظ بالسلطة، وفي نفس الوقت يتم الضغط على حركات المقاومة في فلسطين ولبنان، والتي يتصور نظام الحكم أن انتصارها على "إسرائيل" يمثل تفعيلاً للمد الإسلامي، وتهديدًا مباشرًا لبقائه في الحكم, فضلاً عن أن مصر أصبحت تعادي كل من يعادي "إسرائيل" حتى على المستوى الفردي والمجتمعي؛ لدرجة الضغط على خطباء المساجد لعدم ذكر "إسرائيل" أثناء خطب الجمعة، كما يتم إدراج كل من يناهض "إسرائيل" في العلانية في القائمة السوداء.
- لقد أصبح الجدار العازل يمثِّل ذروة ما وصل إليه هذا التحالف المصادم للفطرة؛ ما وصل بموقف مصر من قضية فلسطين من الريادة إلى الاستقالة.. إلى الوساطة.. إلى!!!! فالريادة كانت منذ 48، مرورًا بـ52، ثم الاستقالة من القضية باتفاقية "كامب ديفيد"، ثم الوساطة الرسمية بين حماس و"إسرائيل" أثناء حرب غزة الأخيرة (تصور أنك تقوم بدور الوسيط بين أخيك في العروبة والإسلام وبين العدو الإستراتيجي) إلى أن وصلنا إلى الوضع الحالي بالجدار والحصار!!!!!!!
هذه التفرقة العنصرية بالتحالفات المصادمة للإنسانية والفطرة الحياتية، تمثِّل نتيجة حتمية لغياب منظومة القيم والمبادئ الأخلاقية التي فطر الله الناس عليها؛ لكن دوام الحال من المحال.
---------
* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار.