لماذا نكتب عن إيران ونتابع باهتمام تطور الأمور فيها؟

لأن إيران بلد حضاري عريق، له تاريخ ممتد قبل الإسلام وبعد الإسلام، ويكفي أن إيران القديمة احتلت مصر، ودخلت في حروب مع اليونانيين على أرض الشام.

 

ولأن إيران الحديثة أصبحت نموذجًا للإسلام الشيعي، وتطبِّق نظريةً، جددت الفقه الشيعي التقليدي وهي: "ولاية الفقيه"، وحاولت تصدير ثورتها إلى البلاد الإسلامية، وعندما فشلت اكتفت بالتأثير عن بعد أو قرب.

 

ولأن إيران لها طموح إقليمي، وملأت فراغًا؛ تسبَّب فيه غياب الإرادة العربية والدول الإسلامية الأخرى، وأصبح نفوذها في العراق هو الأقوى، وفي أفغانستان كبير، ولها نفوذ واضح في لبنان واليمن وفلسطين، بل امتد إلى إفريقيا السوداء.

 

ولأن إيران أصبحت ملفًّا دوليًّا؛ بسبب "طموحها النووي"، وتدير علاقتها الدولية بكفاءة، شهد بها المراقبون، وصمدت خلال 30 سنةً في معارك كبيرة، كان أخطرها 8 سنوات في حرب الخليج الأولى، ثم معركة 8 سنوات أخرى في إعادة البناء بعد التدمير الذي لحقها بسبب الحرب، ثم معركة بناء القدرة العلمية النووية خلال حكم خاتمي؛ بحيث تطلق أقمارًا إلى الفضاء، وتصنِّع صواريخ "بالستية"، ولها قدرات عسكرية وتقنية عالية.

 

اليوم ومع الذكرى الـ31 للثورة الإيرانية التي مثلت مع أحداث أخرى أهم الأحداث في العقود الماضية وهذه الأحداث:

(1) الغزو السوفيتي لأفغانستان، وما ترتب عليه من آثار؛ كان أهمها وأخطرها نهاية الإمبراطورية السوفيتية، وانهيار المعسكر الشرقي كله، ونشأة ما يُسمى بالإرهاب.

(2) الثورة الإيرانية وبداية الانقسام في العالم الإسلامي.

(3) انهيار سور برلين ووحدة ألمانيا، ثم أوروبا، وبروز قطب دولي جديد ما زال في طور التطور والصعود.

 

اليوم إيران على مفترق طرق، تواجه تحديات خطيرة على كافة الأصعدة.

أهمها وأخطرها التحدي الداخلي الذي نشأ عقب إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية وفوز "أحمدي نجاد"، واتهامات التزوير تلاحقه، وحملة قمع خطيرة، نشأت ضد المعارضين، وتدخلات أوروبية وأمريكية لاستغلال الأحداث لدعم المعارضة، وتصعيد المظاهرات، وإثارة القلاقل ضد النظام؛ بغية إحداث انقلاب من الداخل، بعد أن فشلت في اختراقات سابقة، أو هدمه في حروب استنزاف، أو اغتيال قادته في بداية الثورة.

 

واليوم وفي خضم الاحتفالات يخرج قطبا المعارضة بموقفين متباينين.

- كروبي؛ رجل الدين ورئيس البرلمان السابق، يعترف بشرعية الأمر الواقع، داعيًا إلى وحدة الصف خلف النظام، مطالبًا في الوقت نفسه بوقف الملاحقات والإعدامات والاعتراف بالأخطاء؛ تمهيدًا لتصحيحها.

 

أما موسوي؛ رئيس الوزراء السابق، والمهندس القدير فقد أعلن بشجاعة، يحسده عليها الكثيرون أن الثورة الإسلامية فشلت في إنهاء الممارسات القمعية والديكتاتورية التي ورثتها عن نظام الشاه، وأن ذلك أخطر بكثير؛ لأنه يلبس ثوبًا دينيًّا، يضفي عليه مشروعية أخلاقية ودينية، ويظل متمسكًا بمواقفه الثابتة دون أن ينقلب على ثوابت الجمهورية، بل يدعو إلى إصلاحها من داخل النظام، مراهنًا على استمرار الدعم والتأييد الشعبي له والإعلام الخارجي الذي يسلط الضوء على بياناته وتصريحاته.

 

التحدي الثاني والخطير هو التهديد الخارجي والاستعدادت الجارية على قدم وساق لشن حرب على إيران، يشعل نارها العدو الصهيوني الذي يصدق عليه وصف القرآن العظيم: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)﴾ (المائدة).

 

ولقد مارست إيران مناورات، ولعبت على التناقضات بين أمريكا وأوروبا من جهة وبين روسيا والصين من جهة أخرى؛ لتأجيل العقوبات المقررة عليها، أو شل قدرة أمريكا على إعلان حرب عليها.

 

واليوم ومع ذكرى الثورة يعلن أحمدي نجاد أن إيران وافقت على صفقة تبادل اليورانيوم المخصب، وتطالبه أمريكا بمخاطبة الوكالة الدولية للطاقة النووية، وقد تزامن الإعلان مع تطورات خطيرة مهَّدت الأجواء لحالة حرب وشيكة.

 

- الفشل في إقرار العقوبات بسبب فيتو صيني، رغم الموافقة الروسية؛ ما جعل الخيار الوحيد هو الحرب.

 

- مناورات صهيونية على الحدود الشمالية لإبقاء الجبهة الشمالية مع سوريا وحزب الله جاهزة لحرب وقائية، وإعلان سعد الحريري أن أي عدوان على الجنوب اللبناني هو حرب على الدولة اللبنانية كلها وليس على حزب الله.

 

- السعي الدءوب للتهدئة مع الفلسطينيين، سواء "عباس" بالدعوة إلى مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة؛ لإنقاذ ماء وجهه، وغالبًا سيعود إلى المائدة، وينزل من فوق الشجرة، والضغوط المستمرة على حماس؛ للتوقيع على المصالحة لفك الحصار عن غزة، وفتح المعابر، وإنهاء صفقة الأسرى في حزمة تهدِّئ الخواطر العربية والفلسطينية، تمهيدًا لتسخين الجبهة الإيرانية.

 

- التدخل التركي في الملف الإيراني؛ للضغط على إيران دبلوماسيًّا واقتصاديًّا؛ للقبول بصفقة تبادل اليورانيوم، وها هو وزير الخارجية (متقي) يعلن من أنقرة وإسطنبول أن الحرب غير قادمة، بينما يعلن "نجاد" قبول الصفقة لتبادل الوقود النووي من طهران.

 

- التركيز على ملف "القاعدة" و"طالبان"؛ لمواجهة عنيفة مع الأولى، وحوار واحتواء مع الثانية؛ لشل قدرة إيران على استنزاف أمريكا والناتو على الأرض الأفغانية، بينما تتوالى الهجمات الصاروخية على "وزيرستان" و"سوات" في باكستان، ويتم التمهيد لشن غارات في اليمن.

 

وتتدخل السعودية لاحتواء المعتدلين في طالبان، ووصل "قرضاي" إلى الأرض السعودية، يطلب بإلحاح التدخل من خادم الحرمين الشريفين لدى قيادة طالبان لقبول العرض الأوروبي والدولي.

 

التحدي الذي يجمع ذلك كله هو الحفاظ على مقدرات الدولة الإيرانية، وتحسين العلاقات مع دول الجوار، والتواضع في الطموحات الإقليمية، والبعد عن النزعات المذهبية، وتجديد الخطاب الإيراني، والاجتهاد لتطوير نظرية الحكم في إيران بمراجعة "ولاية الفقيه"، واستيعاب المعارضة الوطنية والولوج إلى تعددية حزبية، تسمح بتداول سلمي للسلطة بين أجنحة الثورة الإسلامية، والبعد عن سياسة الإقصاء والإبعاد والمطاردات واتهامات الخيانة والنفاق.

 

إيران اليوم تريد منع الحرب والإبقاء على قدراتها النووية السلمية، والاحتفاظ بقدرتها العلمية لمستقبل يحمل أخطارًا كبيرةً واستثمارًا أفضل لورطة أمريكا في العراق وأفغانستان، وتهدئة شكوك العرب في الخليج ومصر، بل بناء علاقات طبيعية مع مصر والسعوديين، وتقديم التنازلات في هذا الصدد، بدلاً من عقد صفقة مع أمريكا على حساب العرب.

 

هل تقدر النخبة الإيرانية على إدارة كل تلك الملفات المعقدة؟ التحدي خطير وكبير، وسوف نرى الإجابة في الأسابيع المقبلة، وليس الشهور القادمة؟

----------

* عضو مكتب الإرشاد