لن أقارن بين الكيان العربي الهزيل الضعيف ودولة عظمى كأمريكا أو بريطانيا أو أي دولة أوروبية قوية أخرى؛ وذلك لسبيبن: الأول كي لا يكون هناك حجة أو عذر لأي مقارن ينظر للأمور بعين واحدة أو نصف عين، والثاني هو الواقع المرير الذي تعيشه أمتنا الآن والذي لا يسمح ولا يقبل بإنشاء أي مقارنة بين الثور والدجاجة أو بين أسد هصور وفأر صغير.
أما إذا ذهبنا إلى دولة كانت تعاني من الظلم نفسه الذي كان يتعرَّض له العرب وشربت من ذات كأس الهزيمة الذي تجرعه العرب فقارنا بين واقع تلك الدولة الحالي وحالنا المزري؛ فإننا نظن بأن الإنصاف سيكون سهل الرؤيا بيِّن الدلالة واضح الحجة والمنطق.
لقد ذاقت شبه الجزيرة الكورية الأمرَّين في حربها مع أمريكا؛ حيث حصدت أمريكا الوادعة التي تحارب الإرهاب الآن في نهاية عام 1953م أكثر من أربعة ملايين من أبناء الشعب الكوري، وقد رفضت أمريكا توقيع معاهدة عدم اعتداء معها، وظلت كوريا تحت التهديد والوعيد الأمريكي إلى وقتنا هذا، بعد أن استطاعت بحيلها الشيطانية أن تفصل الشق الشمالي عن الجنوبي فحشدت بالقسم الجنوبي أكثر من ثلاثين ألف جندي لإدامة التهديد الذي يبدو أنه سيظل مصلتًا على رقاب الكوريين ما داموا يتمسكون ببرنامجهم النووي والتكنولوجيا النووية التي هي من أهم أسباب الحصار، بالإضافة إلى عدم رضاها عن نظام بيونج يانج الشيوعي الانعزالي.
ولكن ماذا بعد؟ ماذا فعل الكوريون بعد هزيمتهم؟ هل وضع الشعب الكوري يده على خدِّه يندب حظه ويبكي قتلاه؟ هل استسلم لليأس وبادر إلى الصلح مع من عاداه؟ هل مسخ حضارته وتنكَّر لأمته ودينه ولغته؟ هل أضاع ما كان يملكه من مقومات الثبات وعزائم القوة؟ هل انتقم من بني جلدته وروَّض شعبه للانبطاح بحجة اختلاف موازين القوى؟ لا لم يكن شيئًا من ذلك فتلك الأمور سالفة الذكر قد أقدم عليها أنظمة العربان المهترئة الهزيلة التي استسلمت قبل أن تُصفع على قفاها، وبادرت إلى الصلح وجنحت إليه قبل أن تعرف نوايا أعدائها وقاتليها.
ماذا فعلت كوريا؟ سؤال وجيه يستحق الإجابة، ولكن إذا أردت جوابًا عن ذلك السؤال البسيط فانظر حولك، ما نوع السيارة التي تمتطيها؟ أهي كورية الصنع؟ ما نوع الحنفية التي تستخدمها لوضوئك وحمَّامك؟ ما نوع الهاتف الخلوي والمكواة الكهربائية التي تقتنيها؟ من الذي صنع ملابسك الداخلية وبنطالك وقميصك الذي يستر عورتك؟ وما هي نوعية هذا التلفاز والستالايت والحاسوب الذي تقتنيه؟ بل ما نوع سجَّادة الصلاة و(الدشداشة)، والسبحة التي تسبح الله بها؟!
يا إلهي..! كلها صناعات كورية؟ كيف كان ذلك؟ وقد كانت قبل خمسين سنة مستعمرة مهدورة الكرامة تعيش تحت سقوف الحشائش وصفائح المعدن كما كنا نعيش؟ لماذا صعدت هي ونحن ما زلنا نتصبَّب الانحدار؟ لماذا اعتبرت خسارتها في الحرب انطلاقةً جديدةً لتحقيق النصر؟ ونحن بالمقابل كسرنا بنادقنا ووضعنا سلاحنا جانبًا وحوَّلنا صقورنا إلى حمائم وأسراب دجاج، وقلنا لأعدائنا هلمَّ نصنع سلام الشجعان؟! ما هي حجة الذين يدافعون عن تلك الأنظمة الميتة المهترئة؟ وما هي نوعية غسيل الدماغ القاسية التي تعرَّضوا لها؟
اسمعوا يا مدافعين: تقول التقارير إن الدول العربية مجتمعة حصلت على 173 براءة اختراع، في حين أن كوريا تصدَّرت القائمة بتسجيل 7908 براءات اختراع، وقد سجَّلت كوريا أيضًا على الصعيد العالمي أعلى زيادة في عدد الاختراعات المسجَّلة بنسبة 12%، تلتها الصين بنسبة 11.9%.
ومن ناحية أخرى نقلت تقارير إعلامية كورية أن الحكومة تعتزم مراجعة موازنة العام المالي الجديد، التي يصل حجمها إلى 292 تريليونًا (نحو 252 مليار دولار)؛ أي ما يزيد على ميزانية جميع الدول العربية مجتمعة.. الأرقام كثيرة، والحقائق مذهلة، ونحن مشغولون بالترصُّد لبعضنا بعضًا، قسَّمنا أنفسنا إلى سجَّان وجلاَّد ومتهم، فالبريء ضائع، والوطني مكبوت، والمتدين مراقَب، والمثقَّف مطارد، والمخلص مشكوكٌ فيه، والصامت جائع، والمتذمر متآمر، والسياسي مجنون، والكاتب يهرف بما لا يعرف، والبقية الباقية متهمة حتى تثبت براءتها، وتستمر مسيرة العروبة رغم أنف الجاحدين السوداويين، الذين لا يعرفون شيئًا عن انفتاح الحضارات ومنافساتها السلمية التي توصلنا دومًا إلى برِّ الأمان وقطف الريحان.
--------