بدهاء تكاد تزول منه الجبال يحاول أعداء المشروع الإسلامي استثمار حالة الحراك الاجتماعي- التي وصلت لسقفها الأعلى- من ناحية، والحوادث- الفردية لا الطائفية- المعزولة من ناحية أخرى، لتوجيه ضربة قاصمة لأحلام الأمة وأشواقها للعودة إلى الإسلام تشريعًا ومنهاجًا.

 

وقد كنا نحسب أن ذلك الغيظ القاتل سيظلُّ مكتومًا في صدورهم كي لا يَصدموا الأمة في دينها وشريعتها؛ مجاملةً منهم لعموم الجماهير المسلمة على الأقل، لكنهم- فيما يبدو- ما عادوا يأبهون بنا، بل صاروا يستبقون الأحداث؛ ليكون مشروعهم السرطاني عتيدًا حاضرًا لو انجلى غبار الأزمة المشتعلة عن شيء جديد ذي بال، وصدق فيهم قول القائل: "ما لم يكن سيصح صح ولم يكن سيجوز جاز".

 

صرح الشر إذن، وانكشف المستور، وباحت أقلام نافرة، ووجوه كالحة ثائرة، وظهر من بين السطور ما كان مستجنًّا في الضمائر والصدور.. ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (آل عمران: من الآية 118)، كما قال اللطيف الخبير.

 

بدأ الأمر بذلك المركز المتأمرك الذي ألصق ظلمًا وزورًا- بـ"ابن خلدون"- حين طالب القائمون عليه- وفيهم من سحب منه الأزهر إجازة العالمية لإنكاره السنة- بأن تحذف ديانة المرء من الهوية (البطاقة الشخصية)؛ ليستوي الجميع، فلا يُعرف المسلم من غير المسلم، ليتحقَّق القضاء على الفتنة الطائفية في زعمهم.

 

وحينما وجدوا أن مطلبهم هذا- وهو بمنزلة جس نبض لقوى الأمة الحية- لم يواجَه بما يستحقه من مواجهة قوية، اللهم إلا بعض المقالات المتناثرة هنا وهناك، قرَّروا عندئذٍ أن يفجِّروا قنبلتهم الثانية، وبها استعلن العداء أكثر وأكثر، إذ طالبوا بإلغاء المادة الثانية من الدستور، تلك المادة التي استُحدثت لأول مرة في دستور عام 1923م، والتي حكى المستشار الكبير طارق البشري قصتها في حوارٍ قريبٍ معه فقال: "أنا عندي محاضر دستور 23 كاملة!! وما حدث كان موافقة بإجماع 32 عضوًا، وكان المطيعي واحدًا منهم، أما الباقون فكان منهم خمسة مسيحيين، بينهم الأنبا يؤانس الذي كان وقتها نائب البطريرك، ثم أصبح بطريرك بعدها بسنتين، وواحد يهودي، واثنان إسلاميان، والباقون كلهم علمانيون؛ أي أن العلمانيين هم من وافقوا على هذا النص لا المطيعي وحده.. إلخ".

 

وانزوت تلك المادة حينًا، ثم أُعيدت لدائرة الضوء مرةً أخرى، حين نقلها آخر تعديل للدستور في عهد السادات من المادة 149 إلى المادة الثانية، وأصبحت تتضمن أمورًا ثلاثة:

1- الإسلام دين الدولة الرسمي.

2- اللغة العربية لغتها الرسمية.

3- مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.

 

وعلى الرغم من أن عبارة (المصدر الرئيسي للتشريع) لا تحقِّق الطموح المأمول من القاعدة الإسلامية الشعبية- إذ المطلوب إسلاميًّا أن تكون العبارة (المصدر الوحيد) أو (مصدر التشريع)- فإنه كان من المفترض أن يشعر المسلمون- وهم الأغلبية- بالأمان، فالدستور كما هو معروف أبو القوانين والمرجعية العليا للمجتمعات البشرية في أية دولة في العالم، ولا يمكن لقانون أن يتجاوزه، ولذا فقد أنشئت المحكمة الدستورية العليا للبتِّ في مدى اتفاق القوانين الصادرة عن المجلس النيابي مع الدستور؛ كي لا يسير القانون في وادٍ والدستور في وادٍ، وظلت هذه المادة طيلة هذه السنوات لا تعدو كونها إطارًا نظريًّا لم يأخذ حظَّه من التطبيق الفعلي في الواقع، ولا تكاد تستخدم إلا عند المنازعات التي ترفع للمحكمة الدستورية العليا، وربما المحاكم الأخرى في أحيان نادرة، مثل مدى مشروعية دخول الجامعة للطالبات المنتقبات، ومدى مشروعية شعار (الإسلام هو الحل).. إلخ.

 

أما التطبيق الفعلي لهذه المادة فليس له معنى سوى النزول على شرع الله كاملاً غير منقوص من ناحية، والاهتمام الواجب باللغة العربية على جميع الأصعدة؛ باعتبارها اللغة الرسمية من ناحية أخرى، وبدهي أن هذا غير واقع، إلا عند من يهرفون بما لا يعرفون، ممن عشيت أبصارهم عن الحق الأبلج، فراحوا يزعمون أن الشريعة الإسلامية مطبَّقة، وإن تواضع بعضهم فزعم أنها مطبقة بنسبة خمسة وتسعين بالمائة (95%!)، وافترى بعضهم على الله عز وجل حين زعم أن ما تبقى (5%)- وهي الحدود- لا يمكن تطبيقه؛ لأنه يستلزم عدالة الشهود، وهي مفتقدةٌ في خياله المريض!!، وبهذا اتهم الأمة جميعًا بالزيغ، ووضعها في سلة واحدة، وغسل يديه من مسألة المناداة بتحكيم شرع الله؛ لأنه مطبَّق فعلاً!!.

 

ولسنا بصدَد الردِّ على هذه الدعوى المتهافتة، التي يسخر منها كل ذي لبٍّ، وإنما يعنينا أن هذه المادة التي يطالب بعض ذوي الأفكار الجانحة بإلغائها، لم يترتب عليها شيء زائد من الناحية الواقعية للمسلمين، ولا انتقاص أو جور على غيرهم؛ لأنها لم تعرف سبيلها للتطبيق أصلاً.

 

وقد جرت محاولات كثيرة من قبل دعاة الإسلام الذين نحسبهم مخلصين- ومنهم فضيلة الشيخ صلاح أبو إسماعيل- لوضع هذه المادة موضع التنفيذ لكنها لم تجد إلا التسويف والمماطلة والخداع، وعلى الرغم من أن الشيخ صلاح رحمه الله استطاع أن يحصل على تعهُّد بذلك من نواب الشعب في حجر الكعبة، فإنهم نكثوا ونكصوا على أعقابهم وما وفوا، وقد صدق الله حين قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (يونس: من الآية 81)، فلم يشأ رب العالمين أن يكتب لهم هذا الشرف العظيم.

 

وقُبِرَ أمر (تقنين الشريعة)، وأصبحت المطالبة بها بعد ذلك عند أولى الأمر رجسًا ونجسًا يجب الفرار منه، وعدم التطرق إليه؛ لأن الأجواء دائمًا في زعمهم غير مواتية لأي إصلاح من أي نوع.

 

الليبرالية أم الإسلام؟

إنهم يقولون- ويا لخيبة منطقهم!!-: إن النص على أن دين الدولة الرسمي الإسلام معارض لليبرالية، التي ينبغي أن نتحاكم إليها، وقال بعضهم كما جاء في جريدة أسبوعية سيارة: إن "المواطنة يجب أن تكون مصدر التشريع"، بينما قال مدَّعٍ آخر للعقلانية والاستنارة الفكرية: "إن الحاجة ملحَّة لصياغة مفهوم جديد للدولة الوطنية في العالم العربي يختلف عن مفهوم تلك الدولة القائمة على تسيُّد دين على دين أو مذهب على مذهب أو قومية على أخرى..."؛ أي إنهم يرفضون أن يكون دين الدولة الإسلام؛ "لأن الأمر يحتاج إلى مراجعة تفصل بين الإسلام الدين والإسلام السياسة، فكل أزماتنا وليدة الخلط بينهما".

 

إن من يقرأ هذا الكلام يشعر وكأن الدولة العربية الحديثة- أية دولة- تتبنَّى منهج الإسلام، وتتعصَّب له، وتطبِّق الشريعة، وتخلط بين الدين والسياسة، وتُقصي غير المسلمين وتضيِّق عليهم! مع أن العكس صحيح؛ فالدولة القائمة لا تتبنَّى دينًا معينًا إلا في ليلة السابع والعشرين من رجب وليلة النصف من شعبان وليلة القدر!.

 

فأين سيادة دين على دين؟

والدولة المعاصرة علمانية، لا تطبق الشريعة مع وجود هذا النص الدستوري! والمسلمون فيها يحلمون بأن يكون لهم- في بلدهم الذي يشكلون أغلبيته الكاسحة- حقوق غير المسلمين! ليس ذلك من الخيال في شيء، فمعاذ الله أن نهزل في موطن الجد، فإن الاضطهاد الذي يتحدث عنه بعضهم- إن وجد- يعد محدودًا ولا يكاد يذكر إذا ما قورن بما يعانيه مواطنوهم من المسلمين، فلنا أن نسأل: من الذي يحاكم اليوم محاكمات عسكرية هزلية متتابعة؟ ومن الذي يتعرض للاعتقالات العشوائية؟ ومن الذي يضيق عليه في ممارسة شعائره؟ بل يحارب في رزقه ومعاشه؟ ومن الذي تفصل القوانين تفصيلاً- ممن باعوا أنفسهم للشيطان- لمنعه من ممارسة العمل السياسي؟ ألا يكفي أن المسلمين قد آل الأمر بهم إلى حالة خذلان تامة، لمن جاءهم مهتديًا مسلمًا؟ (وما قصة وفاء قسطنطين منا ببعيد) بينما محاولات تغيير عقيدة المسلمين وفتنتهم عن دينهم تجري على قدم وساق، ولا يعارضها معارض خشية الاتهام بإشعال الفتنة الطائفية، وتهديد الوحدة الوطنية؟ وهي تهمة معروفة مألوفة.

 

إن هؤلاء العابثين يلعبون بالنار حين يلوحون في وجوهنا بورقة الأقليات، وحقوق غير المسلمين في ظل الشريعة، مع أنهم يعلمون- بيقين- أن إيمان الإسلام بالتعددية، باعتبارها سنة من سنن الله في الشرائع والأقوام، هو الذي جعل الأقليات تعيش في دياره أسعد أقليات في العالم، كما كان يردد شيخنا محمد الغزالي- رحمه الله-.

 

إن النصرانية- عقيدة أكثر الأقليات- أعلنت أنها مجرد شريعة لخلاص الروح، همها الأول والأوحد مملكة السماء، تاركة ما لقيصر لقيصر وما لله لله. هذه الحقيقة- إلى جانب شمول الإسلام في طبيعته للدولة مع الدين- تجعل من إسلامية المرجعية في هوية الدولة ورسالتها أمرًا لا ينتقص من حقوق المواطنة لغير المسلمين في الدولة ذات الأغلبية المسلمة (لأن إسلامية الدولة- كما يقول أستاذنا الدكتور محمد عمارة- من حيث إسلامية قانونها مطلب ديني إسلامي وتكليف إلهي للمسلمين، لا يقابله مطلب نصراني للنصرانية، فالنصرانية التي لم تأت بشريعة للدولة والسياسة والاقتصاد، لا ينتقص منها، ولا من حقوق أبنائها إسلامية (قيصر) الدولة. بل إن الحفاظ على حقوق الأقليات النصرانية في المواطنة دين يتدين به المسلمون، وليس مجرد تسامح ديني يمنح عند الرضى، ويمنع عند ضيق الصدر، فالله عز وجل يقول في تحديد معايير الولاء والبراء بين المسلمين وغيرهم ﴿لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (9)﴾ (الممتحنة).

 

وبناء على هذا النص المحكم، فإن أبناء الأقليات شركاء في المواطنة لهم البر والعدل فريضة من الله فرضها على الأغلبية المسلمة فرضًا، أما الليبرالية فقد رأى العالم كله تجلياتها المعاصرة ومقاييسها الجائرة في جوانتنامو وأبي غريب، كما رأى تطبيقات الشيوعية والاشتراكية من قبل في معسكرات الاعتقال السوفيتية الرهيبة وفي سجن الباستيل بروسيا، والسجن الحربي ومذابحه الشهيرة في مصرنا المحروسة في ظل الثورة المباركة في عهد كان شعاره: ارفع رأسك يا أخي... لتقطع!!

 

مرحلية النصوص: ثالثة الأثافي

ليت الأمر اقتصر على هذا بل إن أحد أدعياء تجديد الفقه، يرى أن نعيد النظر في (جميع) نصوص الشريعة- قرآنًا وسنةً- للتثبت من مدى تحقيق الحكمة التي من أجلها سنت، وقد قرأت هذا النص في الجريدة المذكورة مرات ومرات لعلي أكون قد أخطأت القراءة أو الفهم، لكني تيقنت من هذا النص وأشباهه مما يمتلئ به هذا المقال الطائش، في هذا التحقيق الذي وصفه أصحابه بأنه جريء! ومعنى كلام هذا المجدد المزعوم للفقه، أن الفقيه المعاصر لو نظر في حكم شرعي قاطع- لا يحتمل تأويلاً- فوجده من وجهة نظره لا يحقق الحكمة، أي الغرض الذي شرع من أجله لوجب عليه إبطاله، وإن كان في القرآن والسنة الصحيحة! وإن فهم جميع الفقهاء سلفًا وخلفًا من النص بخلاف ما فهم، أي أنه يطلب أن يكون هو المرجعية، وليس العلماء الكبار المختصين، الذين أجمعت الأمة على جلالتهم، فأي غرور أكبر من هذا؟

 

إن التواضع بين يدي الله ورسوله- صلى الله عليه وسلم- يجعل الباحث الصادق يتهم النفس قبل أن يتهم النص، ويراجع فهمه قبل أن يتهم غيره، وأنى لصاحبنا مثل ذلك الأدب مع الله ورسوله- صلى الله عليه وسلم- وهو ينكر أكثر السنة؟.

 

إن القول بمرحلية النصوص للهرب من النزول على حكمها يهدم فكرة الثبات في الشريعة، حيث لا مبدأ مستقر ولا حكم مطرد، وهو قول العلمانيين المارقين، ولا شأن له بتجديد الفقه مطلقًا، بل هو الفوضى المطلقة التي تجعل كل المقاييس شخصية ونسبية، فتسقط المرجعية، ولذلك يرفض هؤلاء كثيرًا من شرع الله، وينصبون أنفسهم مشرعين نيابة عن رب العالمين، ويقولون إن الدنيا قد تغيرت، ولم يعد يصلح لها تشريع مضى عليه أربعة عشر قرنًا من الزمان ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا﴾ (الكهف: من الآية 5)، فهذا اتهام صريح لرب العالمين، بأنه وضع شريعة قاصرة، لا تناسب تطورات العصر، ومستجدات الناس ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ﴾ (البقرة: من الآية 140).

 

والعجيب أنهم يزعمون التدين، ويقولون كما قال كبيرهم الهالك: (أنا أقبل الإسلام دينًا، وأرفضه دولة)، وهذه المقولة ترجمة عملية لمقولة خبيثة أخرى رائجة وهي (لا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين)، وظاهرها يعني الخروج من الملة، وإن حملها بعض المشايخ (الطيبين) على محامل حسنة لا تستقيم مع مدلولها العلماني القبيح.

 

ملكيون أكثر من الملك

العجيب في الأمر أن ليبرالية الغرب، التي يستدعيها هؤلاء، وتكاد تكون دينهم الجديد تسمح بقيام أحزاب مسيحية ديمقراطية، بلغ عددها أكثر من أربعين حزبًا! وبعضها تقلد الحكم، كما في ألمانيا، ولم يقل أحد إن هذه الأحزاب تحتكر المسيحية، وتنفرد بحق الحديث باسم الدين.

 

بينما لا يطيق أكثر هؤلاء الليبراليين مجرد قيام حزب مدني له مرجعية إسلامية في بلادنا، ويضربون في حديد بارد حين يقولون إذا سمحنا بحزب إسلامي فمعنى ذلك أننا غير مسلمين! وهو كلام سمج سخيف متهافت كما يبدو لكل ذي عينين.

 

بل إني في زيارة قريبة لأوروبا تابعت عن كثب الجدل الدائر هناك حول سبل مواجهة غزو الثقافات الوافدة- ويقصدون بها الإسلام تحديدًا- وكيفية مواجهة شبح الأسلمة، الذي يطاردهم حتى في أحلامهم بسبب كثرة أعداد المسلمين الجدد، وكم ستكون مفاجأة هؤلاء الليبراليين عظيمة حين يعلمون أن الجدل قد استقر على نتيجة واحدة، وهي ضرورة العمل على إحياء القيم النصرانية، ونشر الإسلاموفوبيا (أي التخويف الإسلام) على أوسع نطاق، وهي نتيجة يكاد يجمع عليها السياسيون في أكثر بلدان أوروبا، ولا عجب فإن كثيرًا من القادة هناك طالبوا بأن يكون الاتحاد الأوروبي (ناديًا مسيحيًّا)، بل إن كثيرًا من تلك الدول الليبرالية تنص على ديانة الدولة في المادة الأولى من دساتيرها غالبًا، وتنص أحيانًا على مذهب المرشح لرئاسة الدولة أو الحكومة أو ملته بالتفصيل، بأن تشترط مثلاً أن يكون كاثوليكيًّا أو أرثوذكسيًّا... إلخ. (كما هو الحال في السويد واليونان والدنمارك وإسبانيا وإنجلترا...إلخ)، كما هو الحال في أكثر دولنا العربية والإسلامية، دون أن يتهمهم أحد بالرجعية والانغلاق، ومصادرة حق الأقليات، وهل كان رفض الفرنسيين والهولنديين للدستور الأوروبي منذ سنوات إلا تعبيرًا عن رفضهم لانضمام تركيا المسلمة إلى ذلك النادي المسيحي؟ أيها الليبراليون، واليساريون يا من جمعكم لقاء كونداليزا من قبل، ويا من تحلمون بلقاء سكوبي وهيلاري في المرة القادمة: اسمعوها بلا لبس ولا غموض، إن هذا الشعب المسلم الذي أكرمه الله بشريعة ربانية عادلة رحيمة لن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فثوبوا إلى رشدكم أو موتوا بغيظكم وادخلوا مساكنكم.

-----------------

* عضو اتحاد علماء المسلمين.